أوال: جزر البحرين بين تلال الأقدمين ومغاصات اللؤلؤ

حين وصل الجغرافي الألماني فرانتس شتولمان، في كتابه «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» الصادر سنة 1916، إلى جزر البحرين، لم يبدأ بالحديث عن السياسة التي شغلت كتابه، بل عاد إلى أعماق التاريخ.

عن كتاب «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» · فرانتس شتولمان · تحقيق: أحمد علي المرر

فرانتس شتولمان٨ دقائق

حين وصل الجغرافي الألماني فرانتس شتولمان، في كتابه «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» الصادر سنة 1916، إلى جزر البحرين، لم يبدأ بالحديث عن السياسة التي شغلت كتابه، بل عاد إلى أعماق التاريخ. فالبحرين عنده أرضٌ قديمة قِدَم الحضارات الأولى، وجزرٌ عرفها الإغريق والرومان، ومركزٌ للؤلؤ لم ينقطع شأنه منذ زمن بلينيوس. وفي هذا المقال نتتبّع ما كتبه عن البحرين، مع ما أضافه المحقق من حواشٍ تصحّح وتوضّح.

جزرٌ في حضن قطر

يحدّد المؤلف موقع الجزر بعبارة موجزة: «تقع جزر البحرين على الساحل الشرقي لجزيرة العرب، في الخليج الذي تكوّنه شبه جزيرة قطر». ثم يذكر أن بعض المؤرخين طابقوها بـ«ددان» المذكورة في التوراة، وبجزيرة «تيلوس» عند اليونان، وأنه يقال إن حملة الإسكندر اكتشفت هناك شجيرة القطن. وهنا يتدخّل المحقق ليقول إن هذه المطابقات أقوالٌ قديمة ينقلها المؤلف، وإن المشهور اليوم ربط البحرين بحضارة «دلمون».

صورة قديمة لمجموعة من تجّار اللؤلؤ في البحرين، كما وردت في الكتاب
«تجّار اللؤلؤ في البحرين» (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»، ص 245طبيعة الصورة: صورة من كتابٍ آخر معاصر للمؤلف أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: من كتاب هنري جيمس ويغام «المسألة الفارسية»، لندن: إيزبستر، 1903

آلاف التلال

أكثر ما شدّ انتباه شتولمان في البحرين القديمة تلك التلال التي تغطي داخل الجزيرة؛ يقول: «فعلى سهلٍ واسعٍ في داخل الجزيرة تقوم آلاف التلال القبورية الضخمة، يبلغ ارتفاع بعضها ثلاثين مترًا وأكثر، تضمّ مدافن هائلةً من صناديق حجريةٍ في طابقين». ويذكر أنه لم يُعثر فيها إلا على جماجم طويلة، وقطعٍ من سوارٍ ذهبي، وبعض الأواني الفخارية، ومنحوتةٍ عاجية لثور، ثم يختم بأمنيةٍ أن يُجرى فيها بحثٌ أدق، «إذ لا شكّ أننا أمام أرضٍ ذات حضارةٍ موغلةٍ في القدم».

ويضيف المحقق ما يعطي هذه الفقرة معناها اليوم: فهذه هي «مدافن دلمون»، وهي من مواقع التراث العالمي لليونسكو، تضمّ مقابر على الجزيرة الرئيسة للبحرين تعود إلى حضارتي دلمون وأم النار، وكانت من أكبر المقابر في العالم القديم.

جرّهاء وطرق القوافل

ينتقل المؤلف من الجزر إلى البر المقابل، فيذكر مدينة التجارة القديمة «جرّهاء» التي لم يُتّفق على موضعها؛ فبعضهم يبحث عنها عند القطيف، وآخرون في قاع خليج قطر، والأرجح عنده أنها كانت في واحة الهفوف. ومنها كانت تنطلق، كما يقول، إحدى أهم طرق التجارة عبر جزيرة العرب، بعضها إلى مكة، وبعضها إلى اليمن، ونحو الشرق كانت الطرق تمضي «عبر الخليج إلى فارس، وعلى الأرجح حتّى الصين». ويعرّف المحقق جرّهاء بأنها مدينة قديمة شهيرة في شرق جزيرة العرب تعرفها المصادر اليونانية، وأرجح المواضع المقترحة لها «هجر» (الهفوف الحالية) و«ثاج».

فعلى سهلٍ واسعٍ في داخل الجزيرة تقوم آلاف التلال القبورية الضخمة، يبلغ ارتفاع بعضها ثلاثين مترًا وأكثر، تضمّ مدافن هائلةً من صناديق حجريةٍ في طابقين
فرانتس شتولمان«الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»

مغاصاتٌ لا تنضب

وفي قلب هذا التاريخ يقف اللؤلؤ. يقول شتولمان: «ومنذ زمن بلينيوس كانت جزر البحرين مشهورةً بمغاصات اللؤلؤ، التي ما زالت مزدهرةً إلى اليوم». ويقدّر أن نحو تسعمئة قارب تنصرف من هناك من يونيو إلى أكتوبر إلى الغوص في الخليج العربي، ويرى أن هذه المغاصات الغنية جعلت الجزر مرغوبةً لدى من حولها على مرّ العصور.

ويورد المؤلف في حاشيته أرقامًا لتجارة اللؤلؤ في البحرين بالروبية بين سنتي 1909 و1914، ويبلغ التصدير فيها ذروته في 1911–1912 بنحو تسعة وعشرين مليونًا وتسعمئة وعشرين ألف روبية، ويشرح أن الفرق بين التصدير والاستيراد هو قيمة اللؤلؤ المستخرج في منطقة البحرين نفسها. ويلاحظ المحقق بأمانة أن هذا الجدول جاء في النسخة المصوّرة مضطرب الترتيب، فرتّبه على أرجح قراءة.

من أوال إلى البحرين

ويتوقف المؤلف عند الاسم نفسه: «وكان اسمها القديم «أوال»؛ أمّا تسمية «البحرين»، أي «البحرين الاثنين»، فلم تظهر إلّا فيما بعد». ويذكر أن قاعدتها القديمة كانت تُسمّى «دارين»، فيصحّح المحقق بأن دارين بلدةٌ في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، لا في البحرين.

ويروي شتولمان أن قبيلة العتوب من الزبارة دخلت البحرين سنة 1783، وأن أسرة شيخها لا تزال هناك. ويوسّع المحقق هذه الإشارة في حاشيته، فيعرّف آل خليفة الكرام بأنهم الأسرة الحاكمة في مملكة البحرين، من قبيلة عنزة، وأن بعض أفرادها انضمّوا إلى حلف العتوب الذي هاجر من نجد إلى الكويت، ثم حكموا الزبارة التي بنوها، قبل أن يفتحوا البحرين سنة 1783 بقيادة الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة. ويذكر أيضًا الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1848–1932) الذي حكم البحرين من 1869 حتى وفاته، فدام حكمه ثلاثًا وستين سنة.

المنامة والمحرّق وتجارة الصدف

يقدّر المؤلف سكان جزر البحرين بنحو مئة ألف نسمة، وللمنامة نحو خمسة وعشرين ألفًا، وللمحرّق نحو عشرين ألفًا، وينبّه المحقق إلى أن هذه أرقامٌ تقديرية من المؤلف.

ثم يروي حكاية تجارية طريفة: شركةٌ من هامبورغ ظهرت في الخليج العربي سنة 1898، «فاشتغلت أوّلًا بشراء أصداف اللؤلؤ (عرق اللؤلؤ) في لنجة على الساحل الفارسي، وهي سلعةٌ كانت مهملةً هناك تمامًا»، ثم نقلت مركز أعمالها إلى البحرين سنة 1901، وصارت لها وكالات في المحمّرة والبصرة وبندر عباس. ويقول المؤلف إنها أفلحت في نقل السوق الرئيسة لأصداف اللؤلؤ من لندن إلى هامبورغ. والحكاية تكشف أن الخليج لم يكن يصدّر اللؤلؤ وحده، بل الصدف الذي يحمله أيضًا.

الإسلام في البحرين

يقول شتولمان: «ودخل الإسلام مبكّرًا جدًّا». ويقول إن أكثر سكان البحرين في زمن النبي ﷺ كانوا «من بني عبد القيس بن أفصى، الذين جاؤوا من تهامة وطردوا إيادًا». ويعرّف المحقق عبد القيس بأنها «قبيلةٌ عربيةٌ قديمةٌ من ربيعة، من شرق جزيرة العرب، ينتمي إليها أكثر البحارنة».

ويروي المؤلف أن رسولًا أُرسل إلى البحرين يدعو المنذر بن ساوى إلى الإسلام، ويسميه «علي بن عبد الله الحضرمي». وهنا يصحّح المحقق: «والصواب العلاء بن الحضرمي»، الصحابي الذي كان عامل النبي ﷺ على صدقات البحرين، ثم واليها لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ويضيف أن المنذر بن ساوى التميمي «كان زعيمًا عربيًّا من بني تميم»، لا فارسيًا كما في الأصل.

ويذكر المؤلف أن البحرين كانت نحو سنة 900 معقل القرامطة، «الذين بنوا سنة 922 مدينة الأحساء (الهفوف)». ويعرّف المحقق القرامطة بأنهم حركة «أقامت في الأحساء بشرق جزيرة العرب دولةً سنة 899م».

آل خليفة

يقول شتولمان إن الفرس عادوا إلى البحرين بعد رحيل البرتغاليين سنة 1622، «وآخر ذلك من 1735 إلى 1783». ثم احتلّ العتوب من الزبارة البحرين سنة 1783، «ومن قبيلة العتوب لا تزال أسرة شيخها هناك إلى اليوم».

ويفصّل المحقق في حاشيته: آل خليفة الكرام هم «الأسرة الحاكمة في مملكة البحرين، على المذهب المالكي، من قبيلة عنزة»، وقد حكموا الزبارة التي بنوها، «قبل أن يفتحوا البحرين سنة 1783 بقيادة الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة».

ويذكر المؤلف أن الشيخ سلمان بن أحمد انضمّ سنة 1820 إلى المعاهدة العامة. ويوضح المحقق أن الشيخ سلمان «ابن الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة؛ وبعد وفاة أبيه سنة 1796 انتقل هو وأخوه عبد الله إلى البحرين واشتركا في حكمها».

وفي سنة 1869 تولى الحكم الشيخ عيسى بن علي. ويقول المحقق عنه: «حاكم البحرين من 1869 حتّى وفاته، دام حكمه ثلاثًا وستّين سنة، وتذكر المصادر أنه تولّى «بإرادة أهل البحرين ورغبتهم»».

السكان

يقدّر شتولمان سكان جزر البحرين «نحو مئة ألف نسمة»، ويقول: «وللقاعدة المنامة نحو خمسةٍ وعشرين ألف نسمة، وللمحرّق نحو عشرين ألفًا». ويعلّق المحقق بأن هذه «أرقامٌ تقديريةٌ من المؤلف»، وأن «أهل البحرين من سنّةٍ وشيعةٍ عرب في أكثرهم».

أرقام تجارة اللؤلؤ

يورد المؤلف في حاشية جدولًا لتجارة اللؤلؤ في البحرين بالروبية. فالتصدير بلغ سنة 1909–1910 نحو 10,990,000 روبية، وسنة 1911–1912 نحو 29,920,000، ثم هبط سنة 1913–1914 إلى 1,451,293. ويقول: «والفرق بين التصدير والاستيراد هو على أيّ حالٍ قيمة اللؤلؤ المستخرج في منطقة البحرين نفسها». ويذكر المحقق أن هذا الجدول جاء «في النسخة المصوَّرة مضطرب الترتيب، فرتّبناه على أرجح قراءة».

ويقول المؤلف عن موسم الغوص: «فنحو تسعمئة قاربٍ تنصرف من هناك من يونيو إلى أكتوبر إلى الغوص على اللؤلؤ في الخليج العربي».

الأحساء: الاسم والواحة

ينتقل شتولمان إلى البرّ المقابل، فيذكر أن قاعدة الأحساء الهفوف، «وتُسمّى أيضًا الأحساء واللحسا وهجر». ويشرح الاسم: «واسم الأحساء جمع «حِسْي»، ومعناه «سهلٌ واسعٌ ذو أرضٍ رملية، يجري تحتها ماء المطر، فيظهر عند الحفر»».

ويقول إن الهفوف «واحةٌ قد يبلغ سكّانها بحسب بورشارت نحو ثلاثين ألفًا». ويرى أن وجود الواحة «في أرضٍ عديمة الماء في غير ذلك يدلّ على أنّ الموضع كان مأهولًا دائمًا». ويربط ذلك بجرّهاء: «ولعلّ الأبحاث المقبلة تُظهر أنّ جرّهاء القديمة كانت في الناحية نفسها، لا على الساحل مباشرة».

ويذكر أن الهفوف «على مسيرة خمس عشرة إلى ثماني عشرة ساعةً من مركز الجمارك على الساحل «العقير»». ويختم بملاحظة لغوية: «ويُسمّى الشريط الساحلي كلّه «الخطّ». وقد كانت الرماح «الخطّية» من القصب الهندي مشهورةً في جزيرة العرب القديمة».

الأحساء في التقويم العثماني

ويذكر شتولمان أن الأتراك يسمّون هذه النواحي في تقويم الدولة الرسمي «سنجق نجد»، «ونواحيه المبرّز والجفر والعيون والعقير، وقضاءا القطيف وقطر». ويلاحظ أن الإدارة التركية «لم تبلغ قطّ نجدًا في داخل جزيرة العرب». ويذكر أن الأحساء كانت ولاية تركية مرة من قبل، «زمن محمد علي (1838–1840)»، ثم احتلّ مدحت باشا، والي بغداد، القطيف سنة 1871. ويقول إن تركيا أعلنت يومئذٍ لإنجلترا «أنها لا تدّعي سيادةً على البحرين ومسقط والشيوخ المتصالحين، ولن تقوم بعملياتٍ بحرية».

خاتمة

يكتب شتولمان بعين رجلٍ مشغولٍ بصراعات زمانه، ولذلك يحرص المحقق على أن يفصل بين ما ينقله المؤلف وما ثبت اليوم، فيصحّح الأسماء والمواضع والتواريخ. وما يبقى للقارئ صورةٌ لجزرٍ صغيرة المساحة، عظيمة الأثر: تلالٌ تحفظ ذاكرة دلمون، ومغاصاتٌ ذكرها بلينيوس، وأسواقٌ وصلت بين الخليج العربي وأسواق العالم.

المصدر

  • الكتاب: «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» (Der Kampf um Arabien zwischen der Türkei und England، 1916)، تأليف: فرانتس شتولمان (Franz Stuhlmann)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل الحادي عشر «جزر البحرين والولاية التركية الأحساء»، ص 240–251 (الإسلام والقرامطة ص 241–242؛ آل خليفة ص 242–244؛ أرقام اللؤلؤ ص 241؛ الأحساء ص 250–251؛ التلال وجرّهاء واللؤلؤ ص 240–241؛ أوال وآل خليفة ص 242؛ السكان وتجارة الصدف ص 245–246).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة