جزرٌ على دفتر الملّاح: من قيس إلى صير بني ياس والبحرين في رحلة بكنغهام

في التاسع عشر من نوفمبر 1816 كان الرحّالة الإنجليزي جيمس سلك بكنغهام على ظهر سفينةٍ في سربٍ يبحر من بوشهر نزولًا في الخليج العربي.

عن كتاب «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط» · جيمس سلك بكنغهام · تحقيق: أحمد علي المرر

جيمس سلك بكنغهام٨ دقائق

في التاسع عشر من نوفمبر 1816 كان الرحّالة الإنجليزي جيمس سلك بكنغهام على ظهر سفينةٍ في سربٍ يبحر من بوشهر نزولًا في الخليج العربي. كانت الريح خفيفة، لكنه يكتب أن «الجوّ كان في غاية اللطف»، وأن الوفاق التام ساد الجماعة المزدحمة على السفينة. ومن هذه الرحلة البطيئة خرج الفصل السابع من كتابه، الذي ترجمه المحقق ضمن «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط». والفصل أشبه بدفتر ملّاح: خطوط عرض وطول، وأعماق بالقامات، وجزر تُرسم واحدةً بعد أخرى.

يومياتٌ على إيقاع الريح

يكتب بكنغهام يومياته بالتاريخ: ففي العشرين من نوفمبر انفجرت قبيل الفجر عاصفة من الشمال الغربي «يصحبها الرعد والبرق والمطر»، فطُويت الأشرعة، ثم استقرت الريح عند الشروق نسيمًا ثابتًا. وفي الحادي والعشرين يلاحظ أنهم لم يروا إلا قليلًا من السمك، لكنهم رأوا قناديل البحر التي يسمّيها البحّارة «الشحم»، وثعابين بحرٍ مطوّقة بالأسود والأبيض. وفي كل يوم يسجّل موقع السفينة عند الظهر، والجبال التي تُرى على الساحل، والعمق الذي يتغيّر من سبعٍ وعشرين قامة إلى أربعين.

لوحة محفورة قديمة لأطلال هرمز مع جزيرتها وخليجها، عن رسم لجيمس بيلي فريزر، من لوحات الفصل نفسه
أطلال هرمز، مع جزيرتها وخليجها، عن رسمٍ لجيمس بيلي فريزرالمصدر: «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط»، ص 131أصل الصورة: جيمس سلك بكنغهام، رحلات في آشور وميديا وفارس، ط2، لندن 1830، ج2، اللوح المحفور في صدر الفصل السابع؛ نشرها هنري كولبرن، 1 يناير 1829

قيس: أخصب جزر الخليج

في الثالث والعشرين من نوفمبر كانوا قبالة جبل چارك على الساحل الفارسي، الذي «يتخذه الملّاحون علامةً بحريةً في الخليج». وقبالته جزيرة قيس الصغيرة، ويصفها بأنها «منخفضة، أكثف شجرًا من أيّ جزيرةٍ في الخليج، خصبةٌ عامرةٌ بالسكّان». ويذكر أنه يمكن الحصول فيها على المؤن والماء، وأن في ظلّها ملجأً من العواصف الشمالية الغربية في مرسًى جيد عمقه تسع قامات.

ويبحث بكنغهام هنا عن سيراف التي يذكرها الإدريسي مركزًا للتجارة، فلا يجدها. ويأتي المحقق ليحسم الأمر: سيراف ميناءٌ عظيم على الساحل الفارسي ازدهر في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وكانت تنطلق منه السفن إلى الهند والصين، ثم انحطّ بعد زلزالٍ نحو سنة 366هـ/977م وتحوّلت التجارة إلى قيس، وأطلاله عند بلدة طاهري الحالية.

«بثوبي»: اسمٌ محرّف لأبوظبي

حين يصل الكاتب إلى الجون الواقع على الساحل العربي يقول: «وأقصى الجزر غربًا في هذا الجون تسمّى «جزيرة بثوبي»، من بلدةٍ بهذا الاسم تقع قبالتها». ويذكر أن للبلدة مرفأ، وأنها موضع ذو شيءٍ من التجارة، على صداقة مع إمام مسقط، تستقبل السفن والإمدادات من سوقها.

وتُقسَم أرباح الغوص كلّها بأعدل طريقة، بحصصٍ على قدر رأس المال الموضوع في القوارب؛ والذين لم يسهموا في تجهيزها البتّة يُعطَون كذلك حصصًا متناسبة؛ فيكون للجميع مصلحةٌ في أرباح العمل، ويمضي الجميع في عملهم راغبين
جيمس سلك بكنغهام«رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط»

وهنا يقدّم المحقق إضاءةً تجعل الفقرة كلها تتغيّر في عين القارئ: فـ«بثوبي» و«بوثبيان» تحريفان لاسم «أبوظبي»، يؤيد ذلك موقعها على خط العرض الذي يذكره المؤلف، وذكره بني ياس فيها، «وهي يومئذٍ مقرّ آل نهيان شيوخ بني ياس، وهي اليوم عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة».

جزر مود: ثماني جزرٍ في مغاصٍ واسع

ثم ينقل بكنغهام وصف مجموعةٍ من الجزر اكتُشفت، كما يقول، بسفينة «فيفوريت» وسُمّيت باسم قائدها «جزر مود»، ويعدّدها: حالول، وشراعوه، وداس، وجُمَعين، وداني، وأرزنة، ودلما، وجزيرة بني ياس، «فتلك ثمانٍ». ويحدّد المحقق مواضعها اليوم: هذه الجزر كلها في مياه دولة الإمارات العربية المتحدة، عدا حالول وشراعوه التابعتين لدولة قطر، وجزيرة صير بني ياس تُعرف اليوم بهذا الاسم.

ويحفظ الوصف المنقول ملامح كل جزيرة؛ فدلما «طولها من الشمال إلى الجنوب نحو ستّة أميال»، وعلى طرفها الشمالي تلٌّ مستدير، أما جزيرة بني ياس فهي «مرتفعةٌ نوعًا ما في الوسط، وعرةٌ جدًّا»، تمتد إلى الجنوب الغربي في نقطة منخفضة تكاد تتصل بالبر. ويخلص الوصف إلى قوله: «وتقع هذه الجزر في وسط مغاصٍ واسعٍ للؤلؤ، يمتدّ نحو مئتي ميلٍ طولًا، ونحو سبعين ميلًا من الشمال إلى الجنوب، ومن هذا المغاص يُجمع كلّ سنةٍ مقدارٌ عظيمٌ من اللؤلؤ».

البحرين: ثلاثمئة قرية ومرسى المنامة

من رأس ركّان يمضي الساحل ليكوّن خليج البحرين، ويذكر الكاتب الزبارة وقلعتها قريبًا منه. ويعرّف المحقق الزبارة بأنها بلدة على الساحل الشمالي الغربي لقطر، كانت مقرّ آل خليفة قبل انتقالهم إلى البحرين سنة 1783م، وأطلالها اليوم مدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

أما البحرين فيشرح اسمها بأنه مثنّى، فكبرى الجزيرتين تحمل الاسم، والصغرى تحتفظ باسم «عراد». ويصف الجزيرة الرئيسة بأنها منخفضة «ولكنها خصبةٌ في كلّ مكان، وافرة الماء، تحمل سكّانًا كثيرين»، ويقدّر أن فيها ما لا يقل عن ثلاثمئة قرية منتشرة. وبين الجزيرتين معبرٌ بالقوارب «التي تغدو وتروح ليلًا ونهارًا بلا انقطاع». ويشير إلى مرسى قريب من المنامة على نصف ميل، ترسو فيه الداوات والسفن المحلية كلها.

لؤلؤٌ يصل إلى عواصم أوروبا

يقدّر بكنغهام أن مغاص اللؤلؤ الذي مركزه هذه الجزر يدرّ كل سنة نحو عشرين لكًّا من الروبيات للتصدير، يجد أكثره طريقه إلى الهند، ويتفرّق الباقي عبر بوشهر والبصرة وبغداد حتى القسطنطينية والشام ومصر، «بل إلى عواصم أوروبا الكبرى». ويصف الغوّاصين الذين يبدؤون عملهم عند الشروق ويستمرون حتى الغروب، وينزلون من خمس قامات إلى خمس عشرة.

ويستوقفه نظام توزيع الأرباح: «وتُقسَم أرباح الغوص كلّها بأعدل طريقة، بحصصٍ على قدر رأس المال الموضوع في القوارب؛ والذين لم يسهموا في تجهيزها البتّة يُعطَون كذلك حصصًا متناسبة؛ فيكون للجميع مصلحةٌ في أرباح العمل، ويمضي الجميع في عملهم راغبين». وطعام الغوّاصين في الموسم، كما يقول، السمك والتمر وقليل من الخبز والأرز والزيت.

عيونٌ عذبة في قاع البحر

يقول بكنغهام: «والبحرين مشهورةٌ أيضًا بعيون الماء العذب النابعة في البحر». ويصف إحداها: «فواحدةٌ منها تنبع في عمق ثلاث قامات، حيث يتدفّق الماء العذب من رمل القاع بقوّةٍ عظيمة». ويشرح طريقة الاستقاء: «وقد رُكّبت جرّةٌ على فم هذه العين، والذي يستقي الماء منها يغوص ومعه قربةٌ فارغةٌ من جلد الماعز ملفوفةٌ تحت إبطه». فإذا وضعها على فم الجرّة امتلأت في ثوانٍ وطفت به إلى السطح.

ويذكر أن حول الجزيرة أربع عيون أو خمسًا من هذا النوع، وأن الماء الوحيد الذي يُشرب في عراد يُستقى من إحداها. ويقول: «وماء هذه العيون كلّها عذبٌ جدًّا في ذاته». ويعرّفها المحقق بأنها العيون «المعروفة في البحرين بـ«الكواكب»، ومنها عين «أبو ماهر» قرب المحرّق».

العقير ميناء الأحساء

ثم ينتقل المؤلف إلى قاع خليج البحرين، حيث «يقع خور «لغير» ومرفؤها». ويوضح المحقق أن «لغير» هو «العُقير، ميناء الأحساء التاريخيّ على الخليج». ويقول بكنغهام: «وفي هذا الخور تُحفظ قوارب الغوص على اللؤلؤ في الشتاء، وعددها عدّة مئاتٍ من الأشرعة، إذ الخور واسعٌ يمتدّ أميالًا كثيرةً إلى الداخل».

ويذكر أن الأحساء كانت في أثناء حملات البرتغاليين «مقرّ ملكٍ تخضع له جزر البحرين وميناء القطيف كلاهما». ويعرّف المحقق هؤلاء الملوك: «هم الجبور (بنو جبر)، حكموا الأحساء والقطيف والبحرين في القرنين التاسع والعاشر الهجريين»، وآخر ملوكهم البارزين مقرن بن زامل الجبري، الذي قُتل في البحرين سنة 1521م في حملة برتغالية.

القطيف

ويقول بكنغهام عن القطيف: «وهي بلدةٌ تجاريةٌ كبيرة، وثيقة الصلة بجزر البحرين، تشاركها في غوص اللؤلؤ وفي تجارتها العامّة». ويضيف: «ولها جونٌ عميق تُحفظ فيه سفن الغوص على اللؤلؤ أيضًا في فصل الشتاء».

بحرٌ بلا ديدان

ويسجّل المؤلف ملاحظة يقول إن كل من يعرف الخليج يؤكّدها: «أنه لا توجد في مياهه كلّها ديدانٌ تضرّ بقيعان السفن أو الخشب الغارق». ويقارن بين ساحلي الخليج: في الجانب العربي «تكثر الضحاضح المرجانية والمياه الضحلة، كما في البحر الأحمر، مع سبرٍ شديد عدم الانتظام، وقاعٍ صخريٍّ ورمليّ، وماءٍ بديع الصفاء».

القرين أو الكويت

ويصعد بكنغهام بوصفه إلى الكويت، فيقول إنها «القرين» في الخرائط الإنجليزية، «وإن كان لا يُعرف عند العرب إلا باسم «الكويت»». ويصفها: «وهو ميناءٌ ذو شأن، يقع في جونٍ جميل؛ والبلدة كبيرةٌ آهلة». ويقول إنها حافظت على استقلالها حين هوجمت مواضع كثيرة في الخليج بالسلاح البرتغالي، وإن أهلها لا يزالون يحملون «صيت أنهم أكثر الناس حرّيةً وأشجعهم في الخليج كلّه».

ويقول: «ويُخرج الميناء مئة شراعٍ على الأقلّ من السفن الكبيرة والصغيرة»، ويذكر وأن لقادتها وأصحابها «أرفع سمعةٍ في الأمانة والمهارة والثبات والشجاعة». ويضيف المحقق أن الكويت كانت يومئذٍ تحت حكم آل صباح، «وحاكمها في زمن الرحلة الشيخ جابر بن عبد الله الصباح».

ويقول بكنغهام: «ويتيح الجون مرسًى ممتازًا في أعماقٍ مناسبة»، ويذكر أنه استُعمل حينًا محطّةً لطرّادات شركة الهند الشرقية لإنزال الرسائل المتبادلة بين الهند وأوروبا. ويحدّد المحقق ذلك: «انتقلت وكالة شركة الهند الشرقية من البصرة إلى الكويت مرّتين: في 1793-1795م، وفي 1821-1822م».

فيلكا وإيكاروس

ويسمّي المؤلف الجزر التي تستر مدخل جون الكويت: «مسكان» و«فيلكا» و«عُوهة»، ويقول إن فيلكا أكبرها، «لا يزيد محيطها على سبعة أميال». ويقارنها بجزيرة «إيكاروس» التي ذكرها أريانوس. ويؤكّد المحقق ذلك بما ثبت بعد زمن المؤلف: «أثبتت الحفريات الأثرية في فيلكا منذ خمسينيات القرن العشرين، ومنها نقشٌ يونانيّ يذكر اسم «إيكاروس» ومعبدًا لأرتميس، أنّ فيلكا هي إيكاروس القدماء».

الطنب الكبرى

وفي الخامس والعشرين من نوفمبر مرّت السفينة بجزر وسط الخليج. ويصف بكنغهام الطنب الكبرى بأنها «جزيرةٌ منخفضة، طولها من الشرق إلى الغرب يزيد قليلًا على فرسخ». ويذكر أن «قرب طرفها الغربيّ جونٌ صغيرٌ ملائمٌ للنزول». ويعلّق المحقق: الطنب الكبرى والطنب الصغرى ومعهما أبوموسى «جزرٌ عربية تتبع دولة الإمارات العربية المتحدة (الطنبان لرأس الخيمة وأبوموسى للشارقة)».

خاتمة

يكتب بكنغهام كمن يرسم خريطةً بالكلمات، فيمرّ القارئ معه على قيس الخضراء، وعلى «بثوبي» التي يكشف التحقيق أنها أبوظبي، وعلى جزرٍ ما تزال أسماؤها حيّة: دلما وداس وصير بني ياس، حتى يبلغ البحرين بقراها الثلاثمئة. ويختم الفصل بالوصول إلى هرمز وأطلالها، التي تصوّرها اللوحة المرافقة.

المصدر

  • الكتاب: «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط»، تأليف: جيمس سلك بكنغهام (James Silk Buckingham)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل السابع «الإبحار من بوشهر نزولًا في الخليج العربي، وأطلال هرمز»، ص 89–131 (بداية الإبحار والعاصفة ص 89–91؛ جبل چارك وقيس وسيراف ص 100–102؛ بثوبي وجزر مود ص 108–111؛ البحرين ومغاص اللؤلؤ ص 112–115؛ عيون البحرين والعقير والجبور ص 117–119؛ القطيف وخلوّ الخليج من الديدان ص 120؛ الكويت ص 122–123؛ فيلكا ص 124–125؛ الطنب الكبرى ص 127؛ لوحة أطلال هرمز ص 131).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة