كتب ليونار روزنتال كتابه «في مملكة اللؤلؤ» بعين تاجر عاش من هذه التجارة. ويقول المحقق في مقدمته إن قيمة الكتاب «في ما ينقله صاحبه من خبرة السوق في مطلع القرن العشرين: كيف كان اللؤلؤ يُشترى في مواطنه، وكيف يُوزن ويُسعَّر ويُقشَّر ويُنظم، وكيف كانت تتوزّع تجارته بين بومباي وباريس ولندن ونيويورك».
تناول مقالٌ سابق في هذه السلسلة مغاصات اللؤلؤ نفسها. أما هذا المقال فيتبع اللؤلؤة بعد خروجها من البحر: إلى أي سوق تُحمل، وبأي ميزان تُوزن، وكيف يُحسب ثمنها، ومن هم التجار الذين يتداولونها.
التاجر وصلته بالخليج
يعرّف المحقق بالمؤلف: ترك ليونار أهله في الرابعة عشرة قاصدًا باريس، «فاشتغل فيها بتجارة اللؤلؤ الطبيعي». ويضيف: «وفي مطلع القرن العشرين أخذ مع إخوته الأصغر منه يشترون اللؤلؤ من فنزويلا ثم من البحرين».

وينقل المحقق عن ليونار بويي، أمين معرض «باريس مدينة اللؤلؤ»، تفصيلًا عن صلة الأسرة بالخليج: «وكان أخوه فيكتور، وهو يُحسن العربية، هو الذي قصد البحرين سنة 1906، وتجاوز سلسلة الوسطاء المعتادة، ثم أقام بعد ذلك في بومباي».
ويذكر المحقق في منهجه أنه ترجم عبارة «Golfe Persique» حيث وردت «بـ«الخليج العربي»، جريًا على الاستعمال العربي».
أكبر مغاصات العالم
يضع روزنتال مغاصات الخليج العربي في المقدمة دون منازع. يقول: «ولعلّ القارئ سيدهش إذا علم أن أهمّ مغاصات الدنيا، مغاصات الخليج العربي، تُخرج وحدها ما متوسطه أربعون إلى خمسين مليونًا من اللآلئ، على حين لا تُخرج المغاصات الأخرى مجتمعةً إلا عشرين مليونًا في الأكثر». ويصحح المحقق قراءة هذه الأرقام: «المراد، فيما يدلّ عليه السياق، قيمة المحصول بالفرنكات، لا عدد اللآلئ».
ويكرر المؤلف الفكرة في فصل لاحق: «فمغاصات الخليج العربي تُنتج في العام ما متوسطه 40 إلى 60 مليونًا من اللآلئ، والمغاصات الأخرى مجتمعةً من 15 إلى 20 مليونًا».
نصيب الغواص
قبل أن نصل إلى السوق، يتوقف روزنتال عند من يُخرج اللؤلؤ من البحر: «ولننظر، مثلًا، في حال غوّاصي الخليج العربي: فهم أربعون إلى خمسين ألفًا، بأسرهم، يعيشون من مغاصات اللؤلؤ وحدها». ثم يحسب نصيبهم: صاحب السفينة يتقاضى نحو أربعين في المئة من حصيلة البيع، فيبقى للغواصين وأسرهم ما يقارب «خمسمئة فرنكٍ للفرد في الجملة»، ويضيف أن الغواص «يدفع أحيانًا ثمن الأرز والقهوة والسكّر أغلى مما يدفعه الأوروبي».
سوق بومباي
يقول روزنتال: «أهمّ أسواق اللؤلؤ سوقُ بومباي». ويشرح المحقق أن بومباي هي «الاسم الرسمي لمدينة مومباي إلى سنة 1995، وهي اليوم عاصمة ولاية مهاراشترا في الهند».
ويصف المؤلف السوق: «وهي، ككل أسواق الشرق، مجموعةٌ من الحوانيت الصغيرة الواطئة يعجّ فيها جمعٌ من التجار والسماسرة». ويصف طريقة الفحص: «وتُعقد الصفقات فيها والقوم جلوسٌ على الأرض، وتُفحص البضائع على ظاهر الكفّ. والمشتري الحاذق يدرس كل لؤلؤةٍ على حدة».
ويحدد من يأتي إلى هذه السوق: «وإلى بومباي يأتي العرب من الخليج العربي، ومن مصوّع، ومن سيلان، ومن جزر الهند الهولندية، ومن سائر المغاصات المجاورة في المحيط الهندي، ليبيعوا لآلئهم». وفي المقابل يأتي الهندوس، «وهم عارفون مشهورون، أبًا عن جدّ، ليشتروا صفقاتٍ كبيرة».
لغة الأصابع تحت المنديل
من أطرف ما يرويه روزنتال طريقة التفاوض الصامتة: «فإذا حان وقت العروض غطّى البائع والمشتري أيديهما بمنديل، وتعارفا أثمانهما بالضغط على هذه السُّلامى أو تلك من الأصابع». ويرى أن «لغة الأصابع واليد مستعملةٌ في الهند وفي الشرق كله منذ أبعد العصور».
ويستشهد بالرحالة الفرنسي تافرنييه، الذي يعرّفه المحقق بأنه «تاجر جواهر ورحّالةٌ فرنسي، قام على نفقته بستّ رحلاتٍ إلى فارس والهند بين سنتي 1630 و1668». وينقل عنه تفاصيل هذه اللغة: «إذا أخذ البائع يد المشتري كلها فمعناه ألف، وكلّما ضغطها كان ذلك آلافًا من الباغودات أو من الروبيات، بحسب العملة التي يدور عليها الكلام». ثم: «وإذا لم يأخذ إلا الأصابع الخمس فمعناه خمسمئة، وإن لم يأخذ إلا إصبعًا واحدةً فمعناه مئة». ويشرح المحقق الباغودا بأنها «عملةٌ من الذهب أو نصف الذهب، ضربتها دولٌ هنديةٌ في جنوب الهند».
ومع ذلك فالسر لا يدوم: «وهذه المفاوضة الخفيّة لا تمنع السوق كلها من أن تعلم بالصفقة المعقودة بعد دقائق قليلة».
الغربال والثقّاب
يتابع روزنتال الصفقة بعد شرائها: «وهذه الصفقات المسمّاة «الأصلية» تُعرض في مناديل من القطن الأحمر، وتحوي لآلئ من كل الأحجام، الجيّد منها والرديء، كما خرجت من المغاصات». ثم يُفرز اللؤلؤ بالغرابيل: يبدأ المشتري «بتمريرها في الغربال رقم 6، فيمرّ منه أصغرها، وهو مخصّصٌ للصيدلة»، ثم في غربال آخر، فتُصنَّف بحسب الجودة واللون.
ثم تأتي مرحلة الثقب، ويُعهد بها «إلى فرقةٍ من الثقّابين، تتألف أحيانًا من خمسين إلى ستين عاملًا». ويصف عملهم: «ويجلس هؤلاء على الأرض في حجرةٍ صغيرةٍ مغلقة، على الرغم من الحرارة التي تبلغ في الغالب خمسًا وأربعين درجةً في تلك البلاد. وهم على مهارةٍ قلّ نظيرها، يثقبون اللآلئ من جانبٍ إلى جانبٍ بسرعةٍ خارقة، لا يخطئون أبدًا».
نقابة بومباي وتجفيف اللؤلؤ
يذكر روزنتال كيانًا كان يتحكم في السوق كلها: «منذ عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة تقريبًا كانت لا تزال في بومباي مخزوناتٌ كبيرةٌ من اللؤلؤ تحوزها نقابة. وكانت هذه النقابة، المؤلفة في معظمها من أغنياء التجار العرب والهنود، هي المنظّم الحقيقي لسوق اللؤلؤ العالمية». ويضيف أنها كانت تشتري وحدها جزءًا كبيرًا من محصول مغاصات الخليج العربي، ولا ترسل إلى أوروبا إلا ما يكفي «لئلّا تُثقَل الأسواق».

ويشرح سبب شراء النقابة بآجال طويلة: «وظلّت هذه النقابة زمنًا طويلًا تشتري لآلئ الخليج العربي إلى أجلٍ قدره سنتان أو ثلاث». ولم يكن للتأجيل من غرض «إلا إتاحة تجفيف اللآلئ التي كانت تزداد بياضًا مع الزمن».
أزمة 1907: الشراء من الغواصين مباشرة
ويروي روزنتال كيف تغير ميزان هذه التجارة في زمنه: «ومنذ عشر سنين كانت تجارة اللؤلؤ الكبرى كلها في أيدي الإنجليز، وهو أمرٌ طبيعيٌّ إلى حدٍّ ما، إذ كانت أهمّ المغاصات في مستعمراتهم». ثم جاءت الأزمة المالية سنة 1907، فطالب الإنجليز الهندوس بردّ الأموال المسلَّفة، واضطر هؤلاء إلى البيع في وقت عصيب.
وبعد الأزمة سعت بيوت فرنسية «إلى الشراء من الغوّاصين مباشرةً دون المرور بوساطة بومباي». ويقول: «وعندئذٍ رأينا، لأوّل مرّة، تاجرًا فرنسيًّا يشتري وحده من اللؤلؤ ما قيمته عشرون مليونًا في الخليج العربي، وعشرون مليونًا أخرى في بومباي». ويتفق هذا مع ما نقله المحقق عن رحلة فيكتور روزنتال إلى البحرين سنة 1906 وتجاوزه سلسلة الوسطاء.
موازين اللؤلؤ: من البَصري إلى حبّة القمح
ينتقل روزنتال إلى الأوزان: «وحدة الوزن المستعملة في اللؤلؤ هي القيراط، وهو يساوي أربع حبّات». ويذكر المحقق أن أصل الكلمة الأوروبية «من الإيطالية carato، وهي من العربية «قيراط»، المأخوذة بدورها من اليونانية kerátion، أي «بذرة الخرّوب»».
ولكل سوق ميزانها. ففي بومباي «الوزن المسمّى «رَتّي» (Rati) أو «بونا» (Poonah)»، ويشرح المحقق أن الرتّي «وحدة وزنٍ هنديةٌ تقليدية، أساسها الوزن الاسمي لبذرة نبات «الغُنجا»». أما في الخليج: «وفي الخليج العربي يُستعمل «البَصري» (Basri)، وهو أثقل من «البونا» بخمسة عشر في المئة».
ويذكر روزنتال طريقة أبسط: «وكثيرًا ما تُوزن اللآلئ المفردة بحبّات القمح المسمّاة «حبّة» (Habba)، أو بحبّات الأرز؛ فالحبّة من القمح توافق قيراطًا، وحبّة الأرز توافق حبّة (grain)».
الثمن: مربّع الوزن
يقول روزنتال إن التاجر حين يفحص صفقة يسأل البائع دائمًا: «كم تساوي هذه الصفقة بمرّةٍ واحدةٍ من وزنها؟». ويشرح القاعدة: «فثمن اللؤلؤة يتناسب مع مربّع وزنها (مقدّرًا بالحبّات)؛ فاللؤلؤة التي تزن عشر حبّاتٍ مثلًا تساوي بمرّةٍ واحدةٍ من وزنها: 10 × 10 = 100 فرنك». ويشرح المحقق هذا الاصطلاح ويذكر أنه أعاد رسم جدول المثال «من صورة الصفحة 58 من طبعة 1920، لأن النص الإلكتروني قد شوّههما».
ويضيف أن قيمة اللؤلؤ لا ترتفع مع الحجم بلا حد: «فإلى حبّتين تكون قيمتها ضعيفةً إلى حدٍّ ما، وتكاد هذه القيمة تتضاعف فيما بين حبّتين وأربع حبّات. وأعلاها قيمةً اللآلئ التي تزن من خمس عشرة حبّةً إلى خمسٍ وثلاثين (لا سيما إذا كانت مستديرة)».
ويقارن بين الماضي وزمنه: «وليس نادرًا اليوم أن تُقدَّر اللآلئ الجميلة كل الجمال بثلاثمئة ضعف وزنها، وقد كانت تُقدَّر منذ عشرين سنةً بخمسة أضعاف الوزن». ويضيف أن «اللآلئ الأزرار، مع تساوي الجودة، تُقدَّر بنحو ثلث قيمة المستديرة».
تاجر اللؤلؤ: عمرٌ من التعلم
يختم روزنتال حديثه عن التجارة بوصف المهنة نفسها: «تجارة اللؤلؤ الطبيعي من تلك التجارات التي تقتضي دراستها عمرًا كاملًا». ويرى أن النجاح فيها لا يأتي إلا بعد خبرة طويلة، ويضيف: «وتجارة اللؤلؤ لا صلة لها بالتجارات المنتظمة أو الصناعية؛ فالتاجر لا يستطيع أن ينيب عنه أحدًا، بل هو الذي ينبغي أن يشتري ويبيع. فما من صفقتين من اللؤلؤ تتشابهان».
وتنقسم التجارة اختصاصات: «فبعض التجار لا يتعاطون إلا العقود الجيّدة، وبعضهم لا يُعنى إلا بالعقود العاديّة، والمختصّون بالأزرار، أو بأزواج الأزرار، لا يعملون شيئًا غير ذلك». ويعرّف العقد المثالي: «فالعقد الكامل هو الذي يكون لونه واحدًا من أوّله إلى آخره، وتدرّجه منتظمًا». ويلاحظ رواج العقود في زمنه: «فما من زواجٍ إلا ويحلّ فيه عقد اللؤلؤ محلّ الشال الهندي التقليدي الذي كان أجدادنا يقدّمونه هديةً في العرس».
خاتمة
يرسم كتاب روزنتال رحلة اللؤلؤة من مغاصات الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من الغواصين على محصولها، إلى سوق بومباي، حيث تُفاوَض عليها الأصابع تحت المناديل، وتُفرز بالغرابيل، وتُثقب في حجرات حارة، وتُخزَّن سنوات لتبيضّ، ثم تُوزن بالبصري أو بحبّة القمح، ويُحسب ثمنها بمربّع وزنها. وقد أضاف المحقق إلى هذا الوصف تعريفات للمدن والعملات والأوزان، وصحّح قراءة الأرقام، وأعاد رسم الجداول من الطبعة الأصلية.
المصدر
- الكتاب: «في مملكة اللؤلؤ» (Au royaume de la perle)، تأليف: ليونار روزنتال (Léonard Rosenthal)، بلوحات إدمون دولاك؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: مقدمة التحقيق ص 3–6؛ الفصل السادس «معالجة اللؤلؤ» (نقابة بومباي) ص 59–60؛ الفصل السابع «الوزن والثمن» ص 63–67؛ الفصل الثامن «أسواق اللؤلؤ» ص 69–75 (وأزمة 1907 ص 72)؛ الفصل التاسع «مستقبل اللؤلؤ» ص 79؛ الفصل العاشر «التجارة والتجار» ص 83–86؛ والفصل الحادي عشر.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- الصورتان لوحتان رمزيتان من طبعة 1920 تصوّران أساطير اللؤلؤ الهندية، ولا تصوّران الخليج العربي.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 3–90؛ بعض المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 80 وص 90، وعدة فقرات تمتد على صفحتين (ص 63–64، 70–72، 75، 86).


