أعظم مغاصات العالم: موسم اللؤلؤ في الخليج العربي كما رآه روزنتال

حين جلس تاجر اللؤلؤ الباريسي ليونار روزنتال يكتب كتابه «في مملكة اللؤلؤ»، كان يعرف أنه يكتب عن عالمٍ يمتدّ من سواحل فنزويلا إلى جزر المحيط الهادئ.

عن كتاب «في مملكة اللؤلؤ» · ليونار روزنتال · تحقيق: أحمد علي المرر

ليونار روزنتال٨ دقائق

حين جلس تاجر اللؤلؤ الباريسي ليونار روزنتال يكتب كتابه «في مملكة اللؤلؤ»، كان يعرف أنه يكتب عن عالمٍ يمتدّ من سواحل فنزويلا إلى جزر المحيط الهادئ. غير أن قلمه كان يعود في كل مرة إلى بقعةٍ واحدة يضعها فوق سائر البقاع: الخليج العربي. ففي الفصل الذي خصّصه لمغاصات اللؤلؤ يقرّر بعبارةٍ صريحة: «وأعظم مغاصات العالم شأنًا مغاصات الخليج العربي، التي تُخرج في كل عامٍ من اللؤلؤ ما قيمته أربعون إلى ستين مليون فرنك».

تاريخٌ أقدم من الذاكرة

لا يبدأ روزنتال حديثه عن الخليج من زمنه هو، بل يعود به إلى الأزمنة القديمة؛ فيذكر أن الإغريق عرفوا هذه المغاصات في زمن سلوقس ملك سوريا، وأن ميغاستينس تحدّث عن مغاصاتٍ للؤلؤ على السواحل الشرقية للخليج. ثم يقفز إلى القرن السادس عشر، فيذكر أن تجارة اللؤلؤ في هذه المنطقة كانت من سنة 1515 حتى القرن السابع عشر في أيدي البرتغاليين الذين استولوا على الجزر ذات المغاصات، ثم استعادها منهم الشيوخ الساحليون. ويضيف المحقق في حاشيته أن البرتغاليين استولوا على هرمز سنة 1515 وبقوا فيها حتى سنة 1622، وأن قوةً برتغالية هرمزية غزت البحرين سنة 1521، وظل البرتغاليون يسيطرون عليها حتى طُردوا منها سنة 1602.

لوحة ملوّنة من لوحات الكتاب، من رسم إدمون دولاك، توضّح أسطورةً من أساطير اللؤلؤ التي يرويها المؤلف
لوحة خيالية لإدمون دولاك عن أساطير اللؤلؤ، وليست مشهدًا من الخليج: «لؤلؤة الفيل» (La Perle de l'Éléphant): «والأصداف التي تنتمي إلى سلالة ملكة الأصداف... والفيلة الأصيلة، هي التي تُنتج اللآلئ» (الفصل الرابع عشر)المصدر: «في مملكة اللؤلؤ»، ص 35أصل الصورة: لوحةٌ ملوّنةٌ لإدمون دولاك (1882–1953) من طبعة هـ. بياتسا لكتاب «في مملكة اللؤلؤ»، باريس، 1920

أما في زمن المؤلف فالبحرين في قلب المشهد؛ إذ يقول إن «جزر البحرين هي اليوم مستودع المغاصات كلها»، ومنها يُرسل اللؤلؤ إلى بمباي، والغوص فيها حرّ إلا من إتاوةٍ زهيدة تؤدّى إلى شيخ الميناء. ويذكّر المحقق القارئ بأن منظمة اليونسكو أدرجت سنة 2012 في قائمة التراث العالمي موقع «صناعة اللؤلؤ، شاهدٌ على اقتصاد جزيرة» في مدينة المحرّق.

روزنامة الموسم

يرسم الكتاب للموسم إطارًا زمنيًا واضحًا: «ويبدأ الغوص في الخليج العربي في شهر أبريل، وقد لا ينتهي إلا في أكتوبر أو حتى نوفمبر، إذا كان الجو حارًّا والريح مواتية»، ويتخلّل هذه المدة شهر رمضان. ويقدّر المؤلف عدد المتفرّغين للغوص وحده بنحو ستين ألفًا إلى ثمانين ألفًا من الأهالي.

وقبل أن يُرفع الشراع تبدأ الحكاية الاقتصادية للموسم: يتزوّد ربّان المركب بالأرز والتمر المجفف والقهوة والسكر، ويسلّفه إياها أحد الأغنياء بزيادةٍ تبلغ ثلاثين أو أربعين في المئة، ويحتفظ لنفسه بحقّ شراء اللؤلؤ عند عودة الغواص. وهنا يتدخّل المحقق ليعيد إلى الكلمات أسماءها المحلية؛ فربّان سفينة الغوص وصاحبها يُعرف عند أهل الخليج بـ«النوخذة»، والغواص يسمّى «الغيص»، وتاجر اللؤلؤ «الطوّاش» ومهنته «الطواشة».

على ظهر مركب الغوص

أجمل ما في هذا الفصل شهادةٌ ينقلها روزنتال عن مشترٍ فرنسي كان على صلةٍ دائمة بأهل الخليج ويتكلم لغتهم. يصف الرجل صباحًا وصل فيه في الرابعة إلى مركبٍ شراعي فيه ثمانون غواصًا، يسوده صمتٌ مهيب ونظامٌ تام، و«في كل دقيقتين أو ثلاث كان نحو ثلاثين رجلًا يغوصون، معلَّقين بحبالٍ يمسك بها رفاقهم».

ومن سنة 1515 حتى القرن السابع عشر كانت تجارة اللؤلؤ في هذه المنطقة في أيدي البرتغاليين الذين استولوا على الجزر التي كانت في مياهها مغاصاتٌ للؤلؤ. ثم استعادها منهم الشيوخ الساحليون بعد ذلك
ليونار روزنتال«في مملكة اللؤلؤ»

ويعدّد الشاهد أدوات الغواص القليلة: ملقطٌ صغير من العظم يضغط به أنفه، وأغطيةٌ جلدية للأصابع، وسلةٌ صغيرة، وحجرٌ يُربط إليه. وتأتي حواشي المحقق هنا كأنها معجمٌ صغير لمفردات الغوص: فالملقط هو «الفطام»، وأغطية الأصابع «الخبط»، والسلة «الديين»، والحجر «الحصاة» أو «الثقل»، ومن يمسك الحبل ويسحب الغواص هو «السيب»، والحبل الواصل بينهما «اليدا».

وتدوم الغطسة، كما يروي، من دقيقتين إلى ثلاث، ويبلغ الغواصون الذين رآهم عمق عشرين مترًا. ولا يخفي الشاهد قسوة هذا العمل؛ فيصف الإعياء الذي يبدو على الغواصين عند صعودهم، ويروي حادثةً رأى فيها غواصًا يُسحب فاقد الوعي، ثم يعجب حين يراه بعد فنجانٍ من القهوة يعود إلى الغوص بعد ساعة. والقهوة، كما يقول، هي الشيء الوحيد الذي يتناوله الغواصون طوال النهار، فإذا جاء الليل أكلوا الأرز والتمر قبل النوم.

فرحة الدانة

ليست كل الأيام شقاءً. فالمحار يُفتح على ظهر المركب أو على البر، والمعدّل نحو خمسين صدفةً لبضع لآلئ صغيرة، أما الجميلة فنادرة. لكن حين تُكتشف إحداها يعمّ المركب فرحٌ عظيم، فتدوّي الطلقات معلنةً البشرى التي تنتقل من مركبٍ إلى مركب حتى تبلغ الساحل، فلا يتحدث الناس إلا عن ماء هذه الأعجوبة وجمالها ولونها وشكلها. ويلخّص روزنتال مكانة اللؤلؤ في نفوس أهل تلك الأنحاء بقوله: «فالعربي في تلك الأنحاء يكاد يعبد اللؤلؤ، بل يؤثره على فرسه». ويضيف المحقق أن أهل الخليج يسمّون اللؤلؤة الكبيرة الثمينة «الدانة».

ومن طريف ما ينقله الشاهد أن غواصًا وجد لؤلؤةً جميلة فوضعها في فمه، كعادتهم، ليقيها تغيّر الحرارة، لكن انفعاله اشتدّ حتى عضّها، فانكسر أحد أسنانه وخُدشت اللؤلؤة.

البحرين: سوقٌ لا تُفتح إلا بالصبر

في الفصل الرابع، «في طلب اللؤلؤ»، يعود المؤلف إلى البحرين ليقول: «ففي البحرين، في الخليج العربي، على مقربةٍ من ساحل جزيرة العرب، توجد أهمّ مغاصات العالم». ويصف أهلها بأنهم يرون الصيد حقًّا قديمًا موروثًا عازمين على صونه، فيقول: «وهم، إذ يتّصفون باللطف وكرم الضيافة، شديدو الغيرة على امتيازاتهم، والويل لمن يحاول التعدي عليها!».

ثم يروي قصة مشترٍ فرنسي جاء إلى الخليج ثلاث سنواتٍ متتالية دون أن يُعرض عليه لؤلؤ، حتى خطرت له في السنة الرابعة فكرةٌ طريفة: حمل ماله كله قطعًا فضيةً صغيرة، فظلّت اثنا عشر حمارًا طوال يوم وصوله تنقل صناديق الفضة من المركب إلى مسكنه، فجاء الناس من تلقاء أنفسهم يعرضون اللؤلؤ. وفي الحاشية يكشف المحقق خيطًا آخر للقصة: فقد ذكر ليونار بويي في حديثٍ منشور سنة 2024 أن فيكتور روزنتال، أخا المؤلف، وكان يحسن العربية، قصد البحرين سنة 1906، وأن الرواية في مذكرات المؤلف تجعل الحمير خمسين، بينما هي في هذا الكتاب اثنا عشر.

خريطة المغاصات في العالم

يضع روزنتال مغاصات الخليج العربي في سياقها العالمي. فهو يذكر أن «مغاصات اللؤلؤ كلها تقريبًا في المنطقة المدارية»، ويرسم دائرة واسعة تبدأ من الخليج العربي حتى جزيرة مرغريتا في فنزويلا، تشتمل على مغاصات مصوّع وأستراليا وتاهيتي وبنما وكاليفورنيا وغيرها. ويلاحظ أن محار اللؤلؤ «يُصاد في كل مكانٍ تقريبًا، ولكن لا يُستغلّ إلا ما عُرف من المغاصات منذ قرون، لأن غيرها قليل الغلّة سريع النفاد».

ويضيف أن لون اللؤلؤ ومظهره يختلفان من مغاص إلى آخر «بحسب حجم الأصداف، وبحسب تركيب قاع البحر خاصة». ثم يقدّر غلّة الخليج: فهي «تُخرج في كل عامٍ من اللؤلؤ ما قيمته أربعون إلى ستين مليون فرنك».

من البرتغاليين إلى الشيوخ

ويمرّ المؤلف سريعًا بتاريخ هذه التجارة في العصر الحديث: «ومن سنة 1515 حتى القرن السابع عشر كانت تجارة اللؤلؤ في هذه المنطقة في أيدي البرتغاليين الذين استولوا على الجزر التي كانت في مياهها مغاصاتٌ للؤلؤ. ثم استعادها منهم الشيوخ الساحليون بعد ذلك».

لوحة ملوّنة أخرى من لوحات دولاك في الكتاب، عن أسطورة لؤلؤة السمكة
لوحة خيالية لإدمون دولاك عن أساطير اللؤلؤ، وليست مشهدًا من الخليج: «لؤلؤة السمكة» (La Perle du Poisson): «ولؤلؤة السمكة لونها كلون ظهر السِّلَّوْر... تولد في أفواه الأسماك» (الفصل الرابع عشر)المصدر: «في مملكة اللؤلؤ»، ص 43أصل الصورة: لوحةٌ ملوّنةٌ لإدمون دولاك (1882–1953) من طبعة هـ. بياتسا لكتاب «في مملكة اللؤلؤ»، باريس، 1920

ويوضح المحقق في حاشيته أن البرتغاليين استولوا على هرمز سنة 1515 وبقوا فيها حتى سنة 1622، وأنهم فرضوا على السفن التجارية في الخليج نظام تصاريح.

مغاصات بعيدة عن الساحل

يحدد روزنتال موضع المغاصات: «والمغاصات تقع عمومًا على مسافة مئةٍ وخمسين ميلًا أو مئتي ميلٍ من ساحل جزيرة العرب». ويذكر أن الذين يسلّفون أرباب المراكب مؤونتهم قلة من الأغنياء، «ولعلهم عشرةٌ أو خمسة عشر يمسكون البلاد كلها بأيديهم». ويشرح عاقبة الموسم الرديء على الغواص: «وحينئذٍ، إذا كان المحصول رديئًا، تبدأ مصائب هذا الأخير، بينما تتراكم فوائد دَينه».

حادثةٌ في عرض البحر

ومن أكثر ما في شهادة المشتري الفرنسي تأثيرًا وصفه لحادث وقع أمامه. يقول: «وفجأةً لمحتُ على أحد جانبي المركب شيئًا من الاضطراب، إذ كان نحو عشرة غواصين يغوصون في الموضع نفسه». وقال له الربّان بهدوء إن غواصًا «لم يعد يعطي إشارةً بحبله، ولعل سمكةً عضّته، أو لعله أُغمي عليه».

ثم ظهر غواص «وهو يجرّ رفيقه فاقد الوعي مضرَّجًا بالدماء، وقد جرفه التيار إلى ثلاثين مترًا من المركب». وقيل للشاهد إن سمكة «يسمّونها هنا «الشيطان» (وهي الأخطبوط)» هي التي أصابته.

ويذكر أن أكثر الغواصين يحملون معهم تميمة يرون أنها تحميهم من هذه السمكة. ويختم القصة بما أدهشه: فبعد أن شرب المصاب فنجانًا من القهوة، «وهي الشيء الوحيد الذي يتناوله الغواصون طوال أربع عشرة ساعةً من النهار»، عاد إلى الغوص بعد ساعة. «فإذا جاء الليل أكل الغواصون الأرز والتمر قبل أن يناموا».

من الصدفة إلى السوق

ويصف الشاهد ما يجري للمحار بعد صيده: «فيُبسط في الشمس حيث يتعفن، فتنتشر منه رائحةٌ كريهةٌ إلى مسافة عدة كيلومترات. وتُنزع على الفور اللآلئ الكبيرة القليلة إن وُجدت، أمّا الباقي فيُغلى ويُغربل لجمع ما قد يبقى فيه من اللؤلؤ».

ويذكر طريقة لصون المغاصات: «وتُلقى الأصداف الصغيرة الفارغة في البحر، وبذلك تُصان المغاصات بتمكين المحار من التكاثر فيها من جديد». لكنه يستدرك بأن هذه الطريقة لا تُتّبع إلا في المغاصات الخاصة.

أما مسار اللؤلؤ بعد ذلك فيلخّصه الشاهد في جملة واحدة: «فإذا عاد رئيس الغواصين إلى القرية باع محصوله للعربي الذي سلّفه الطعام، ويمضي هذا بدوره فيبيعه في سوق الخليج الكبيرة أو في بمباي».

لماذا كان اللؤلؤ عسير المنال؟

يفتتح روزنتال الفصل الرابع بتأمل في طبيعة هذه التجارة: «إن اللؤلؤ، وهو مستترٌ في أحضان البحار المدارية، أعسرُ اكتشافًا من سائر الجواهر». ويرى أن «النجاح فيه كالفوز في اليانصيب».

ويفسر بذلك ما يسميه احتكار الغواصين لهذه المهنة منذ قرون: فصيد اللؤلؤ «يقتضي من جهةٍ أخرى ممن يزاولونه تنظيمًا متكاملًا». ويضيف: «وكثيرًا ما لا تفي الحصيلة بمتاعب الغواصين ولا بنفقات المتعهد. وكلهم يعيشون على أمل أن يُثروا باكتشاف لؤلؤةٍ جميلة».

خاتمة

يقرأ المرء هذين الفصلين فيرى الخليج العربي من نافذةٍ غير مألوفة: نافذة تاجرٍ أوروبي يعرف قيمة اللؤلؤ في أسواق باريس، لكنه يدرك أن هذه القيمة تبدأ من صبر غواصٍ في عرض البحر، وحكمة نوخذةٍ يدير مركبه، وسوقٍ في البحرين لها أعرافها وأهلها. وتأتي حواشي التحقيق لتعيد إلى المشهد لغته المحلية، فتصير القراءة رحلةً بين عينٍ غريبة تصف، وذاكرةٍ خليجية تسمّي.

المصدر

  • الكتاب: «في مملكة اللؤلؤ» (Au royaume de la perle)، تأليف: ليونار روزنتال (Léonard Rosenthal)، بلوحات إدمون دولاك؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل الثالث «مغاصات اللؤلؤ» ص 24–31 (والمادة المستعملة ص 24–28: خريطة المغاصات والبرتغاليون ص 24؛ موضع المغاصات ص 25؛ الحادثة ص 26–27؛ المحار والسوق ص 27–28)، والفصل الرابع «في طلب اللؤلؤ» ص 32–34.
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة