حين روى بيرسي كوكس رحلاته في عُمان أمام الجمعية الجغرافية الملكية سنة 1925، لم يبدأ من الصحراء بل من البحر. فقد كان مقرّه في مسقط، ومنها أبحر إلى أبوظبي في رحلته الأولى سنة 1902، ثم حملته السفينة في رحلته الثانية إلى رأس الخيمة. وقد ترجم المحقق المحاضرة في القسم الثالث من كتاب «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925)».
نتبع في هذا المقال الجانب البحري من المحاضرة: المرفأ، والصيادين، والسفن الشراعية، وصناعة القديد من لحم القرش، والأخوار العميقة في مسندم، ومغاصات اللؤلؤ. ثم ننزل مع كوكس إلى البر في رأس الخيمة ونسير معه إلى واحة الذيد.
مرفأ مسقط: بوابة البحر
يقول كوكس: «فالمرفأ ومداخل مسقط من البحر تؤلّف صورةً جذّابةً على نحوٍ غير عادي، ولها عندي سحرٌ خاصٌّ بها». ويحدد أول ما يراه القادم من الجنوب: «الحصنُ البرتغالي القديم عند الركن الجنوبي الشرقي من المرفأ، المعروف الآن بحصن الجلالي». ويعرّف المحقق هذا الحصن بأنه «حصن الجلالي، ويُسمّى أيضًا الحصن الشرقي»، بناه البرتغاليون في ثمانينيات القرن السادس عشر على حصن عماني أقدم.

ويصف كوكس عادة البحارة القدماء: إذا دار القادم حول رأس الجزيرة رأى «الصخورَ الجرداء التي تحمل السجلّ العريق للسفن التي زارت الميناء قديمًا وطلت أسماءها على تلك الصخور». ويضيف أن تجارة القوافل مع الداخل لا بد أن تمر بمطرح، «ميناء مسقط التجاري، الواقعة عند رأس خليجٍ أوسع منه وأقلّ حمايةً، على بعد ثلاثة أميالٍ إلى الشمال».
صيادو سقطرى وقفّة الصيد
من مشاهد المرفأ التي بقيت في ذاكرة كوكس جماعات الصيادين الموسميين: «ففي الموسم الحارّ كانت تزوره دائمًا جماعاتٌ صغيرةٌ من صيّادي السمك من جزيرة سقطرى، يخيّمون في الخلجان المجاورة، ويكسبون عيشهم بالصيد من على أطوافهم».
ويصف أداة صيدهم: «وكان هؤلاء السقطريون يستعملون قفّة صيدٍ كبيرةً مستطيلة، يثبّتونها إلى القاع بحجارةٍ ثقيلة، ويصيدون بها البوري الأحمر والرمادي». وكانوا يغوصون أيضًا ليستخرجوا ما يسقط من السفن في المرفأ، ومن ذلك أحيانًا قصبات صيد أفلتت من أصحابها.
آخر السفن الشراعية السريعة
ويتحسر كوكس على طرازٍ من السفن انقرض في زمنه: «وإلى سنواتٍ قريبةٍ جدًّا كانت البقيّةُ المتناقصة من طرازٍ قديمٍ جميلٍ من السفن الشراعية السريعة تتردّد بين مسقط وأنحاءٍ أخرى من الخليج وبين كلكتا، بل الصين». ويذكر أنه بقي منها نحو اثنتي عشرة سفينة حين جاء إلى الخليج أول مرة، ثم اختفت واحدة بعد أخرى.

ويروي قصة عن سرعتها: «وادّعى الربّان العربي لإحداها مرّةً أنه قطع الرحلة من مسقط إلى كلكتا في سبعة عشر يومًا بريحٍ قويّةٍ من خلفه، وهذا يعني متوسّطًا قدره نحو سبع عقد».
ساحل الباطنة: قرى الصيادين وأمواج الشاطئ
يبحر كوكس شمالًا على الساحل، ويصف ما بين مسقط وخورفكان: «فالداخل بين مسقط وخورفكان سهلٌ ساحليٌّ خصبٌ يقع تحت سفوح السلسلة الرئيسة، متوسّط عرضه نحو عشرين ميلًا. وعلى شطآنه عددٌ كبيرٌ من قرى الصيّادين». ويلاحظ أن البلدات تقع في الغالب قرب مصب وادٍ ينحدر من الجبال، «فيوفّر الماء للسقي».
ويذكر صعوبة النزول إلى البر: فمعظم الساحل «عرضةٌ لأمواجٍ متكسّرةٍ عنيفةٍ حين تهبّ الريح من البحر». فكان من عادته أن يلبس ثوب السباحة تحت ثيابه، وقد اضطر مرات عدة أن يخوض ويسبح «وثيابي على رأسي».
ويخص صحار بالذكر: «وأهمّ موانئ ساحل الباطنة صحار، مقرّ والي السلطان على الإقليم، وقاعدة قسمٍ إداري. ولها تاريخٌ مجيدٌ في سجلّات عُمان، ومنها نشأت أسرة سلاطين البوسعيد الحاكمة الحالية». ويضيف المحقق أن الأسرة تنحدر «من الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (1694–1783)، الذي كان من كبار تجّار صحار».
قديد القرش: طعامٌ للداخل
ومن الصناعات التي سجلها كوكس على هذا الساحل: «ومن الصناعات الساحلية المهمّة في كثيرٍ من هذه الموانئ إعدادُ لحم القرش لنقله إلى الداخل. فيُجفَّف في الشمس حتى يصير ضربًا من القديد، ويُحمل بكثرةٍ إلى الداخل، حيث هو من الأطعمة الأساسية». ويشرح المحقق أن الكلمة في الأصل «biltong»، «وهو اللحم المقدّد المجفّف المعروف في جنوب أفريقيا، فترجمناه بالقديد».

ويعترف كوكس بأن الطعم لم يعجبه، لكنه يقرّ بفائدته: «ولكنه، لمّا كان الأهالي يحبّونه فيما يبدو، زادٌ نافعٌ جدًّا سهل الحمل لأتباع المسافر».
رؤوس الجبال وخور الشمّ
بعد خورفكان يتغير الساحل: «وكلّما اقتربنا من خورفكان انتهى السهل الساحلي، ودنونا من الموضع الذي تنحدر فيه التلال إلى البحر وتبدأ في تكوين الرأس الوعر الحديديّ الحافّة المعروف بـ«رؤوس الجبال»». ويذكر خليجين عميقين قرب طرف الرأس يعرفهما الإنجليز بخور «مالكوم» وخور «إلفنستون»، ويقول: «والمناظر في الخور تذكّر كثيرًا بالفيوردات النرويجية».
ويذكر كوكس أطلال محطة الكابل البريطانية في الخور، ويقول إنها كانت قائمة «في النصف الأول من القرن التاسع عشر». وهنا يصحح المحقق: «في هذا وهمٌ من المؤلف في التاريخ؛ فمحطّة تقوية الكابل البحري في خور الشمّ («خور إلفنستون») أُنشئت سنة 1864 على الجزيرة المعروفة بجزيرة التلغراف، وهُجرت في ديسمبر 1868 حين حُوّل الكابل إلى هنجام وجاسك».
أهل الرأس: الصيد والصدف
يتحدث كوكس عن سكان هذا الجزء من الرأس، ويذكر أنهم يتبعون قبيلة الشحوح. ويوضح المحقق أن ما يقوله المؤلف عن أصلهم «رأيٌ له»، وأن «الشحوح قبيلةٌ عربيةٌ تسكن الإمارات وعُمان»، ويُرجَّح أن عنصرها العربي الغالب «يتّصل بهجرة مالك بن فهم من اليمن».

ويصف كوكس معاشهم البحري: فهم يقتاتون بالسمك ومعه قليل من الأرز، «وفي القرى الأكثر عزلةً تعتمد خاصّةً على صدفٍ من جنس «سترومبس» يوجد بأعدادٍ كبيرةٍ في كلّ خلجانهم». ويضيف: «وإذا طفتَ في الخور خرج أحيانًا قاربٌ من قريةٍ صغيرةٍ على الشاطئ يعرض حطبًا أو سمكًا للبيع». ويصف بيوتهم بأنها «مبنيّةٌ من كتل الحجر غير المثبّتة».
مغاصات اللؤلؤ: حياة الساحل
يترك كوكس الخور متجهًا إلى الجنوب الغربي: «وإذ نترك الخور ونمضي في طريقنا نحو الجنوب الغربي على الساحل المتصالح، نلامس حافّة مغاصات اللؤلؤ الكبرى». ويقدّر أن صناعة اللؤلؤ ترسل كل عام «لآلئ قيمتها في السوق نحو ثلاثة ملايين جنيه». ويقول: «فالغوص على اللؤلؤ هو في الواقع حياة سكّان الشواطئ الغربية للخليج كلّها، ويعمل فيه أكثر من عشرين ألفًا منهم». ويشير المحقق إلى أن هذه الأرقام «تقديرٌ منه لزمانه».
ويفرّق كوكس بين نوعين من الغوص: «ويجري الغوص على ضربين: الغوص في البحر العميق (بالمعنى النسبي) والغوص قرب الشاطئ». الأول تقوم به سفن شراعية متوسطة الحجم «تحمل زاد أسبوعين أو ثلاثة»، والثاني تخرج فيه القوارب لليوم وحده، «وتعود بصيدها عند الغسق».
ويصف أدوات الغواص: «فالعُدّة ليست إلا مِلقطًا من القرن للأنف، وأغطيةً من الجلد للأصابع، وسلّة، وسكّينًا، وحبلًا للإشارة. ويستعين الغوّاصون على النزول بحجرٍ ثقيلٍ يُسحب إلى أعلى ما إن يبلغوا القاع».
وهنا يضيف المحقق الأسماء المحلية لهذه الأدوات: «تسمّي سجلّات التراث في أبوظبي ملقط الأنف «الفطام»، والسلّة التي يجمع فيها الغيص المحار «الديين»، والحجرَ الذي ينزل به «الثقل» أو «الحجر»، والحبلَ الذي يصله بالسيب على ظهر السفينة «اليدا»».
رأس الخيمة: مرسًى على لسانٍ رملي
في رحلته الثانية نزل كوكس في رأس الخيمة ليسلك طريقًا جديدًا إلى البريمي. ويصف موقع البلدة: «وبلدة رأس الخيمة مبنيّةٌ على لسانٍ رمليٍّ طويلٍ ضيّقٍ يوازي الساحل، ويحصر بينه وبين البرّ خورًا واسعًا يوفّر مرسًى ملائمًا جدًّا ومحميًّا». ويذكر أنه لم يجد صعوبة في الحصول على الإبل، وأنه بات ليلة واحدة في حصن الشيخ.

من الصير إلى الذيد: الآبار والأفلاج
يقارن كوكس هذا الطريق بطريق أبوظبي: فهناك كان الطريق «قفرًا من الرمل»، أما هنا «فسهولٌ رمليةٌ أو حصويةٌ تكاد تكون مستوية»، معظمها تكسوه الأشجار البرية والنبات بوفرة، «وتنتشر فيه الآبار على مسافاتٍ متقاربةٍ نسبيًّا». ويلاحظ أن «أسماء الأماكن مأخوذةٌ في الغالب من أهمّ الآبار في الناحية».
وأول ما يمر به سهل الصير: «ويمتدّ نحو سبعة أميالٍ جنوب رأس الخيمة، وفيه عشر قرًى يسكنها نحو 2,500 نفس، وبساتين فيها نحو 10,000 نخلة، وريّها من الآبار».
ثم يصل إلى الذيد، ويقول إنها «من توابع الشارقة، كبرى إمارات القواسم على ساحل الإمارات المتصالحة». ويذكر أن من أهم مهام الوالي فيها «الإشراف على توزيع الماء من الفلج البديع، أي القناة الجوفية، الذي يسقي الواحة». ويحدد مصدر هذا الفلج: «ويأخذ هذا الفلج ماءه من وادي «حقلة» في سفوح السلسلة الجبلية الفقرية على ثمانية عشر ميلًا، ويمرّ بفناء الحصن عند دخوله المستوطنة». ويضيف أن القرية من نحو 150 أسرة، وأن محيط الأرض المزروعة نخلًا نحو ثلاثة أميال. وكانت الذيد مصيفًا: «وكان شيوخ القواسم وأسرهم يقضون فيما مضى بعض أشهر الصيف في الذيد، أمّا اليوم فيقال إنّ الرياح الحارّة تجتاحها على الدوام حتى كفّت عن أن تكون مصيفًا». ويذكر المحقق أن الذيد «اليوم قاعدة المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة».
سهل مساكن ونباتات الصحراء
في المرحلة الأخيرة قبل البريمي يصف كوكس سهل مساكن: «فسهل مساكن هذا يقع في منخفضٍ بين التلال الرملية، تنتشر فيه بوفرةٍ أشجار السَّمُر، وكُتَل نبات الأرطى، وغيرها من نبات الصحراء». ويشرح المحقق أن «السَّمُر ضربٌ من السنط (الأكاسيا)، والأرطى جنسٌ من النبات الصحراوي (Calligonum)». ومن هناك يبدو جبل حفيت أول مرة على نحو عشرين ميلًا.

خاتمة
يجمع هذا الجزء من محاضرة كوكس صورة الحياة البحرية على سواحل عُمان والإمارات في مطلع القرن العشرين: صيادون يأتون من سقطرى بقفافهم، وسفن شراعية تقطع الطريق إلى كلكتا في سبعة عشر يومًا، وقديد قرش يُحمل إلى الداخل، وقرى في رؤوس الجبال تعيش على السمك والصدف، وعشرون ألف غواص على مغاصات اللؤلؤ. ثم ينقلنا إلى البر، إلى الآبار والأفلاج والنخيل بين رأس الخيمة والذيد. وقد أضاف التحقيق إلى النص الأسماء المحلية لأدوات الغوص، وصحح تاريخ محطة الكابل، وعرّف بالقبائل والنباتات.
المصدر
- الكتاب: «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»، القسم الثالث: محاضرة السير بيرسي كوكس (Percy Cox) سنة 1925؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: مرفأ مسقط والصيادون والسفن ص 137–141؛ ساحل الباطنة وصحار وقديد القرش ورؤوس الجبال ص 143–145؛ أهل الرأس ومغاصات اللؤلؤ ص 146–147؛ حاشية أسماء أدوات الغوص ص 147؛ رأس الخيمة والطريق إلى الذيد ومساكن ص 157–160.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 137–160؛ المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 142 وص 160، وفقرات تمتد على صفحتين (ص 144، 146، 147، 159 وما يليها).


