كتب القسّ الهولندي فرانسوا فالنتاين في الجزء الخامس من موسوعته «الهند الشرقية القديمة والجديدة» (1726) وصفًا لفارس ولمكاتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها. وفي الفصل الثالث من هذا الوصف يتنقّل المؤلف بين موضوعات كثيرة: أهل العلم والشعر في فارس، ومدينة شيراز، وأطلال برسبوليس، ثم مدينة لار، فالبصرة، فمرفأ كُنگ على الساحل الشرقي للخليج العربي، وأخيرًا مسقط. ويضمّ الفصل لوحة مطويّة لأطلال برسبوليس، ونماذج من الكتابة المسمارية نُقلت من الأطلال.
الشعراء: سعدي والفردوسي
يقول المؤلف: «ويوجد بين الفرس أيضًا محبّون لفنّ الشعر». ويذكر أن الشيخ سعدي اشتهر «بكتابه «گلستان» أي روضة الورد، وكتابه «بوستان» أي البستان، وهما كتابان تُرجما إلى الهولندية». ويعرّف المحقق سعدي بأنه «الشاعر الفارسي الصوفي، من أعظم شعراء الأدب الفارسي الكلاسيكي».

ويروي المؤلف أن الفردوسي نظم لأحد ملوك فارس ستّين ألف بيت، أملًا في أن ينال على كل بيت دوكاتًا كما وعده الملك. ويصحّح المحقق هنا التباسًا وقع فيه المؤلف. فهو يقول إن «البيت» في الفارسية والعربية «يعني الدار ويعني بيت الشعر معًا»، وإن الأشبه أن الرواية في وعد السلطان محمود الغزنوي له «بدينارٍ عن كلّ بيتٍ من أبيات الشاهنامه (وهي نحو ستّين ألف بيت)».
البستاني والمنجّم
ويقول المؤلف إن كثيرًا من الفرس كانوا مولعين بالتنجيم، فلا يبدؤون شيئًا حتى تُرصد «الساعة» السعيدة. ثم يروي حكاية عن أحد ملوك فارس تخلّص من هذه العادة «على يد بستانيٍّ».
فقد عزم الملك على إنشاء بستان جديد. فلمّا بلغ الموضع مع منجّمه قال له المنجّم إن الوقت هو الساعة الصحيحة لغرس الأشجار. فغرس الملك والمنجّم ما استطاعا من الأشجار «كيفما اتّفق»، لأن البستاني لم يكن حاضرًا. ثم جاء البستاني، ولم يكن يعلم من غرسها، فاقتلعها كلها ليعيد غرسها على وجه أحسن.
فغضب الملك واستدعاه. فأجاب البستاني بأنه اقتلعها «لأنها لم تُغرس كما ينبغي على قواعد علم الغرس». ثم قال إن المنجّم لو كان قد رصد ساعة سعيدة لتنبّأ بأن البستاني سيقتلع الأشجار. ويختم المؤلف: «فأدرك الملك قوّة حجّة البستانيّ إدراكًا تامًّا»، فطرد المنجّم من بلاطه، «ولم يستعمل بعده منجّمًا قطّ».
مكتب أصفهان
وقبل أن يصل المؤلف إلى شيراز يصف مكتب الشركة في أصفهان، ويقول إنه «غير بعيدةٍ عن قصر الملك». ويذكر أن رئيسه كبير تجّار، وأنه كان في سنة 1706 رئيسان معًا، هما فيلم باكر والبارون فان لاريكس.
ويقول إن تحت يد الرئيس موظّفين وتراجمة، «وكثيرٌ من سُعاة البريد (الذين كان عليهم في يوم امتحانهم أن يقطعوا مسيرة أربعٍ وعشرين ساعةً في اثنتي عشرة ساعة)».
ويرى المؤلف أن هذا الرئيس ينبغي أن يكون عالمًا باللغات، «ليستطيع أن يكلّمهم هو نفسه بلغتهم، وأن يرى كلّ شيءٍ بعينيه، دون أن يتّكل على التراجمة». ويعلّل ذلك بأن الشركة قد تلحقها أحيانًا «من جرّاء كلمةٍ أُسيء فهمها أو ترجمتها خسارةٌ كبيرةٌ جدًّا».
ويذكر أن للإنجليز والفرنسيين والبرتغاليين وغيرهم أيضًا وكلاء ورؤساء في أصفهان يتولّون أمورهم.
شيراز: الورد والسرو
يقول المؤلف إنه لم يكن للهولنديين في شيراز مكتب، «بل بيتٌ فحسب، يستريح فيه المسافرون ذهابًا وإيابًا من أصفهان إلى غمرون». ويذكر أن المرء يحتاج عادة إلى «اثني عشر يومًا للوصول من أصفهان إلى شيراز». ويحتاج من هناك إلى ثلاثة وعشرين يومًا أو أربعة وعشرين للوصول إلى غمرون.
ويقول: «ويكثر هنا الورد الجميل على غير المألوف، ولذلك يُجمع هنا أجود «گلاب»، أي ماء الورد، وأكثره». ويرى أن كلمة «جُلّاب» الأوروبية أصلها من ذلك. ويؤيّد المحقق هذا الرأي: «هذا الاشتقاق صحيح: فالكلمة الأوروبية «julep» جاءت من العربية «جُلّاب»، وهي من الفارسية «گلاب» (ماء الورد)».
ويذكر المؤلف أن شيراز «موطن الشاعر الشهير الشيخ سعدي، وفيها دُفن أيضًا». ويقول إن محيطها نحو ميلين ونصف، وفيها «مماشٍ جميلة، وكثيرٌ من أشجار الدُّلب والسرو الجميلة».
چهل منار: أطلال برسبوليس
ويقول المؤلف إن أهمّ ما جعل شيراز مشهورة منذ القدم «أطلال قصر دارا الشهير في برسبوليس». ويعرّف المحقق برسبوليس بأنها «العاصمة الاحتفالية للدولة الأخمينية (نحو 550–330 ق.م)، في سهل مرودشت شمال شرق شيراز».
ويتردّد المؤلف في نسبة البناء إلى قورش أو إلى دارا. ويحسم المحقق المسألة: «المعروف اليوم أنّ دارا الأوّل (522–486 ق.م) هو الذي بدأ بناء برسبوليس نحو سنة 518 ق.م، وأتمّ ابنه خشايارشا كثيرًا من أبنيتها».
ويقول المؤلف إن الأطلال تُسمّى «چهل منار»، أي الأبراج الأربعون، نسبة إلى أعمدتها الضخمة. وينقل عن الرسّام والرحّالة كورنيليس دي بروين أنه وجد أدلّة على أنه «كان فيه 205 أعمدة». ويقول إنه في زمن دون غارسيا دي سيلفا كان قد بقي منها عشرون، «ولم يبقَ الآن من هذه الأعمدة المدهشة، التي تبدو من بعيدٍ كأنها أبراج، إلّا تسعة عشر».
ويعرّف المحقق دون غارسيا بأنه سفير ملك إسبانيا إلى الشاه عبّاس، «وهو أوّل رحّالةٍ غربيٍّ عرّف أطلال تخت جمشيد تعريفًا صحيحًا بأنها برسبوليس».
ويروي المؤلف أن دي بروين عرض عليه رسومه في بتافيا، «فقضينا في ذلك نحو ثلاث ساعات». ويقول إن الحجر يبدو أكثره «مائلًا إلى الزرقة الفاتحة»، وإن صنّاعه أضفوا عليه «لمعانًا لا يقلّ عن لمعان المرآة».
كتابة لا يقرؤها أحد
ويقول المؤلف عن النقوش: «والحروف لا تشبه حروف أيٍّ من لغات المشرق ولا كتاباته، وهي كتابةٌ مجهولةٌ عند جميع العلماء، وعند جميع شعوب المشرق أيضًا». ويوضّح المحقق: «هذه هي الكتابة المسمارية، وقد بقيت مجهولةً على العلماء حتى فُكّت رموز الفارسية القديمة منها في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر».
ويذكر المؤلف أن الهولندي هربرت دي ياغر، العالم بلغات المشرق، زار الأطلال سنة 1693، «ودوّن عنها ملاحظاتٍ دقيقةً جدًّا». ويأسف لأنه لا يعلم أين صارت هذه الملاحظات. ثم ينقل وصف دي ياغر نفسه، ومعه رسم من رسومه.
وصف دي ياغر
يقول دي ياغر إن أساس البناء زاوية بارزة من جبل، «يبلغ محيطها 1507 خطوات، كلّ خطوةٍ ثلاثة أقدام». ويصف الحجارة بأنها كبيرة، منها حجر في الصف الأعلى «طوله ثلاث عشرة خطوة، وعرضه أكثر من خمسة عشر قدمًا».

ويقول إن المدخل من جهة الغرب، وإن المرء يصعد درجًا ذا منعطف «ارتفاعه 55 درجة». ويضيف: «وقد صعدته ونزلته راكبًا». ويصف قاعة كبيرة كانت قائمة على ستّين عمودًا ارتفاعها 72 قدمًا، «ولا يزال قائمًا منها ستّة عشر، تتّخذ اللقالق رؤوسها أعشاشًا».
لار: البازار والصهاريج
ثم ينتقل المؤلف إلى لار. ويقول إنها كانت عاصمة المملكة التي تحمل هذا الاسم، «والتي فتحها الشاه عبّاس الكبير سنة 1599 من أميرٍ مستقلّ». ويذكر أن فيها بازارًا من الحجر، «وطوله 216 خطوة، مسقوفٌ من أعلاه».
ويقول: «ويقدّرون أنّ فيها نحو أربعة آلاف بيت، كثيرٌ منها مزوّدٌ بأبراج الريح، ويقدّرون سكّانها بعشرين ألف نفس». ويقول إنها بلا أسوار، «لكنّ الجبال الضخمة تحيط بها من كلّ جانب، فتقوم مقام الأسوار». ويذكر أن ماءها في الغالب ماء آبار مالح، وفيها صهاريج مسقوفة كثيرة لجمع ماء المطر.
ويصف ما حولها: «عددًا كبيرًا من النخيل والبرتقال والليمون وغيرها من الأشجار». ويقول إن فيها تُنسج أقمشة حريرية جميلة، «وتُصنع فيها أيضًا أجود مواسير البنادق».
من شيراز إلى لار
ويصف المؤلف الطريق: «ولكي يأتي المرء إلى هنا من شيراز يمرّ بقرية «فخرآباد» ومدينة جهرم». ثم يجد قرب الطريق قرية «آسيا رافي»، التي دُفن خارجها أحد المديرين الهولنديين، يوانس كايتس. ويعرّف المحقق جهرم بأنها «مدينةٌ في جنوب إقليم فارس، جنوب شرق شيراز».
ويقول المؤلف إنه لم يكن للهولنديين في لار مكتب، «بل بيتٌ يستريح فيه المرء عادةً». ويذكر أن لهم هناك أيضًا «بناءٌ خاصٌّ بنا وبستان».
البصرة
ويذكر المؤلف أن الهولنديين كان لهم في الماضي مكتب ثابت في البصرة. ويقول إنها تقع على الفرات «حيث يصبّ في الخليج العربي». ويصحّح المحقق ذلك بأن البصرة تقع «على شطّ العرب، الذي يتكوّن من التقاء دجلة والفرات عند القرنة».
ويقول المؤلف إن طول المدينة من أحد جانبي النهر إلى الآخر «16400 خطوة، ولها عشرة حصونٍ مستديرة، وخمسةٌ وأربعون برجًا». ويذكر فيها قصرًا للباشا، وسوقًا مسقوفة، «فضلًا عن أنّ فيها أيضًا كثيرًا من الحمّامات والمقاهي». ويذكر حصنًا كبيرًا يُسمّى «المنارة».
ويقول المؤلف إن الهولنديين كان لهم في البصرة، بعد أن استولى عليها العثمانيون آخر مرّة، محطّة ورئيس سنين كثيرة، «وأنّ موظّفينا فيها ماتوا سنة 1689 إلّا رجلًا واحدًا». ويقول إنه لا يعلم هل بقي لهم هناك مكتب في زمنه، «وإن كنت أميل إلى الاعتقاد بأنه ليس لنا هناك مكتبٌ الآن».
ويضيف المحقق أن العثمانيين أخذوا البصرة في منتصف القرن السادس عشر، ثم باعها واليها سنة 1596 لأفراسياب، «فحكمتها أسرته شبه مستقلّةٍ إلى سنة 1668».
الطريق البحري إلى كُنگ
ويعدّد المؤلف ما يلقاه المسافر بحرًا من غمرون إلى البصرة: مدينة كُنگ، وأبو شهر، وجزر خارك، وبندر ريك وغيرها. ويصحّح المحقق قول المؤلف إن أبا شهر قلعة تركية، فيقول: «مرفأٌ على الساحل الفارسي، قاعدة محافظة بوشهر اليوم؛ ولم تكن قلعةً تركية». ويذكر عن خارك أن الهولنديين أقاموا فيها سنة 1753 «مركزًا تجاريًّا محصّنًا».
ويقول المؤلف إن إلى كُنگ «ملاحةٌ كبيرةٌ من فارس وسورات ومليبار وكوروماندل وغيرها». ويذكر أن القوافل تأتيها من القسطنطينية وإزمير وحلب، «فتكون التجارة فيها لذلك كبيرةً جدًّا».
الخيل العربية ومسقط
ويقول المؤلف: «وكانت الخيل العربية الجميلة توجد هنا». ويروي أن شاه جهان اشترى حصانًا عربيًّا بعشرة آلاف ريال، «لكنه نفق في الطريق»، وأن باشا دمشق دفع 2400 ريال في مُهر.
ويختم المؤلف الجولة بمسقط، «وهي مدينةٌ ذات شأنٍ في جزيرة العرب». ويذكر أن روبرت پادبروخه أُرسل إليها سنة 1672 سفيرًا ليعقد مع أميرها حلفًا أوثق. ويكمل المحقق الخبر: فقد لقي پادبروخه الإمام في 28 يونيو، «فإذا الإمام يطلب عون الشركة على البرتغاليين أكثر ممّا يطلب التجارة». فعاد دون أن يعقد شيئًا، «وترك في مسقط مساعد تاجرٍ يُطلع الشركة على الأخبار».
خاتمة
يجمع هذا الفصل من كتاب فالنتاين مشاهد متنوّعة على الطريق بين أصفهان والخليج العربي: ماء الورد في شيراز، وأعمدة برسبوليس التي تعشّش عليها اللقالق، وكتابة مسمارية لم يكن يقرؤها أحد يومئذ، وبيوت لار ذات أبراج الريح، ثم البصرة وكُنگ ومسقط. وتصحّح حواشي المحقق ما أخطأ فيه المؤلف، وتضيف ما عرفه البحث الحديث.
المصدر
- الكتاب: «وصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها» (Beschryvinge van Persien، من «الهند الشرقية القديمة والجديدة»، الجزء الخامس، 1726)، تأليف: فرانسوا فالنتاين (François Valentijn)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الثالث «علماء الفرس، ومكتب أصفهان، وشيراز وأطلال برسبوليس، ولار والبصرة»، ص 54–78 (الشعراء والبستاني ص 54–56؛ مكتب أصفهان ص 57–58؛ شيراز ص 58؛ برسبوليس ص 59–60؛ وصف دي ياغر ص 62–64؛ لار ص 73–75؛ البصرة ص 76؛ كُنگ والطريق البحري والخيل ص 77؛ مسقط ص 77–78).
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


