في نوفمبر 1816 كان الرحّالة جيمس سلك بكنغهام على متن السفينة «ميركوري» ضمن سرب بريطاني صغير قصد رأس الخيمة. وكان يتكلّم العربية ويلبس زيّ العرب، فطُلب منه أن يرافق قائد السرب مترجمًا. ودوّن في الفصل الثامن من رحلته وصفًا للساحل من الشارقة إلى رأس الخيمة، ولبلدة رأس الخيمة وشيخها، ولجبال رؤوس الجبال وأهلها.
ويقدّم المحقق هذا الفصل بتنبيه: إن المؤلف يروي الوقائع من وجهة النظر البريطانية في زمنها، وإن الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي درس هذه الحادثة وما سبقها في كتابه «أسطورة القرصنة العربية في الخليج» (1986)، اعتمادًا على وثائق شركة الهند الشرقية نفسها، و«بيّن أنّ كثيرًا من التهم الموجّهة إلى القواسم لم تقم على بيّنة». ونقرأ الفصل هنا لما فيه من وصف للمكان والناس، مع حواشي المحقق التي تضبطه.
الشارقة وأبو هيل
في صباح 26 نوفمبر طلع النهار صافيًا. ويقول المؤلف إن السرب تجاوز في الليل ميناء الشارقة، «وهي ليست جزيرةً كما رُسمت في خريطة نيبور». ويصفها بأنها «بلدةٌ صغيرةٌ على شاطئٍ رمليّ»، ويقدّر سكانها بخمسمئة إلى ستمئة. ويعلّق المحقق بأنها كانت يومئذٍ من بلاد القواسم، «وهي اليوم إحدى إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة»، وأن عدد السكان المذكور ممّا بلغ المؤلف «ولا يُعتمد عليه إحصاءً».

ويذكر المؤلف إلى الجنوب الغربي من الشارقة موضعًا اسمه «أبو هيل». ويقول المحقق: «أبو هيل: موضعٌ على الساحل في ناحية دبي، وهو اليوم من أحيائها». ويضيف ملاحظة لافتة: «والملاحظ أنّ المؤلف لم يذكر دبي باسمها، وكانت يومئذٍ بلدةً صغيرة».
ويقول المؤلف إن البلدتين كلتيهما ترسلان القوارب إلى مغاص اللؤلؤ في البحرين في أشهر الصيف. أمّا طعامهم في الشتاء فالسمك والتمر ولبن القطعان. والقمح نادر، والأرزّ يجلبونه من مسقط والبحرين.
فِشت وعجمان
بعد الشارقة تأتي «فِشت». ويعرّفها المحقق بأنها «موضعٌ على ساحل الشارقة، وهو اليوم من أحياء مدينة الشارقة». ثم عجمان، «بلدةٌ صغيرةٌ أخرى قرب الشاطئ»، يقدّر المؤلف سكّانها بأربعمئة إلى خمسمئة. ويقول إن أهلها لا يرسلون قوارب إلى مغاصات البحرين، بل يعيشون على الصيد في ساحلهم، وعلى نتاج نخيلهم وقطعانهم.
أهل البادية
يصف المؤلف داخل البلاد بأنه سهل رملي منبسط يمتد إلى سفح سلسلة منخفضة من التلال المتقطّعة. وفيه أسر من قبيلتي «بني كتب» و«النعيم»، «تسكن بيوت الشعر، وتركب الإبل التي هي عمدة ثروتها». ويوضح المحقق أن النعيم «قبيلةٌ عربية كبيرة، ومنها آل النعيمي حكّام عجمان».
ثم يذكر بني ياس، ويقول إنهم أكثر عددًا من القبيلتين السابقتين مجتمعتين. ويعرّفهم المحقق: «بنو ياس: حلفٌ قبليٌّ كبير، ومنهم آل نهيان حكّام أبوظبي وآل مكتوم حكّام دبي». وينبّه إلى أن وصف المؤلف لمعيشتهم «منقولٌ عن السماع، وفيه مبالغة».
ويذكر المؤلف أن الماء في تلك البقاع قليل مالح. ويقول إن إبلهم «لا تشرب إلا مرّةً كلّ يومين أو ثلاثة».
أمّ القيوين
على نحو عشرة أميال من عجمان تقع أمّ القيوين. ويصف المؤلف الساحل في الطريق إليها بأنه «خطًّا من الشاطئ الرمليّ الأبيض، مع بساتين النخيل في السهل». ووراءه، على عشرين إلى أربعين ميلًا، ترتفع سلسلة من التلال الشاهقة.
ويرى البلدة من البحر: «وكان منظر هذا الموضع منظر حظيرةٍ مربّعةٍ تكوّن قريةً مسوّرة». ويرى أبراجًا مستديرة على طول الشاطئ، وبقايا سور كان يصلها، وبيوتًا وأكواخًا تتخلّلها مجموعات من النخيل. ويقول: «وشوهدت على أحد الأبراج المستديرة سارية علم، رُفعت عليها الراية العربية برهةً قصيرة ثم أُنزلت». وفي خور إلى الشمال الشرقي ثلاثة قوارب كبيرة راسية، وقوارب أخرى مسحوبة على الشاطئ. واجتمع أكثر السكّان على الشاطئ حين مرّت السفن.
بلدة رأس الخيمة
قبيل الغروب لمح السرب رأس الخيمة «ترتفع من خطّ الماء عند سفح الجبال الشاهقة». ويحدّد المؤلف موقعها بخط العرض 25° 47' شمالًا وخط الطول 55° 34' شرقًا.
ويصف البلدة: «وهي قائمةٌ على لسانٍ ضيّقٍ من الأرض الرملية متّجهٍ نحو الشمال الشرقيّ». يواجه هذا اللسان البحر المفتوح من جهة، وخورًا يوفّر مرفأً آمنًا للقوارب من الجهة الأخرى. ويقدّر طولها بنحو نصف ميل وعرضها بربع ميل.
ويقول إنه لم يرَ حولها سورًا متصلًا، «وإن كانت تُرى أبراجٌ مستديرةٌ وأجزاءٌ من أسوارٍ في عدّة مواضع». وأقوى مواضعها حصن عند الزاوية الشمالية الشرقية، وبرج مستدير مزدوج قرب وسط البلدة. أمّا سائر البلدة فمبانٍ من الحجر غير المنحوت، وأكواخ من الأسل والعشب الطويل، «تتعرّج بينها ممرّاتٌ ضيّقة». ويقدّر سكّانها «بعشرة آلافٍ على الأقلّ».
النخيل والجبال
يقول المؤلف إن الأرض المجاورة للبلدة منبسطة رملية، لكن على الجانب الآخر من الخور «تبدو غاباتٌ واسعةٌ كثيفةٌ من النخيل، ثمرها عمدة الطعام للناس ومواشيهم معًا».
وعند نهاية السهل ترتفع سلسلة من الجبال، قُدّرت أعلى نقطة فيها بنحو ستة آلاف قدم فوق سطح البحر. ويصف ما رآه من بعيد: «وشوهدت طبقاتٌ بيضاء تمتدّ أفقيًّا قرب القمم». وتنخفض السلسلة نحو الشمال الشرقي حتى تنتهي برأسي خصب والشعم، وتتضاءل نحو الجنوب الغربي حتى «تضيع في صحراء العرب».
الشحوح
يذكر المؤلف أن في هذه الجبال قومًا يسمّون «الشحوح»، يعيشون في القرى والخيام، «ويعترفون بشيخٍ منهم رئيسًا لهم». ولهم ثلاث بلدات قرب الساحل بين رأس الخيمة ورأس مسندم: الشعم وخصب وجادي. ويقول إنهم لا يملكون سفنًا للتجارة، «ولا يستعملون البحر إلا في الصيد لسدّ حاجاتهم المباشرة». ويذكر أن أكثرهم يتكلّمون العربية إلى جانب لغتهم.

ويضبط المحقق ما رواه المؤلف: «الشحوح: قبيلةٌ عربية تسكن جبال رؤوس الجبال في مسندم وما يليها من رأس الخيمة». ويقول إن ما يذكره عن لغتهم «يشير إلى لهجتهم الخاصّة وإلى اللغة الكمزارية التي يتكلّمها أهل كمزار في مسندم». وينبّه إلى أن وصفه لسحنتهم «منقولٌ عن السماع».
المرسى والمدّ
يصف المؤلف مرسى رأس الخيمة بأنه «مرسًى مكشوف»، معرّض لرياح الشمال والشمال الغربي الغالبة في الخليج. ويذكر حرفًا من الرمل يمتد موازيًا للشاطئ على بعد نصف ميل منه، يحمي القوارب الخفيفة الراسية داخله. أمّا مدخل الخور، حيث تُسحب السفن للأمان أو الإصلاح، فعليه حاجز «ليس عليه إلا إحدى عشرة قدمًا عند المدّ العالي».
ويذكر أن المدّ يجري على خط الساحل، وكان ارتفاعه وانخفاضه أثناء رسوّهم «نحو ستّ أقدام». وعلى نحو سبعة أميال إلى الشمال الشرقي بلدة الرمس، «ولها أيضًا خورٌ على مدخله حاجز»، وهي تابعة لرأس الخيمة.
لقاء الشيخ حسن بن رحمة
في صباح 27 نوفمبر نزل المؤلف إلى البرّ مع الكابتن بريدجز، قائد السرب، ليتحقّقا من وصول رسالة المقيم البريطاني إلى الشيخ. ويعرّف المحقق الشيخ: «الشيخ حسن بن رحمة القاسميّ: شيخ رأس الخيمة في هذه المدّة حتى حملة 1819-1820م، ووقّع مع البريطانيين على معاهدة السلام العامّة سنة 1820م».
ويروي المؤلف أنهما قيدا في ممرّات ضيّقة إلى المبنى الرئيس في وسط البلدة، فاستقبلهما الشيخ في حاشية من نحو خمسين رجلًا. ويقول: «فحيّيته بتحية الإسلام، تحية السلام، فردّها عليّ بلا تردّد». ولم يكن في الطريق العام سجّاد ولا حُصر، «فجلسنا كلّنا على الأرض».
وسأله المترجم هل بلغته الرسالة، فأجاب بالإيجاب، «وأكّد لنا مرارًا أننا في أمانٍ تامّ، وأبدى رجاءه أن تُسوّى المسألة بالحسنى».
ويصف المؤلف الشيخ بأنه كان في نحو الأربعين، «وأسنانه بيضاء منتظمة بديعة». وكان يلبس الثياب العربية المعتادة مع عمامة من شال الكشمير و«بنيش» قرمزي. والبنيش كما يشرح المحقق «جبّةٌ واسعةٌ طويلة الأكمام تُلبس فوق الثياب». أمّا أتباعه فكانوا «بقمصانٍ طويلةٍ و«كوفيات» أي مناديل ملقاةٍ على الرأس بارتخاء».
عاصفة إلى قشم وهنگام
في ليلة 27 نوفمبر اشتدّت الريح الشمالية الغربية، فخرج السرب إلى عرض البحر. ووجد نفسه عند الفجر قرب جزيرة قشم، فرسا في الخليج الصغير بين قشم وجزيرة هنگام. ويعرّف المحقق هنگام بأنها «جزيرةٌ صغيرة جنوب جزيرة قشم، وتسمّى في الخرائط الإنجليزية Angar».
ويقول المؤلف إن قشم «أكبر جزر الخليج العربيّ كلّها»، طولها نحو ستين ميلًا وأكبر عرضها نحو عشرين. ويضيف: «ويسمّيها العرب «جزيرة الطويلة»، ويقال إنهم كانوا يسكنونها يومًا بكثافة». ويذكر أن أوديتها خضراء، والتمر والماء فيها وافران.
وينقل المؤلف أنه كان في قشم قديمًا ثلاثمئة قرية، ويقول إنه لا يوجد فيها في زمنه «اثنتا عشرة قريةً صغيرةً مأهولة». ويذكر أن الكولونيل كينير لاحظ في هنگام أطلال بلدة كبيرة، «وصهاريج كثيرةً للماء مماثلةً لصهاريج هرمز». ويعلّق المحقق على ما يرويه المؤلف من أحوال قشم بأنه «رواية المؤلف عن السماع؛ وكانت قشم في هذه المدّة موضع نزاعٍ بين القواسم وسلطنة مسقط وحكّام فارس».
ويربط المؤلف هنگام بما ورد عند المؤرخين اليونانيين. فهي عنده الجزيرة التي ذكرها نيارخوس، قائد أسطول الإسكندر، على بعد أربعين غلوة من الجزيرة الكبرى، «ويقول إنها كانت مقدّسةً لنبتون». ويذكر أن قشم نفسها وردت بأسماء محرّفة عند نيارخوس وبطليموس وبلينيوس وسترابون. ويرى المحقق في حاشية قريبة أن اشتقاق المؤلف لاسم جزيرة لارك المجاورة «اشتقاقٌ ظنّيّ».
وفي 29 نوفمبر هدأت العاصفة، فعاد السرب عبر الخليج إلى رأس الخيمة.
الجواب وما تلاه
حملت رسالة المقيم مطالب تتعلّق بسفن استُولي عليها في البحر الأحمر. ويعلّق المحقق بأن الشيخ سلطان القاسمي يناقش هذه المطالبات استنادًا إلى وثائق الشركة، «ويرى أنّ مسؤولية القواسم عنها لم تثبت على الوجه الذي صُوّر». ويضيف أن أكثر السفن المأخوذة كانت ملكًا لتجّار من الهنود.
وجاء جواب الشيخ يعرض إرسال مندوبين إلى بومباي للتفاوض، بشرط الأمان في ذهابهم وإيابهم. وقد وصف رجال البعثة الجواب بالوقاحة والمراوغة، فعلّق المحقق: «والجواب كما نقله هو نفسه لا يخرج عن المألوف في المراسلات بين طرفين متنازعين».
وانتهى الأمر في أول ديسمبر بتبادل للنار من بعيد، لم يُصب فيه أحد. ويقول المؤلف إنه من ثلاثمئة قذيفة أطلقها السرب «لم يبدُ أنّ واحدةً منها أصابت شيئًا». ويلاحظ المحقق: «يُلاحظ أنّ المؤلف نفسه ينتقد هذا القصف ويعدّه خطأً سياسيًّا». وقد أفضت هذه الأحداث إلى حملة 1819–1820، ثم إلى معاهدة السلام العامة سنة 1820.
خاتمة
يحفظ الفصل الثامن من رحلة بكنغهام صورة لساحل الإمارات اليوم قبل أكثر من قرنين: الشارقة وأبو هيل وفِشت وعجمان وأمّ القيوين والرمس ورأس الخيمة، بأبراجها ونخيلها وخيرانها. وفيه وصف لقاء مباشر مع الشيخ حسن بن رحمة. وتأتي حواشي المحقق لتعرّف المواضع والقبائل، وتضع الرواية البريطانية في سياقها، مستندة إلى دراسة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
المصدر
- الكتاب: «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816»، تأليف: جيمس سلك بكنغهام (James Silk Buckingham)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الثامن ص 137–158 (تنبيه المحقق والشارقة وأبو هيل ص 137–138، عجمان والبادية ص 138–139، أمّ القيوين ص 139–140، رأس الخيمة ص 141–147، لقاء الشيخ ص 143–144، الرمس ص 148، قشم وهنگام ص 149–153، الجواب وتبادل النار ص 149، 157–158).
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


