في السابع عشر من سبتمبر 1863 قُرئ أمام الجمعية الجغرافية في بومباي تقريرٌ طويل عنوانه «ملاحظات عن القبائل والتجارة والموارد حول ساحل الخليج العربي». كاتبه لويس بيلي، الذي كان قد نُقل حديثًا إلى الخليج مقيمًا سياسيًّا. وقد ترجم المحقق هذا التقرير وجعله القسم الثاني من كتاب «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925)»، وأضاف إليه حواشي تشرح الأسماء والعملات والمقاييس، وألحق به الجداول الإحصائية التي رافقته.
والتقرير وثيقةٌ اقتصادية قبل كل شيء: يطوف كاتبه بالخليج كله، مبتدئًا بالمحمّرة وبلاد بني كعب، فالساحل الفارسي، فمسندم، فساحل الإمارات، فالبحرين والقطيف والكويت، منتهيًا بالبصرة، ويسجّل في كل محطة ما يدخلها وما يخرج منها من بضائع، وما تملكه من سفن، وما يتداوله أهلها من نقود. وفي هذا المقال نقرأ التقرير من هذه الزاوية: كيف كان الخليج العربي يعيش ويتاجر قبل أكثر من قرن ونصف.
الكاتب ومهمّته
يعرّف المحقق بيلي تعريفًا وافيًا: «كاتب هذا التقرير هو لويس بيلي (Lewis Pelly)، المولود في 14 نوفمبر 1825 والمتوفّى في 22 أبريل 1892». دخل خدمة شركة الهند الشرقية سنة 1840، وتنقّل في العمل السياسي بين بارودا والسند وطهران وزنجبار، ثم صار مقيمًا سياسيًّا في الخليج من سنة 1862 إلى سنة 1872. ويذكر المحقق أن أصل التقرير رسالةٌ رسمية رفعها بيلي إلى حكومة بومباي برقم 67 لسنة 1863، وأن «المكتبة البريطانية» تحفظ نسخةً منها، «وهي متاحةٌ في مكتبة قطر الرقمية».

ويفتتح بيلي تقريره بتواضعٍ لافت: «أقدّم بعض الملاحظات العاجلة، القائمة على المشاهدة الشخصية وعلى ما سمعته من الناس، عن القبائل والتجارة والموارد حول ساحل الخليج العربي». ويوضح المحقق أن من أغراض الكاتب أن يقترح على حكومته موضعًا تنتظم فيه خطوط البواخر والبرق بين الهند والعراق، وهو ما يفسّر عنايته بالموانئ والطرق والأرقام.
ثلاث عملات في سوقٍ واحدة
من يقرأ التقرير يجد الأرقام تتنقّل بين ثلاث وحدات: الريال والروبية والقران. وحواشي المحقق هنا دليلٌ لا غنى عنه.
فالقران، كما يشرح المحقق، «عملة إيران من سنة 1825 إلى سنة 1932»، ويستخرج من كلام المؤلف أن «القرانين كانا يعادلان روبيةً هندية تقريبًا». أما الريال، فيحيل المحقق إلى ما علّق به في القسم الأول من الكتاب، حيث يقول: «المراد بالدولار في نصوص هذه الحقبة في الخليج «ريال ماريا تريزا» الفضّي، وهو عملةٌ نمساويةٌ ضُربت أول مرة سنة 1741 وتداولتها التجارة في هذه الأنحاء زمنًا طويلًا». وأما الأرقام الكبيرة بالروبية فيعبّر عنها بيلي بـ«اللكّ»، ويشرح المحقق أن اللكّ «وحدةٌ في نظام العدّ الهندي تساوي مئة ألف؛ فلكّ الروبيات مئة ألف روبية».
بهذه المفاتيح الثلاثة يصبح التقرير مقروءًا: فالرسوم في موانئ الساحل الفارسي تُحسب بالقران، والجباية على مراكب الغوص في الساحل العربي بالريال، والتجارة الكبرى مع الهند باللكّ من الروبيات.
سوق بني كعب: التمر والصوف والحبوب
يبدأ بيلي من الشمال، من بلاد بني كعب حول المحمّرة والدورق، فيلاحظ أن تجارتهم «محدودة، وتجري في قنواتٍ مختلفةٍ بحسب فصول السنة»، ويقرّر أن «ثروة المحمّرة، كثروة شطّ العرب عامّة، قوامها التمر في الأساس». ثم يسرد قوائم دقيقة: الصوف بقيمة لكّ روبية، يُشحن إلى الكويت أو بوشهر ليُنقل في النهاية إلى الهند؛ والحبوب، ولا سيما القمح والشعير؛ والأرز من حقول الجرّاحي ورامهرمز؛ والروغن، أي السمن، إلى الكويت والبصرة. ويذكر رسومًا محددة: فالحبوب تدفع اثنين وثلاثين قرانًا عن الكارة، والروغن نصف قران عن الدبّة، وكل رأسٍ من الغنم ربع قران.
ويستوقف القارئَ تأمّلُ بيلي في أنماط العيش، إذ يميّز بين البدوي الرحّال الذي «يترفّع عن التجارة، ولكنه مع ذلك حريصٌ على المال، مستعدٌّ لأن يبيع سمنه وغنمه وحصانه»، وبين من استقرّ للزراعة، فتصبح عنده «التجارة ممكنة، ويُباع الحبّ، وتُنسج العباءات وتُصدَّر، ويُغرس النخيل».
لنجة: سفنٌ كثيرة وطرقٌ شاقة
على الساحل الفارسي يتوقف بيلي عند لنجة، ويعدّها الميناء الذي يلي بوشهر في الأهمية في صنفه، ويحكي قصة صعودها: كانت قبل سنواتٍ قليلة «تكاد تكون مجهولة»، ثم ازدهرت ازدهارًا غير معتاد. ويلاحظ أن لها، فضلًا عن تجارتها البرية، تجارةً في النقل البحري؛ فهي تستورد الخشب من الهند، ولعلها تملك نحو اثنتي عشرة بغلةً حمولة كلٍّ منها من مئتين إلى ثلاثمئة طن، ونحو خمسين سفينة أصغر، «وخمسمئة أو ستمئة من «البقّارة» الساحلية الصغيرة».
ثم يقدّم ملاحظةً اقتصادية ذكية: «غير أنّ عدد القوارب التي يملكها ميناءٌ في الخليج ليس مقياسًا كافيًا لتجارته؛ فبندر عباس لا يكاد يملك قوارب، والسفن تمرّ به في طريقها شمالًا أو إلى الهند، فتنزل الشحنات وتأخذ غيرها ثم تمضي».
الساحل العربي: اقتصادٌ يقوم على اللؤلؤ
حين يصل بيلي إلى ساحل الإمارات اليوم، يدوّن في حاشيةٍ جانبية أسماء الموانئ: رأس الخيمة، والشارقة، وأمّ القيوين، وعجمان، ودبي، و«أبوثابي» ويصحح: «وصوابه «بوظبي»». ويشرح المحقق أن المؤلف نبّه بذلك على أن النطق المحلي للاسم «بوظبي»، ويعرّف في حاشيته بني ياس بأنهم حلفٌ قبلي يقوده آل نهيان الأسرة الحاكمة في أبوظبي، وأن آل مكتوم حكّام دبي فرعٌ من آل بوفلاسة من بني ياس.
ويصف بيلي أساس العيش في هذه البلدات: «وتعتمد مستوطناتهم في معاشها أساسًا على ما يدرّه الغوص على اللؤلؤ». ويضيف أن مغاصات اللؤلؤ «مشاعةٌ بين القبائل، وتجتمع فيها آلاف المراكب في موسم الغوص، من أبريل إلى سبتمبر».
تجارةٌ تمتد إلى زنجبار ومليبار
لم يكن أهل الساحل غوّاصين فحسب؛ يقول بيلي: «ويتّجر العرب البحريون كذلك مع زنجبار وساحل مليبار، وسمعتُ أنّ منغلور هي الميناء المفضّل لديهم على الساحل الأخير». ويعدّد البضائع: يصدّرون السمك المجفف، ويستوردون من مليبار الأرز وشيئًا من خشب الساج، ومن أفريقيا صواري مراكبهم، والقرنفل الذي يقول إن زنجبار تُنبت منه ما يكفي استهلاك العالم.

ويطرح بيلي سؤالًا طريفًا عن الأرز: لماذا يُفضَّل الأرز الهندي المستورد؟ ويجيب بأن «الأرزّ الهندي أخفّ، ويزداد انتفاخًا عند الطبخ، فهو أشدّ إشباعًا بثمنه، وأبطأ هضمًا».
جدول السفن: أسطولٌ من الشارقة إلى أبوظبي
من أثمن ما في التقرير جدولٌ بالموارد البحرية للموانئ العربية، يحصي لكل ميناء البغلات العاملة في تجارة الهند وأفريقيا وحمولتها، والسفن الأصغر لتجارة الخليج، ومراكب اللؤلؤ. وفيه مثلًا أن لرأس الخيمة إحدى عشرة بغلة وخمس عشرة سفينة أصغر وخمسة عشر مركبًا للؤلؤ، وللشارقة ست بغلات وخمس وعشرون سفينة أصغر وأربعمئة مركب للؤلؤ، ولأمّ القيوين ثلاث بغلات وستون مركب لؤلؤ، ولعجمان أربع بغلات وخمسون، ولدبي أربع سفن أصغر وتسعون مركب لؤلؤ، ولأبوظبي بغلتان وعشر سفن أصغر وستمئة مركب للؤلؤ. ويلاحظ المحقق أنه نقل أرقام هذا الجدول من صورة الصفحة 68 من الأصل، وأن وحدة «المَوْرة» التي تُقاس بها الحمولة وحدةٌ لم يقف على تفسيرها.
ويختم بيلي الجدول بملاحظة عن الجباية: «والضريبة المفروضة على كلّ غوّاصٍ ومساعده تتفاوت عند شيوخ العرب المختلفين من ريالٍ وربعٍ إلى سبعة ريالات، ويتغيّر مقدارها أيضًا كلّ موسمٍ بحسب مشيئة الشيخ». ويقدّر أن موانئ أبوظبي والشارقة ورأس الخيمة قد تضمّ ثلاثة آلاف أسرة، وموانئ أمّ القيوين وعجمان ودبي ألفًا ومئتين أو نحو ذلك.
وينقل بيلي شهادةً أقدم لكمبل سنة 1845 تختصر العلاقة بين الغوص والمعاش: «على نجاح الغوص على اللؤلؤ، وعلى أرباح تجارة النقل التي يحرّكها، تتوقّف وسائلُ الحصول على ضرورات الحياة الأساسية، وعلى تلك الكماليات الصغيرة التي يرغب فيها العربي».
البحرين: أغنى الإمارات البحرية
ينتقل بيلي إلى البحرين، فيقول: «ولكنّ أغنى إمارات العرب البحريين هي البحرين، وهي جزيرةٌ خصبةٌ في بعضها كثيرة الماء». ويدوّن في الهامش ميزانها التجاري: الصادرات اللؤلؤ والتمر المجفف والسبائك، والواردات من الهند في الأكثر: الأرز والقطن والأقمشة والتوابل، يُستهلك ربعها في البحرين ويعاد تصدير ثلاثة أرباعها. والصادرات ستة عشر لكًّا من الروبيات، والواردات اثنا عشر لكًّا، والمجموع ثمانية وعشرون لكًّا. ويذكر أن الإمارة قد ترسل نحو ألفٍ ومئتي مركب للغوص كل عام، وأن تجارتها تعتمد «في الأكثر على اللؤلؤ».
الكويت: شاهدٌ على التجارة الحرة
أطول وقفات بيلي وأكثرها إعجابًا كانت عند الكويت. يقول: «وأعترف بأنّي، في رحلتي الأخيرة إلى الكويت، أُعجبت كثيرًا بالخُلق العربي؛ فوجدتُ فيه رباطةَ جأشٍ، وسدادَ رأي، وتبصّرًا، ونشاطًا حاضرًا». ويرى أن «كلّ ما يملكه العرب يبدو الأفضلَ من نوعه: خيلهم، وكلابهم، ودواجنهم، وبغالهم وحميرهم، وتمرهم، وقهوتهم، ولؤلؤهم، وتوابلهم، ولُبانهم».
ويرى أن تاريخ الكويت «شاهدٌ بليغٌ على ما يمكن أن يُصنع في الخليج بإعمال الحسّ السليم في خلق التجارة». ثم يرسم صورة البلدة: «ها هنا بلدةٌ نظيفةٌ نشيطة، ذات سوقٍ رئيسٍ واسعٍ مفتوح، وبيوتٍ للسكنى كثيرةٍ متينةٍ من الحجر تمتدّ على هذا الشاطئ، وفيها نحو عشرين ألف نسمة، تجتذب التجّار العرب والفرس من كلّ ناحيةٍ بعدل حكمها وحرّية تجارتها».
وتأتي الأرقام: تستورد الكويت من مليبار وبومباي ما قيمته نحو لكّين من الروبيات، أكثره من الأقمشة القطنية والأرز والبن والألواح والتوابل، وتصدّر نحو ثمانمئة رأسٍ من الخيل «بمتوسّط ثلاثمئة روبيةٍ للرأس»، وصوفًا بأربعين ألف روبية، وتمرًا بستين ألف روبية. ويذكر أنها ترسل نحو ثلاثين مركبًا في السنة إلى بومباي، كل مركب يحمل ألفي سلّة من التمر.
ويخصّ البحّارة والصنّاع بكلمة: «وبحّارة الكويت ذوو سمعةٍ عالية، ولعلّ منهم نحو أربعة آلافٍ يعملون في البحر». ويضيف تفصيلًا عن صناعة السفن في الخليج: «ولكنّ الكويت ترسل إلى مسقط في طلب بنّائي المراكب، لأنهم يُعدّون أمهر صنعة».
ويصف كيف يلتقي البر بالبحر في اقتصاد البلدة: فلحم الضأن والحليب والزبد يأتي من البدو الذين يتوافدون على البلدة وينصبون خيامهم على طول السور من خارجه، «ولكنهم يبيعون عند البوّابة، حيث يجلس الشيخ كلّ يومٍ ويراقب».
خاتمة
يمرّ القارئ بتقرير بيلي فيجد الخليج العربي سوقًا واحدة متصلة الأطراف: صوفٌ من بلاد بني كعب يُشحن إلى الهند عبر الكويت، وأرزٌ من مليبار وقرنفل من زنجبار يصلان إلى الساحل العربي، ولؤلؤٌ يتجمّع في البحرين، وتمرٌ وخيلٌ تبحر من الكويت إلى بومباي، وعملاتٌ ثلاث تتعايش في ميزانٍ واحد. وقد جعل التحقيق هذه الأرقام الجافة مفهومة، حين شرح القران والريال واللكّ، وصحّح الأسماء، ونبّه إلى ما نقله من صور الأصل.
المصدر
- الكتاب: «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»، القسم الثاني: تقرير لويس بيلي (Lewis Pelly) سنة 1863؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: تقديم المحقق وبداية التقرير ص 46–48؛ حاشيتا القران واللكّ ص 58؛ لنجة ص 72–73؛ الساحل العربي واللؤلؤ والتجارة مع زنجبار ص 88–90؛ جدول السفن والضريبة ص 91–92؛ البحرين ص 93؛ الكويت ص 95–99. وحاشية ريال ماريا تريزا من القسم الأول ص 18.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF، وبعضها تقريبي بصفحةٍ واحدة حيث تمتد الفقرة على صفحتين.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 18–99؛ المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة إلى ثلاث صفحات، وبعض المقتبس في الفقرات التجارية يقع فعلًا في ص 55–57 (غير مذكورة أعلاه)، وفقرتان تمتدان على صفحتين (ص 55–56 وص 92–93).


