ستة أسابيع بين أبوظبي وصير بني ياس: ضابط مساحة يدوّن ما رأى

في فبراير 1824 غادر الملازم هـ. هـ. وايتلوك، أحد ضباط البحرية الهندية، سفينته «سايكي» مع فرقةٍ من قواربها، مجهّزين بما يكفي ستة أسابيع، لمسح المياه الواقعة بين أبوظبي وجزيرة صير بني ياس.

عن كتاب «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة» · — · تحقيق: أحمد علي المرر

—٨ دقائق

في فبراير 1824 غادر الملازم هـ. هـ. وايتلوك، أحد ضباط البحرية الهندية، سفينته «سايكي» مع فرقةٍ من قواربها، مجهّزين بما يكفي ستة أسابيع، لمسح المياه الواقعة بين أبوظبي وجزيرة صير بني ياس. كانت الملاحة هناك، كما يقول، «شديدة التعقيد»، فاحتاج المسّاحون إلى أن يتركوا السفينة الكبيرة ويمضوا بين الجزر والأخوار بقواربهم. ومن هذه الرحلة، ومن سنواتٍ أخرى قضاها في مسح السواحل، خرج نصٌّ نشرته «أعمال الجمعية الجغرافية في بومباي» في مجلدها الأول، فترجمه المحقق كاملًا وجعله القسم الأول من كتاب «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين».

من هو الكاتب؟

يقدّم المحقق وايتلوك بأمانة؛ فيقول إنه لم يقف على ترجمةٍ له في المصادر التي رجع إليها، ولذلك يكتفي بما يذكره الرجل عن نفسه: أنه كان من ضباط المسح البحري لسواحل الخليج العربي بعد سنة 1820، وأنه عمل على السفينة «ديسكفري» في مسح سنة 1822، ثم على «سايكي» سنة 1824، وكان قائده في الحالين الكابتن غاي. ويلاحظ المحقق أن وايتلوك يذكر الشيخ طحنون بن شخبوط حاكم أبوظبي في موضعٍ كأنه حي، ثم يسمّيه «الشيخ الراحل» في موضعٍ آخر، والشيخ طحنون حكم أبوظبي من سنة 1818 إلى سنة 1833، فالأرجح أن النص كُتب في صورته الأخيرة بعد ذلك التاريخ.

صورة قديمة لقصر الحصن في أبوظبي كما تظهر في الكتاب
قصر الحصن في أبوظبي، حصن آل نهيان الذي بُني في القرن الثامن عشر (صورة أضافها المحقق)المصدر: «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»، ص 23طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: تصوير هرمان بورخارت (1857–1909)، 1904

أهل الساحل: الشيخوخة موقّرة والكرم مضرب المثل

يفتتح وايتلوك وصفه بملاحظةٍ تكشف عن إيقاع الحياة على الساحل: ففي موسم الغوص على اللؤلؤ «تكاد البلدات تخلو من الرجال»، فيتركون نساءهم وأطفالهم في رعاية من جاوزوا سنّ العمل. ويقدّر عدد السكان بأحد عشر ألفًا أو اثني عشر ألفًا، ينتمي أكثرهم إلى قبائل القواسم والمناصير وبني ياس.

ثم يرسم صورة أخلاقهم كما رآها: «فالمشاجرات قلّما يُسمع بها، والشيخوخة مُوقَّرة دائمًا، وبرّ الوالدين قائم، والكرم عندهم مضرب المثل». ويضيف أن كبار السنّ يُستشارون في الأمور المهمة ولفضّ الخصومات، وأن صلابة البدن وقوة العزيمة هما الصفتان اللتان تكسبان صاحبهما الاحترام.

زيارة الشيخ طحنون

من أجمل مشاهد النص وصف وايتلوك لزيارةٍ رسمية قام بها الشيخ طحنون للكابتن غاي، يصحبه عشرون أو ثلاثون من رجاله على هجنٍ يقول عنها: «وهي بلا ريبٍ أجود ما رأيت من الإبل». اندفع الركب في صفٍّ منتظم، ثم توقّف فجأة على بعد نحو ثلاثمئة ياردة، فبركت الإبل عند صدور الأمر، وتقدّم طحنون أمام رجاله المصطفّين خلفه على هيئة نصف دائرة. وكانت المرطبات والقهوة والحلوى قد أُعدّت في الخيمة، وفي المساء ردّ الكابتن غاي الزيارة.

أمّا أبوظبي فموضعٌ متواضعٌ جدًّا، لا يكاد يكون فيه بناءٌ من حجر؛ غير أنّ لها مزايا، من مرساها القريب من البرّ، والأخوار على جانبيها، قد تجعلها في النهاية ذات شأنٍ أكبر
—«ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»

ويصف وايتلوك الشيخ بأنه «صغير الجسم، ولكنه حسن البنية، يُعرف بالشجاعة والسخاء»، وأنه كان على رأس قبيلة بني ياس. ويذكر أيضًا أن الشيخ زوّد فرقة المسح «عن طيب خاطرٍ بسفينتين محليّتين جيدتين، وبأدلّاء، وبحرسٍ قويٍّ من العرب».

سمرٌ حول النار وجمالٌ تعبر البحر

لم تكن أسابيع المسح عملًا جافًّا كلها. فالكاتب يروي أن مرافقيهم من أهل البلاد كانوا يشاركون المسّاحين ألعابهم عن طيب نفس، كما كان المسّاحون يشاركونهم ألعابهم، فكانت المصارعة والوثب واللعب بالعصيّ تسلية الأصيل، وفي المساء يجتمعون في حلقةٍ حول نارٍ كبيرة من الحطب ويحتسون القهوة. ويعترف بأسفه أنه لم يكن يحسن العربية، لأنه كان يعتقد أن بين القوم «واحدٌ أو اثنان من الرواة البارعين».

ومن طريف ما يرويه أنهم حصلوا في أول مخيّمٍ لهم على جزيرة على حمارٍ وسبعة جمال، فخشي أن يضطروا إلى تركها عند الرحيل، إذ لا تتّسع قواربهم لهذه البهائم الضخمة. فلما سأل أهل البلاد ضحكوا، وقالوا إنه سيرى كيف يتدبرون الأمر: اختاروا جملًا مطواعًا يتقدّم، وربطوا الجمال واحدًا بعد الآخر في قطار، ثم دفعوا الأول إلى الماء ورفعوا شراع القارب الكبير. إنها صورةٌ صغيرة، لكنها تحكي الكثير عن خبرة أهل الساحل بالبر والبحر معًا.

أبوظبي: موضعٌ متواضع ذو مستقبل

لم تكن أبوظبي يومئذٍ مدينة حجر؛ يقول وايتلوك: «أمّا أبوظبي فموضعٌ متواضعٌ جدًّا، لا يكاد يكون فيه بناءٌ من حجر؛ غير أنّ لها مزايا، من مرساها القريب من البرّ، والأخوار على جانبيها، قد تجعلها في النهاية ذات شأنٍ أكبر». وهي عبارةٌ يقرؤها القارئ اليوم بعينٍ مختلفة.

موسم الغوص في مياه بني ياس

يخصّص وايتلوك فصلًا للغوص على اللؤلؤ، فيقول إنه يبدأ في يونيو ويستمر حتى الاعتدال في سبتمبر، وإن المغاصات تمتد من الشارقة إلى جزيرة بِدَلف، نحو ثلاثمئة وثلاثين ميلًا في خطٍّ مستقيم. ويذكر أنه يقال إن عدد القوارب العاملة في الغوص كله ثلاثة آلاف، «لأنّ حقّ الغوص مباحٌ للجميع في الخليج».

ويصف طريقة العمل: ينقسم الرجال فريقين، فريقٌ يبقى في القارب يتسلّم المحار ويسحب الغاصة، وفريقٌ يغوص واضعًا قدميه على ثقلٍ من الحجر مربوطٍ بحبل، ومع كلٍّ منهم سلة أو شبكة. ويسدّون أنوفهم بقطعةٍ من القرن، ويبقون تحت الماء نحو أربعين ثانية في الأعماق المعتادة، ثم يتعلّقون بالقارب ليستريحوا نحو ثلاث دقائق. وطعامهم في الموسم التمر والسمك، و«السمك كثيرٌ جيدٌ في كلّ مكان».

أما الجزر فكانت محطات العمل: فقوارب الساحل تبقى في البحر حتى تمتلئ بالمحار، ثم تقصد جزيرةً مناسبة تفلق عليها الأصداف، ويستنتج الكاتب مما رآه من الأكوام الكبيرة على صير بني ياس وزركوه وصير بونعير أنها أنسب الجزر لذلك. ويصف في صير بني ياس «خورٌ جميلٌ عمق مائه خمس قامات»، آمنٌ تمامًا، يقصده الغاصة كثيرًا لأن سطحه هادئ دائمًا.

اللباس والسلاح

يصف وايتلوك لباس أهل الساحل وصفًا مفصلًا. فغطاء الرأس «منسوجٌ نسجًا كثيفًا من الحرير الفاخر والقطن، مخطّطٌ بالأحمر أو الأخضر مع الأصفر الزاهي، طوله نحو أربع أقدام وعرضه ثلاث». ويذكر أنه لبس زيّهم مرة أو مرتين إرضاءً لهم، «فبدا أنهم استظرفوا ذلك من قلوبهم».

لوحة محفورة قديمة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج: الغوّاص وأسطول المراكب والغوّاصون في القاع وأدوات الغوص
«مغاصات اللؤلؤ في الخليج»: الغوّاص، وأسطول المراكب راسيًا، والغوّاصون في القاع، وأدوات الغوص (صورة أضافها المحقق)المصدر: «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»، ص 27طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: نقشٌ لحفّارٍ غير معروف في مجلّة «ذا غرافيك» (The Graphic)، لندن، 1 أكتوبر 1881

ومن لباسهم المعتاد، كما يعدّد، جراب للتبغ أو للخرطوش، وقرن للبارود، «وبندقية فتيلٍ يُزيَّن أخمصها بالفضة في الغالب، ورمحٌ طوله نحو سبع أقدام، وخنجرٌ نفيسٌ في الحزام لا يفارقهم».

أما الثوب الخارجي فيسميه «الكَمْلين»، ويقول إنه «يُصنع من غزلٍ صوفيّ مفتول، إمّا كثيفًا محكم النسج، وإمّا رقيقًا جدًّا متباعد النسج». ويذكر أن الأنواع الكثيفة أكثرها أسود، وأن أثمانها تتراوح «بين دولارين وثلاثين دولارًا».

البيوت والطعام

ويقول عن المساكن: «وبيوت الطبقات الميسورة مبنيّةٌ من الحجر، ذات سطوحٍ مستويةٍ ينامون عليها»، أما الفقراء فيسكنون العشش.

ويصف طعامهم بأنه «بسيطٌ ولكنه صحّي: فالتمر والسمك وأقراص الخبز من الدقيق واللبن هي أهمّ أصنافه». ويذكر أن الأرز ترف عند الفقراء لغلاء ثمنه، وأن «البلاو المطبوخ بالدجاج أو بلحم الجدي، مع الفاكهة، هو عشاء علية القوم».

ويصف القهوة: «وتُشرب القهوة في كلّ الأوقات في فناجين صغيرةٍ من الخزف الصيني». ويصف طريقة طبخ لافتة: يضعون السمك على الجمر في قدر من الفخار، «وفي الوقت نفسه تُلصق بجوانب القدر أقراصُ القمح فلا تلبث أن تنضج، والسمك المطبوخ على هذا النحو طيّبٌ جدًّا».

ويذكر من السمك البيَاح، «الذي يُصاد بالشباك في الأخوار بأعدادٍ كبيرة»، ومن صيد البحر سمك الصخور الأحمر والكنعد وصغار القروش.

عادات في التحية والوداع

ويسجّل وايتلوك أدبًا من آداب السؤال عن الأهل: «ومن العادة إذا أردت أن تسأل رجلًا عن صحّة زوجته وأهله أن تسأله هكذا: «كيف حال بيتك؟»». ويقول: «والعرب في المجاملة يلتزمون الرسوم، ولا يُغفلون أبدًا السلام المعتاد حين يلقون غيرهم أول مرة».

ويصف مقابرهم: «ومقابرهم في العادة خارج القرية، وكثيرًا ما تكون في بقاعٍ منعزلةٍ نظيفة». ويذكر أن الميت يُوجَّه دائمًا نحو مكة، وأن الأهل يضعون «حجرٌ مسطّحٌ عند رأسه وآخر عند قدميه».

ساحلٌ خطر وشيخٌ يأمر بالإنقاذ

يصف وايتلوك الساحل بأنه «عميق المياه قريبًا من البرّ، ولكنه ساحلٌ خطِرٌ إذا هبّت الريح الشمالية الغربية فدفعت السفن نحوه». ويروي أن سفينتهم كادت تغرق في عاصفة، ولم يكن تحتها من الماء إلا أربع قامات، وكان الأهالي مصطفّين على الساحل. ويقول: «ولكنّي سمعت بعد ذلك أنّ الشيخ أمر ببذل كلّ جهدٍ لإنقاذ البحّارة». ثم ابتعدت السفينة عن الساحل بعد ست ساعات من القلق.

طريقة الغوص

ويفصّل وايتلوك طريقة العمل على المغاص. فالسفن ترسو «في أعماقٍ مختلفةٍ من الماء، من خمس قاماتٍ إلى ستّ عشرة قامة». وينقسم الرجال فريقين: فريق يبقى في القارب ليتسلّم المحار ويسحب الغاصة، والآخرون ينزلون على ثقل من الحجر مربوط بحبل. ومع كل غواص سلة «تسع سبع محاراتٍ أو ثمانيًا»، فإذا ملأها «هزّ الحبل إشارةً إلى من على القارب أن يسحبوه».

ويصف أداة الأنف: «قطعةً من القرن يسدّون بها المنخرين، لتمكّنهم من حبس النَّفَس مدّةً أطول». ويقول: «ويبقون تحت الماء نحو أربعين ثانية في الأعماق المعتادة، ولم أرَ أحدًا منهم يبقى أكثر من دقيقة».

ويذكر أن الغاصة كانوا يفلقون المحار على الجزر بسكين مطوية عادية، وأنهم «في ذلك سريعون حاذقون جدًّا». ويروي أنهم سُئلوا عن خطر القرش، فوصفوه بأنه «لا شيء إذا قيس بالخطر الذي يلقونه من سمك المنشار».

أرقام الموسم

يقدّم وايتلوك جدولًا بقوارب الغوص: من البحرين وتوابعها 2430 قاربًا، ومن الشارقة ورأس الخيمة 350، ومن أبوظبي وغيرها من بلدات الساحل نحو 350، فيكون المجموع 3230 قاربًا. ويقدّر متوسط الرجال في القارب بتسعة، فيبلغ عدد العاملين 29,070 رجلًا. ويقول: «وتُقدَّر قيمة اللؤلؤ الذي يُستخرج في الخليج كلّه في موسمٍ واحدٍ بأربعين لكًّا من الروبيات».

ويذكر أن البحّارة لا يُستأجرون أبدًا بأجر ثابت، بل لهم حصص من الحصيلة، وأن كل قارب يدفع ضريبةً بحسب حجمه وعدد رجاله، من دولارٍ إلى دولارين، لشيخ البلدة التي ينتمي إليها.

خاتمة

قيمة نص وايتلوك أنه شهادة عينٍ عاشت أسابيع بين الجزر، فرأت أبوظبي في بداياتها المتواضعة، وجالست رجال بني ياس حول النار، وراقبت الغاصة في مواسمهم. وقد جاء التحقيق ليضع هذه الشهادة في سياقها، ويبيّن حدود ما يُعرف عن كاتبها، فيقرأها القارئ واثقًا من مصدرها.

المصدر

  • الكتاب: «ساحل أبوظبي وبني ياس في عيون الرحالة البريطانيين (1836–1925): ثلاث وثائق مترجمة ومحققة»، القسم الأول: نص الملازم هـ. هـ. وايتلوك (H. H. Whitelock)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: تقديم المحقق والنص ص 9–31 تقريبًا (أهل الساحل ص 11؛ اللباس ص 17–18؛ البيوت والطعام ص 19–20؛ العاصفة ص 21–22؛ التحية والمقابر ص 25؛ طريقة الغوص ص 27–29؛ أرقام الموسم ص 30–31؛ زيارة الشيخ طحنون ص 12–13؛ رحلة المسح والجمال ص 15–16؛ أبوظبي ص 22؛ الغوص على اللؤلؤ وجزر بني ياس ص 25–29).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 9–31؛ النص المقتبس يقع فعلًا في ص 10–31، والمواضع الفرعية المذكورة تقريبية بفارق صفحة واحدة.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة