البحرين ولؤلؤها في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1617–1619)

كان دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا سفيرًا لملك إسبانيا والبرتغال إلى الشاه عباس الأول.

عن كتاب «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)» · دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا · تحقيق: أحمد علي المرر

دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا٩ دقائق

كان دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا سفيرًا لملك إسبانيا والبرتغال إلى الشاه عباس الأول. وقد قضى في فارس قرابة سنتين، وترك شروحًا طويلة لسفارته. وفي هذه الشروح فصل يصف فيه البصرة وجزيرة البحرين ومغاص اللؤلؤ والقطيف. وفيها أيضًا مقابلتان مع الشاه طالب فيهما السفير بردّ البحرين، الأولى في قزوين سنة 1618، والثانية في أصفهان سنة 1619.

ويقول المحقق في تمهيد الفصل إن المؤلف يبدأه بأطلال بابل والبطائح التي يصنعها فيضان الفرات، وإنه ترك ذلك كله، وبدأ الترجمة «من حيث يبلغ المؤلف ملتقى النهرين والبصرة، ثم يصف جزيرة البحرين ومغاص اللؤلؤ والقطيف».

من بغداد إلى البصرة

يقول المؤلف إن الرحلة في النهر من بغداد إلى البصرة، والتيّار موافق، تستغرق «ثمانية أيّامٍ أو تسعة». أمّا الصعود في النهر فرحلة طويلة مضنية «تستغرق ثلاثين يومًا أو أربعين»، وينزل المسافرون كل ليلة للنوم على البرّ.

صورة مرسومة للشاه عباس الأول الصفوي، الذي طالبه السفير بردّ البحرين
الشاه عباس الأول الصفوي (صورة أضافها المحقق)المصدر: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، ص 89طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: صورةٌ منسوبةٌ إلى الرسّام المغولي بِشن داس، نحو 1613–1619، المتحف البريطاني

ويذكر أن التجّار يسمّون النهرين معًا، بعد التقائهما، باسم دجلة وحده. ويوضّح المحقق أنه يريد شطّ العرب، «وهو النهر الذي يتكوّن من ملتقى الفرات ودجلة عند القرنة في محافظة البصرة، وطوله نحو 200 كم، ويصبّ في الخليج العربي».

البصرة: النخيل والمراوح

يصف المؤلف البصرة بأنها بلدة كبيرة «على مسيرة يومٍ طويلٍ من حيث يلتقي النهران الفرات ودجلة». ويقول إن فيها «خلقًا كثيرًا، ويقصدها التجّار دائمًا». وفي داخلها كثير من الحدائق وبساتين النخيل، «وأكثر من ذلك بكثيرٍ خارج العمران وحوله».

ويثني على تمر تلك الناحية، ويقول إن الأرض فيها تُخرج النخل وثمره «أكمل ممّا في أيّ موضعٍ آخر من الدنيا». ثم يستدرك أن التمر الذي وجده السفير في مدينة لار «لا يبدو أنّ غيره يُقارَن به».

ويعرّف المحقق وضع المدينة الإداري: «كانت البصرة منذ القرن السادس عشر قاعدة إيالةٍ عثمانية، هي إيالة البصرة».

ويقول إن في البصرة سنجقًا تابعًا لباشا بغداد، وإن جندها «يبلغون ثلاثة آلاف جندي، من الترك أنفسهم، وقد اختلطوا منذ سنين كثيرةٍ بأهل البلاد». ويذكر أنه لا يكاد يوجد فيها لقلّة الخشب إلا غليوطة واحدة.

ومن أطرف ما يذكره المؤلف عن البصرة صناعة المراوح. فهو يقول إن أهلها يصنعون «أشكالًا وأنواعًا كثيرةً من المراوح من خوص النخل الدقيق جدًّا، بألوانٍ كثيرةٍ وصورٍ متنوّعة». ويقول إنها تُحمل بمقادير كبيرة إلى بغداد والحويزة ولار وهرمز، «ومن هناك تنتشر كذلك إلى أنحاءٍ كثيرةٍ أخرى من الدنيا، ولا سيّما إلى إسبانيا، حيث تُستعمل كثيرًا».

ويذكر جزيرة صغيرة أسفل البصرة عند مصبّ النهر، «يزيد محيطها قليلًا على فرسخين». ويقول إنها خصبة جدًّا، وليس فيها إلا بعض الأكواخ «لقليلٍ من الصيّادين والملّاحين الفقراء».

جزيرة البحرين

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى البحرين، فيقول: «وجزيرة البحرين، المشهورة في الدنيا بمغاص لؤلئها البالغ الغنى، إذ هو من أحسن لؤلؤ المشرق كلّه وأكمله». ويضعها في منتصف الطريق تقريبًا من هرمز إلى البصرة، وأقرب إلى ساحل جزيرة العرب منها إلى الساحل المقابل.

إذ ليس من القطيف إلى مكّة إلّا خمس عشرة أو ستّ عشرة مرحلةً معتادةً من مراحل الإبل، وهي أقلّ من مئة فرسخ
دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا«هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»

ويقدّر طولها من الشرق إلى الغرب باثني عشر فرسخًا، وعرضها من ستّة فراسخ إلى ثمانية. ويعلّق المحقق: «ما يذكره المؤلف من أبعاد البحرين تقريبيّ، وهو يريد الجزيرة الكبرى (أوال)».

ويصف المؤلف خصبها، فيقول إنها «شديدة الخصب بالفاكهة والماشية». ويُجنى فيها كثير من الشعير والقمح، «ومقدارٌ عظيمٌ من التمر من نخيلها الكثير». ويقول إن أهمّ فواكهها «التين والعنب والرمّان، وهذه في غاية الكمال والجودة».

حمّى الخريف

ويذكر المؤلف أن البحرين تصيبها في الخريف حمّيات. لكنه لا ينسبها إلى الماء نفسه بقدر ما ينسبها إلى المياه التي تُترك بعد سقي البساتين فتتجمّع في الأرض وتفسد بحرّ الصيف. ويقول إن الجزيرة «صحّيةٌ في بقية السنة».

وينقل في ذلك قول سيّد عرب الجزيرة نفسه. فقد كان السفير في شيراز في آخر سنة 1617 وأوّل سنة 1618، فزاره مرّات الشيخ محمد، «سيّد العرب الذين يسكنون الجزيرة». وكان الشيخ قد جاء إلى شيراز «باللؤلؤ الذي غيص عليه وجُمع في تلك السنة».

وقال الشيخ إن الحمّيات لا تصيب الجزيرة «إلّا من منتصف سبتمبر إلى آخر أكتوبر على الأكثر». وقال إن المرضى إذا تدثّروا جيّدًا وأخذوا بالحمية شُفوا بسهولة، «وقليلٌ جدًّا منهم من يموت».

ويقول المؤلف إن السفير سأل الشيخ أسئلة كثيرة، «فكان يجيب عنها بحكمةٍ وفطنة». وإن الشيخ أظهر «رغبته الكبيرة في الخروج من سلطان الفرس». وقال له السفير في آخر الأمر إنه إنما سأله «لمجرّد الاطّلاع»، لأن جزيرة البحرين كانت مشهورة في أوروبا بلؤلؤها «الغالي الجميل الذي يُقدَّر هناك تقديرًا كبيرًا».

كيف أُخذت القلعة

يروي المؤلف أن الفرس أخذوا قلعة البحرين قبل نحو عشرين سنة من زمن السفارة. ويقول إن الله وردي خان، سلطان شيراز، أرسل إليها بعض رجاله متخفّين، «قائلين إنّهم تجّار»، فصاروا سادة الحصن والجزيرة.

لكن المحقق ينبّه إلى أن رواية المؤلف تخالف المراجع الحديثة. فهي تذكر «أنّ البرتغاليين أُخرجوا منها سنة 1602 بثورةٍ من أهلها استولت على قلعة البحرين، فبادر الشاه عبّاس إلى وضع حاميةٍ فارسيةٍ في القلعة». ويضيف أن البرتغاليين أخذوا البحرين سنة 1521، وأن والي الأحساء العثماني حاول احتلالها سنة 1559 «فرُدّ عنها».

ويقول المؤلف إن البحرين بقيت للشاه، «يأتيه من خيرها ومن مغاص اللؤلؤ أكثر من مئتي ألف دوكادو». ويذكر أن ذلك «عدا القيمة الكبيرة للّؤلؤ الذي يختاره قبل أن يشتري الباقي التجّار العرب والترك والبرتغاليون والفرس».

ويصف القلعة بأنها «صغيرةٌ جدًّا، من الطوب المدكوك». ويقول إن البحر يحيط بها من جهتين تقريبًا، وإن خندقها من جهة البرّ «ضيّقٌ جدًّا قليل العمق». ويقدّر حاميتها بأنها «لا يزيدون على مئتي فارسي».

القطيف وطريق مكّة

ويذكر المؤلف مدينة يسمّيها Califa مقابل أقصى غرب البحرين. ويقول المحقق: «والراجح أنّه يريد القطيف، على ساحل جزيرة العرب مقابل البحرين». ويضيف أنها كانت قبل العهد العثماني «من إقليم البحرين التاريخي مع الأحساء وجزر البحرين».

ويقول المؤلف إن القطيف ليس لها نفع «إلّا من مغاص اللؤلؤ، ومن بعض القوافل التي تعبر من هذه البلدة إلى مكّة». ويرى أن هذه أقصر طريق إلى الحجّ، «إذ ليس من القطيف إلى مكّة إلّا خمس عشرة أو ستّ عشرة مرحلةً معتادةً من مراحل الإبل، وهي أقلّ من مئة فرسخ».

المغاص: لؤلؤ البحرين ولؤلؤ الكاريبي

يقول المؤلف إن المغاص المعتاد الأكبر للّؤلؤ يكون «في القناة التي بين هذا الساحل من جزيرة العرب والجزيرة». ويذكر أن اللؤلؤ يوجد على سائر ساحل جزيرة العرب حتى رأس الحدّ، «ولكن بمقدارٍ أقلّ كثيرًا، وليس بجودة ما يوجد هنا».

لوحة لروبرت شيرلي بزيّ شرقي
السير روبرت شيرلي بزيٍّ شرقي، وكان سفير الشاه إلى إسبانيا (صورة أضافها المحقق)المصدر: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، ص 96طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: لوحةٌ لأنطوني فان دايك، روما 1622

ولا يصف المؤلف طريقة الغوص لأنها في نظره «معروفةٌ أمرًا شائعًا جدًّا». لكنه يقارن لؤلؤ البحرين باللؤلؤ الذي يُغاص عليه في ساحل باريا من جزر الهند الغربية. ويعرّف المحقق كوباغوا ومارغريتا بأنهما جزيرتان في فنزويلا «كانتا مشهورتين بمغاص اللؤلؤ في العهد الإسباني».

ويقول المؤلف إن اللؤلؤ الغربي أشدّ بياضًا، ولذلك يُقدَّر عند كثير من نساء أوروبا، «فإنّه أدنى كثيرًا من اللؤلؤ الشرقي». ويقول إن لؤلؤ الخليج له «بلا مقارنةٍ بريقٌ أعظم، مع بياض العاج وصفائه». ويضيف أن قيمة اللؤلؤ في آسيا «أعلى كثيرًا منها في أوروبا».

العين العذبة تحت البحر

ويصف المؤلف عينًا عجيبة على ربع فرسخ من الساحل الشرقي للجزيرة، «في داخل البحر نفسه». ويقول إنها تنبع على عمق عشر قامات، وإن العرب، لاعتيادهم الغوص على المحار، «لهم كذلك حيلةٌ في أن يغطسوا إلى قاع منبع العين، فيملؤوا قِرَبًا كبيرةً يحملونها معهم». ويقول إن السفن الذاهبة من هرمز إلى البصرة تتزوّد منها بالماء.

ويضيف المحقق أن هذه العيون «معروفةٌ منذ القدم»، وأن الملّاح العربي أحمد بن ماجد وصفها سنة 1489، «فذكر موضعًا يسمّى «القصاصير» يغوص فيه الرجل في البحر المالح بقربةٍ فيملؤها ماءً عذبًا».

المطالبة بالبحرين في قزوين

ويروي المؤلف في الكتاب الخامس مقابلة صعبة مع الشاه في قزوين صيف سنة 1618. ويعرّف المحقق قزوين بأنها كانت «عاصمة الدولة الصفوية نحو أربعين سنة (1555–1598) قبل انتقال العاصمة إلى أصفهان».

وفي آخر المقابلة طلب السفير أن يقول كلمتين في شأن مملكة هرمز. فقال إن الشاه استولى، في وقت كانت السفارات تجري فيه بين الجانبين، «على جزيرة البحرين، أحسن تلك المملكة وأكبر جزءٍ منها»، ثم على مُغستان وكمرون وقشم.

فقاطعه الشاه وقال إن ما كسبه من مملكة هرمز ليس لملك إسبانيا، بل لرجال من أهل ملّته ورعاياه، «فهو إنّما استولى على ما هو له». ثم أدار فرسه وانصرف. ويذكر المحقق، نقلًا عن دائرة المعارف الإيرانية، أن الله وردي خان أخذ البحرين سنة 1602، وينبّه إلى أن المؤلف يعدّ البحرين ومُغستان وجمرون وقشم من «مملكة هرمز».

الأخوان شيرلي

ويستطرد المؤلف في الفصل نفسه إلى سبب مجيء الإنجليز إلى فارس. فيقول إنه قبل وصول السفير بنحو عشرين سنة وصل إلى هذه الأنحاء «إنجليزيّان أخوان، يُدعيان أنطوني وروبرت شيرلي». ويقول إن الشاه قبلهما وأبقاهما في بلاطه، وإنهما عرضا أن يحملا عنه السفارات إلى أمراء أوروبا.

ويذكر أن روبرت شيرلي مضى بعد بضع سنين سفيرًا للشاه إلى أوروبا، فأقام في إسبانيا أربعة عشر شهرًا. ويقول إن ما أُنفق عليه وعلى أهل بيته في هذه المدّة بلغ «ثلاثون ألف دوكادو». ومن مشروعاته التي يرويها المؤلف أن يُحمل حرير فارس إلى ميناء جاسك ليُنقل بحرًا إلى أوروبا، بدل أن يُحمل في القوافل إلى حلب ودمشق. ولا يرى المؤلف في هذه المشروعات إلا وعودًا لا أساس لها.

مقابلة الوداع سنة 1619

وفي الكتاب السابع يروي المؤلف مقابلة الوداع في أصفهان في الثاني من أغسطس 1619، وقد جرت ليلًا في الميدان «بمشاعل كثيرة». وعاد السفير فيها إلى طلب ردّ البحرين وقشم وكمرون.

ويقول المؤلف إن الشاه سمع المسألة هذه المرّة «بوجهٍ هادئٍ لطيف». وأجاب بأن ملك إسبانيا لا يعنيه أن يملك هو تلك الجزر والقلاع أو أن يملكها ملك هرمز، «إذ هما كلاهما مسلمان». ويعلّق المؤلف بأن الملوك لا يردّون ما أخذوه «إلّا أن تضطرّهم إلى ذلك ضرورةٌ ملحّة».

خاتمة

يرسم هذا الفصل صورة للبحرين في أوائل القرن السابع عشر: جزيرة خصبة بالنخيل والتين والعنب، ولؤلؤ يراه المؤلف أحسن لؤلؤ المشرق، وعين عذبة يغوص إليها الغوّاصون بالقِرَب. ويروي الكتاب أيضًا كيف صارت البحرين موضوعًا في مفاوضات بين الشاه وسفير إسبانيا. وتضيف حواشي المحقق ما تقوله المراجع الحديثة، وشهادة أحمد بن ماجد عن عيون «القصاصير».

المصدر

  • الكتاب: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، تأليف: دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا (García de Silva y Figueroa)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الكتاب السادس، الفصل التاسع: البصرة ص 117–118، البحرين ص 119–122، القطيف والمغاص ص 122–123؛ الكتاب الخامس، الفصل الخامس: قزوين ص 88، المقابلة ص 93، الأخوان شيرلي ص 95–100؛ الكتاب السابع، الفصل السابع: مقابلة الوداع ص 125–128.
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

مقالات ذات صلة

التاريخ

أوال: جزر البحرين بين تلال الأقدمين ومغاصات اللؤلؤ

حين وصل الجغرافي الألماني فرانتس شتولمان، في كتابه «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» الصادر سنة 1916، إلى جزر البحرين، لم يبدأ بالحديث عن السياسة التي شغلت كتابه، بل عاد إلى أعماق التاريخ.

فرانتس شتولمان٨ دقائق