في الأول من أبريل 1831 كان الرحّالة الإنجليزي ج. هـ. ستوكيلر على ظهر «بغلة»، وهي مركبٌ شراعي كبير، يتأهب للإقلاع من بوشهر نحو رأس الخليج العربي. كانت وجهة المركب الأخيرة «القرينَ أو الكويت، في أقصى الساحل الغربي من الخليج»، أما هو فكان يريد البصرة، فاشترط على أصحاب المركب أن يبعثوا به إليها بعد ذلك. ومن هذا الشرط الصغير وُلدت صفحاتٌ من أقدم ما كُتب بالإنجليزية في وصف الكويت، ضمّها كتابه «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس».
وصولٌ تحيّيه المدافع
استغرقت الرحلة ثلاثة أيام لأن الريح كانت معاكسة. ويصف ستوكيلر بروحٍ مرحة كيف أُعلن وصولهم من المركب بطلقاتٍ من مدفعٍ قديم منصوبٍ على عربةٍ خشبية؛ فأطاحت الطلقة الأولى بإحدى العجلات، وذهبت الثانية بعجلتين، وشقّت الثالثة العربة شطرين، ثم تُرك المدفع على ظهر المركب. ويعلّق بأن ذلك كان «لهوًا طريفًا عند البحّارة، وهم بلا ريبٍ لا يعوزهم الإقدام والجرأة».

ثم هبّت في الرابع من أبريل ريحٌ عاصفة طوال النهار، «وبدت البلدة كأنها ملتفّةٌ تمامًا في غبار الصحراء المحيطة بها». فلما أعقبها السكون بعث خادمه إلى البر، فعاد بحليبٍ وزبد.
في دار صاحب المركب
نزل ستوكيلر إلى البر بعد الإفطار، فاقتيد إلى دار صاحب المركب، ومرّ بفناءين أو ثلاثة حتى بلغ حجرةً معقودة السقف، فيها صاحب المركب وأخواه جالسين يدخّنون. وبعد التحيات المعتادة طلب أن يمضي إلى البصرة في الغد، فوُعد بأن تُهيّأ له «بقّارة» في الحال، وتناول القهوة والحليب والخبز.
صورة البلدة
يرسم المؤلف للكويت صورةً دقيقة: «والكويت، أو القرين كما تُسمّى في الخرائط، يبلغ طولها نحو ميل، وعرضها نحو ربع ميل». ويوضح المحقق أن ذلك يعني نحو 1.6 كيلومتر طولًا ونحو 400 متر عرضًا. وبيوتها، كما يقول، مبنية بالطين والحجر، يُكسى بعضها بطبقةٍ خشنة من النورة، ولعل سكانها نحو أربعة آلاف نسمة. وهي في الغالب مربعة الشكل في وسطها فناء تطلّ عليه النوافذ، شأنها شأن جميع البيوت في الخليج، وسقوفها مسطحة مصنوعة من جذوع النخل.
ويلفت نظره أن «شوارع الكويت أوسع من شوارع مسقط وبوشهر، يجري في وسطها مسيلٌ للماء». ويحيط بالبلدة من جهة الصحراء سور له ثلاثة أبواب، يحمي كل بابٍ منها مدفعان. وهنا يضيف المحقق حاشيةً ثمينة: فقد عرفت مدينة الكويت في تاريخها ثلاثة أسوار، واستدلّ المؤرخ الكويتي خالد طعمة بوصف ستوكيلر لهذا السور وأبوابه الثلاثة على أن السور ذا الأبواب الثلاثة كان قائمًا سنة 1831. وهكذا تتحول ملاحظة رحّالةٍ عابر إلى شاهدٍ يستند إليه مؤرخو البلد.
حاكمٌ بلا جند
يقول ستوكيلر: «ويحكم الكويتَ شيخٌ لا يحتفظ بقوّةٍ مسلّحة، ويتقاضى رسمًا قدره اثنان في المئة على جميع الواردات». ويعرّف المحقق هذا الحاكم بأنه الشيخ جابر الأول بن عبد الله بن صباح، ثالث حكّام الكويت من آل الصباح، حكم من سنة 1814 إلى سنة 1859، وعُرف بـ«جابر العيش»، وينبّه إلى أن وصف المؤلف قائمٌ على ما رآه في زيارةٍ قصيرة.
ويروي المؤلف أن العرب، كما أُخبر، لم يملكوا الموضع إلا منذ نحو مئة وخمسين سنة، فيصحح المحقق ذلك بأن المعروف أن العتوب استقروا فيها في أوائل القرن الثامن عشر أو منتصفه، وأن اختيار الشيخ صباح الأول بن جابر حاكمًا لها يؤرَّخ في الغالب بسنة 1752.
زائرٌ يتفرّج عليه الناس
من أجمل لحظات النص أن الرحّالة يجد نفسه موضع فضولٍ لا يقل عن فضوله. يقول: «وأغرب ما استوقفني في الكويت التماثلُ التامّ في الزيّ بين جميع الطبقات والأعمار». ثم يغادر البر في الثالثة بعد الظهر، فيتبعه المئات إلى الشاطئ يحدّقون في ثيابه الأوروبية بأشد الدهشة، ويعزو ذلك إلى أنه كان يكاد يكون الأوروبي الوحيد الذي زار المكان منذ سنواتٍ كثيرة. ويعترف بلطف بأنه أتاح للناس بمنظره الغريب «من التسلية مثل ما نلتُه أنا من زيارتي».
مراكب الخليج: البغلة والبقّارة والبتيل
تكشف الأيام التالية عن عالم المراكب الخليجية؛ فالبقّارة، كما يصفها، «مركبٌ أصغر من البغلة»، لكن خلافًا على حمل البضاعة إلى جانب المسافرين جعلها تنصرف دونه. وفي فجر السابع من أبريل جاء «بتيل» استُؤجر له، فوضعوا فيه أمتعتهم وهيّأوا مؤخّرته لتكون شبه حجرة، وأقلعوا نحو الرابعة بعد الظهر. ويصف إيقاع الإبحار في تلك المياه: يسيرون بالمدّ، ويرسون حين ينقلب، ويبدأ النهار «بعد صلاة الصبح والغليون والقهوة المعتادين».
صباحٌ في شطّ العرب
ثم تأتي اللحظة التي يكتبها بفرحٍ ظاهر: استيقظ عند انبلاج الفجر في التاسع من أبريل فوجد أنهم ودّعوا البحر وصاروا «في نهرٍ تصطفّ على ضفّتيه بساتين النخيل والحشائش العالية». ويقول إن منظر الضفاف ونضارة الهواء وسكون الماء عوّضته «خير عوضٍ عن كلّ ما لقيته من مخاطر وحرمانٍ ومشقّةٍ في الإبحار في الخليج على بغلة». وفي العاشر من أبريل بلغ المحمّرة، ثم بلغ البصرة في العاشرة ليلًا.
روايةٌ عن ماضي الكويت ومراجعة المحقق
يذكر ستوكيلر ما أُخبر به عن تاريخ البلدة: «وقد أُخبرتُ أنّ العرب لم يملكوا هذا الموضع إلا منذ نحو مئةٍ وخمسين سنة». ويرى أن الموضع «بلا ريبٍ مرفأٌ رحبٌ للسفن الصغيرة»، وأن البرتغاليين لعلّهم احتلّوه «لما يمنحه من سيطرةٍ على مصبّ شطّ العرب».
ويراجع المحقق هذه الرواية: فما رُوي للمؤلف من أن الإنجليز ملكوا الكويت قبل العرب «لا أصل له، وقد ردّه هو نفسه». ويضيف أن العتوب استقرّوا فيها في أوائل القرن الثامن عشر أو منتصفه، «وأنّ اختيار الشيخ صباح الأول بن جابر حاكمًا لها يؤرَّخ في الغالب بسنة 1752».
أسوار الكويت
ويقول المؤلف إن البلدة يحيط بها من جهة الصحراء سور. ويعلّق المحقق بحاشية مفصّلة: «عرفت مدينة الكويت في تاريخها ثلاثة أسوار». ويذكر أن الثالث «بُني سنة 1920 في عهد الشيخ سالم المبارك الصباح، وهُدم سنة 1957». ويضيف أن المؤرخ الكويتي خالد طعمة استدلّ بوصف ستوكيلر هذا على أن السور ذا الأبواب الثلاثة كان قائمًا سنة 1831.

ويلاحظ المؤلف أن الكويت داخل السور مجدبة، وأن ماءها «بعيدٌ عن العذوبة»، ويتساءل كيف اختير مثل هذا الموضع «لإقامة أربعمئة أسرة». وينبّه المحقق إلى أن المؤلف قدّر السكان قبل ذلك بنحو أربعة آلاف نسمة، «وهو هنا يذكر أربعمئة أسرة، وكذا في الأصل».
مخيّمٌ خارج الأسوار
ويصف ستوكيلر جماعة نازلة خارج الأسوار «بخيامها السود وإبلها وحميرها البيض»، ويذكر أن كثيرًا من رجالها «يضفرون شعورهم ضفائرَ صغيرةً تتدلّى حول الوجه». ويرجّح المحقق أن المقصود «بدوٌ من أهل نجد نزلوا قرب الكويت».
المحمّرة
بعد دخول شطّ العرب بلغ المركب المحمّرة. يقول ستوكيلر: «وهي البلدة الرئيسة والمرفأ الرئيس في بلاد بني كعب. وجانبها الغربي يواجه شطّ العرب، وجانبها الشمالي يُشرف على مصبّ نهر كارون». ويصف المنظر بعدها: «بساتين النخيل، والحشائش الخصبة، والقصب الأخضر على الضفّتين، والقوارب من كلّ حجمٍ وصنفٍ تغطّي سطح النهر».
حديقةٌ في البصرة
وفي البصرة قضى ستوكيلر ساعات كثيرة في حديقة المقيمية البريطانية، ويقول إنها «خصبةٌ خصبًا عجيبًا، تُخرج كثيرًا من محاصيل أوروبا، ومن محاصيل أنحاء آسيا كلّها». ويعدّد ما فيها: المشمش والخوخ والتفاح والكمثرى والبرقوق والسفرجل، والعنب والليمون والموز والتوت والتين والورد والآس.
ويذكر المؤلف في حاشية، نقلًا عن ماكدونالد كينير، «أنّ في البصرة ما لا يقلّ عن أربعين نوعًا من النخيل».
الجرّارون على الفرات
ثم خرج ستوكيلر من البصرة في قارب صاعدًا في النهر. ويصف الجرّارين الذين يسحبون القوارب حين تعاكس الريح: فهم يتجرّدون من ثيابهم ويضعونها على رؤوسهم، ثم يُمدّ «حبلٌ من رأس الصاري إلى حزامٍ حول وسط كلٍّ منهم». ويقول: «وعلى هذا النحو تجري المواصلات كلّها صعدًا في دجلة والفرات إذا هبّت الريح على اتّجاه مجرييهما».
ويمرّ بالقرنة ويدخل الفرات، ويصف الطريق: «وكان مسارنا طوال هذا اليوم بين بساتين النخيل الغنيّة المتنوّعة التي هي فخر العربي، وتكاد تكون قوتَه الوحيد». ويذكر في اليوم التالي سهولًا واسعة «مكسوّةٌ بالأرزّ والشعير والقمح»، وجزرًا عليها السلاحف والإوز البري والبجع.
سوق الشيوخ وقناة البُرج
ونحو الظهر بلغ القارب «سوق الشيوخ»، ويقول ستوكيلر إنه سمعه يُسمّى أيضًا «سوق السوق»، «أي سوق الشيخ أو سوق الأسواق». ويذكر أن النوتيّة اشتروا منه أرزًّا، ثم استأنفوا الرحلة. ويصف ما فوقه: «فأشجار الرمّان في تمام إزهارها، وأشجار المشمش، وبساتين النخيل، تؤلّف غابةً متّصلة».
وفي اليوم التالي كان القارب يُجرّ في «البُرْج»، «أوّل فرعٍ من قناةٍ ضيّقةٍ ملتويةٍ تصل الفرات بدجلة». ثم دخلوا نهر «الحيّ»، فبدت ضفافه «مكسوّةً إلى حافّة الماء بالشجيرات والطرفاء». ويلاحظ المؤلف أن حظائر الماشية على هذه الأنهار تشبه الحصون، «فكما يجمعون بين حرفة المحارب وحرفة الراعي المسالمة، تجمع حظائرهم بين ظاهر الحصن والغرض البسيط من حبس القطعان».
الطاعون والفيضان
غير أن الرحلة انقطعت. فقد لقي قارب المقيم البريطاني فارًّا من بغداد، ونصحه المقيم بألا يقترب «لأنّ «الطاعون على متنه»». فعاد ستوكيلر إلى البصرة، وشهد في طريق العودة فيضانًا مفاجئًا. يقول: «فالنهر، الذي لا يرتفع في العادة قبل شهر يونيو، ارتفع الآن بسرعةٍ لا تُصدّق، تسبقه عاصفةٌ هوجاء، فأغرق في ساعاتٍ قليلةٍ العراقَ كلّه». ويصف آثاره: «فجرف قرًى لا تُحصى من الأكواخ المكسوّة بالحُصُر، وصار الرجال والنساء والأطفال في لحظةٍ بلا مأوى».
خاتمة
صفحاتٌ قليلة من يوميات رحّالةٍ عابر، لكنها تحفظ صورة الكويت سنة 1831: بلدةٌ من الطين والحجر، بسورٍ له ثلاثة أبواب، وشوارع أوسع من شوارع جاراتها، ومراكب تصلها بالبصرة وبوشهر والهند. ويزيدها التحقيق قيمة حين يصحح ما سمعه المؤلف ولم يتثبّت منه، ويصلها بما كتبه مؤرخو الكويت أنفسهم.
المصدر
- الكتاب: «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»، تأليف: ج. هـ. ستوكيلر (J. H. Stocqueler)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الثاني «الكويت والبصرة والفرات»، ص 27–42 (الإبحار إلى الكويت ص 27؛ وصف البلدة والأسوار ص 28–29؛ تاريخ البلدة والحاكم والزيّ والمخيّم ص 30؛ شطّ العرب والمحمّرة ص 32؛ حديقة المقيمية ص 35؛ الجرّارون ص 37؛ القرنة والفرات وسوق الشيوخ ص 38–39؛ البرج والحيّ ص 40–41؛ الطاعون والفيضان ص 41–42).
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


