حصانٌ من الأحساء ودليلٌ اسمه حاجي ذيب: الأب غودينيو يقرّر عبور البادية من البصرة سنة 1663

وصل الأب اليسوعي مانويل غودينيو إلى البصرة في ربيع سنة 1663، وهو في طريقه من الهند إلى البرتغال.

عن كتاب «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)» · الأب مانويل غودينيو اليسوعي · تحقيق: أحمد علي المرر

الأب مانويل غودينيو اليسوعي٩ دقائق

وصل الأب اليسوعي مانويل غودينيو إلى البصرة في ربيع سنة 1663، وهو في طريقه من الهند إلى البرتغال. وكان أمامه طريقان إلى بغداد: النهر، أو البادية. فاختار البادية، وكتب في ذلك فصلين: الفصل السابع عشر يروي كيف اتّخذ قراره، والفصل الثامن عشر يصف فيه بادية العرب وسكّانها ولباسهم وخيلهم وطرق السفر فيها.

في البصرة

يقول المؤلف: «كان اليوم التاسع والعشرون من مارس حين نزلت في البصرة». ونزل عند الأب براز دي سانتا باربرا الكرملي، وكان يحمل إليه رسائل من كُنگ. ويذكر أن الأب الكرملي لم يعرف في البداية أنه راهب، لأن الزيّ الذي كان يلبسه زيّ تركي. ويوضّح المحقق أن المؤلف كان «قد تزيّا بزيّ الترك في سفره».

خريطة قديمة لبلاد العرب بأقسامها الثلاثة، ومنها البادية التي عبرها المؤلف
«Arabiae Felicis, Petraeae et Desertae nova et accurata delineatio»: خريطة بلاد العرب بأقسامها الثلاثة، السعيدة والصخرية والصحراوية (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، ص 101طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: يان يانسونيوس، أمستردام 1658، المكتبة الرقمية العالمية (World Digital Library)

وأخبره الأب الكرملي بـ«دانكة»، وهي مركب من مراكب الفرات، ستقلع في الغد إلى بابل. ويوضّح المحقق أن المؤلف يريد بغداد. وكان في المركب برتغالي من إيفورا جال في داخل الهند ثم ركب إلى بغداد، «وليس معه كيسٌ غير كيس الثقة بالله». ويعرّف المحقق إيفورا بأنها «مدينةٌ في جنوب البرتغال، هي القاعدة التاريخية لإقليم ألنتيجو». وقد اتّخذ المؤلف هذا البرتغالي بعد ذلك خادمًا ورفيقًا في رحلته. فاتّفق المؤلف مع صاحب المركب، ثم وجد أن المركب ليس فيه بعدُ قوم ولا حمولة، وأن الإقلاع سيتأخّر. ففسخ الاتّفاق واستعاد ماله، «وكان خمسين عبّاسيًّا».

ويعرّف المحقق هذه العملة: «العبّاسي: اسمٌ لعملاتٍ من الذهب والفضّة في إيران، أوّل من ضربها الشاه عبّاس الأول، وبقي التعامل بها إلى أوائل القرن العشرين».

فيلٌ وخمسة أفراس من الأحساء

ويروي المؤلف أنه كان يستطيع أن يذهب برًّا بلا خطر لو انتظر شهرًا. ذلك أن الباشا كان سيبعث هدية إلى السلطان العثماني، «فيها فيلٌ جاء من الهند، وخمسة أفراسٍ من الأحساء». وكانت الهدية ستمضي في حراسة فرسان من الإنكشارية.

لكنه رفض هذه الفرصة أيضًا، لأن المسير كان سيكون «على قدر بطء الفيلة في الحركة». ويقول عن نفسه: «وكنت ضيّق الصبر على التأخير». ويعرّف المحقق السلطان يومئذ بأنه «محمد الرابع (حكم 1648–1687)».

التحذيرات

ثم سأل المؤلف بعض العرب هل يستطيع أن يمضي إلى بغداد عن طريق البادية. فقالوا له جميعًا «إنّها مغامرةٌ متهوّرة». وذكّروه بأن الأب سيبريانو الفرنسيسكاني مات عطشًا في اليوم الثاني من سفره قبل سنوات قليلة.

وفي تلك البادية من الخيل ما يشمّ الماء على عمق قامةٍ تحت الأرض، فيحفر بيديه، ويشير إلى فارسه ليكشف عنه
الأب مانويل غودينيو اليسوعي«الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»

وصوّروا له أيضًا صعوبة العثور على دليل أمين، وضعف صحّته يومئذ، وأن ذلك الطريق «يحتاج إلى أبدانٍ من حديد». وقالوا إنه لن يجد في الطريق من يداويه، ولا عمرانًا يأوي إليه.

ويقول المؤلف إنه بقي حائرًا: «وأخيرًا كنت أعزم على الذهاب، ثم أعود فأندم».

خبر كوچين

وحسم الأمرَ ساعٍ وصل من كمرون. فقد أرسله الهولنديون بالرسائل التي يخبرون فيها بلادهم بسقوط كوچين، وقد وقع في العاشر من يناير سنة 1663. ويعرّف المحقق كوچين بأنها «مرفأٌ كبير على ساحل مليبار في جنوب غرب الهند»، أخذه الهولنديون من البرتغاليين في تلك السنة.

وكان على الأب الكرملي أن يبعث هذه الرسائل إلى حلب، لأنه كان يتقاضى أجرًا من الشركة الهولندية ليرسل رسائلها برًّا إلى قنصلها في الشام. فرأى المؤلف أن يسرع، «لكي يصل إلى جلالته خبر سقوط كوچين في الوقت نفسه الذي يصل فيه إلى هولندا خبر كسبها».

حاجي ذيب

فاشترى المؤلف خيلًا له ولرفيقه البرتغالي ولترجمان. وبقي الدليل. ويقول: «فيسّر الله لي شيخًا اسمه «حاجي ذيب» (Agi Deb)». وقد أبى الشيخ أوّل الأمر، ثم قبل بعد توسّلات الأب الكرملي والأجر الحسن، واتّفق على أن يوصله إلى بغداد.

ولم يقبل الدليل أن يتّفق على حلب، «لأنّه قال إنّه لا يظنّ بي أنّي أستطيع أن أحتمل كلّ ذلك الطريق على تلك الحال». واتّفقا على أن يكون الرحيل يوم الإثنين التاسع من أبريل.

البادية

ويبدأ المؤلف الفصل الثامن عشر بتعريف البادية: «بادية العرب (Arabia Deserta) أحد الأقسام الثلاثة التي تنقسم إليها بلاد العرب». ويقول إنه يحدّها من الشرق «جبال بابل وجزءٌ من الخليج العربي»، وإن طولها نحو ثلاثمئة فرسخ.

ويقول إن الجزء الذي يمتدّ نحو الجنوب «كلّه مغطًّى برمالٍ واسعةٍ متعِبة». ولذلك لا بدّ لمن يسير فيها «أن يراقب مسير الشمس والنجوم لئلّا يضلّ».

ويصف الآبار: فهي قليلة، وماؤها فاسد لأنه يبقى طويلًا لا يحرّكه أحد، «وبين البئر والأخرى دائمًا مسيرة يومين». ويقول إن الدليل إن لم يكن حاذقًا يعرف كيف يهتدي إليها، «فليس إلّا الموت عطشًا».

الريح والرمل

ويقول المؤلف إن الرياح إذا هبّت من جهات كثيرة «رفعت الرمال إلى السحاب، ثم أسقطتها كالمطر فدفنت المسافرين». ويروي أنه رأى رجلًا قد تحنّط في هذه الرمال، وأن الأوروبيين كانوا يتداوون بما يسمّونه «موميا».

ويشرح المحقق الكلمة: «الموميا (mumia): كلمةٌ من العربية «موميا»، وهي في الأصل قارٌ صمغيٌّ كان يُستعمل في الطبّ القديم». ويقول إن الأوروبيين أطلقوها بعد ذلك على مسحوق الأجساد المحنّطة.

ويذكر المؤلف أن بعض الغدران تبقى فيها بعد الشتاء برك من الماء العذب مدّة من الزمن، لكن الحيوانات الكثيرة تستنفدها في أيام قليلة.

حيوانات البادية وطيورها

ويذكر المؤلف أن البادية «مخطّطةٌ مقطّعةٌ بآثار أقدامها» من كثرة الحيوانات التي تأتي لتشرب من الفرات. ويعدّ منها الأسود والفهود والخنازير البرّية والذئاب. ويصحّح المحقق ما سمّاه المؤلف نمورًا مخطّطة: «وليس في بادية العرب نمورٌ مخطّطة، والذي يعيش في جزيرة العرب هو النمر العربي».

خريطة قديمة لنواحي البصرة، يظهر فيها دير الكرمليين الذي نزل فيه المؤلف
«Delineatio Regionis Bassora cum Pagis»: خريطة نواحي البصرة وقراها وجزرها، تظهر فيها مدينة البصرة ودير الكرمليين الحفاة، وملتقى دجلة والفرات عند القرنة — من الفصل السادس عشر عن البصرة، وقد وردت أيضًا في مقالٍ سابق (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، ص 90طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: نقشٌ على النحاس، بين 1650 و1689، المتحف البريطاني (1898,0725.8.1475)

ويذكر من الطيور النعام، والعقبان والصقور، وطيورًا «يسمّيها الترك «القطا»». ويقول إنها تبيض على الأرض لعدم الأشجار، فتكون «طعامًا طيّبًا لمن يسير في تلك البادية». ويصحّح المحقق: القطا «عربية الاسم، لا تركية».

ويلاحظ المؤلف أن الطيور والحيوانات في البادية لا تفرّ كثيرًا من الناس، «بل تبقى واقفةً تنظر إليهم، كأنّهم شيءٌ جديد». ويقول إن رؤية الإوزّ والبطّ «أحسن علامةٍ على وجود غديرٍ فيه ماءٌ قريبًا». ويذكر عن النعام العربي أنه كان يعيش في جزيرة العرب والشام «إلى منتصف القرن العشرين، ثم انقرض».

التحية واللباس

ويصف المؤلف التحية عند أهل البادية: «وتحيّاتهم بالتقبيل على الوجه، والمصافحة باليمين». ويقول إن ما يقابل رفع القبّعة عندهم «هو عندهم وضع اليد اليمنى على القلب»، مع قولهم «السلام عليكم».

ويصف لباس الرجال: قمصانًا واسعة طويلة الأكمام، وفوقها أحيانًا «الكمبلي»، «وهي كالمعاطف الواسعة بلا أكمام، منسوجةٌ من وبر الجمال، تصلح جدًّا لدفع الماء». ويوضّح المحقق أن المؤلف يريد بها «العباءة أو «البشت» المنسوج من الوبر».

ويقول إن النساء يلبسن قمصانًا زرقاء، وعلى الرأس خمار. ويذكر أن حليّهن معلّقة «بخيطٍ ينزل من الرأس على الصدر الأيسر»، وأن الزوج يهديها لزوجته حين يتزوّجها.

الكرم والوفاء بالعهد

ويقول المؤلف: «وأمّا ما يبعث على الدهشة فكرم أولئك القوم». ويصف كيف يستقبلون في خيامهم الحجّاج والمسافرين: «يطعمونهم كلّ ما في بيوتهم، ويعلفون دوابّهم بأنفسهم، ولا يطلبون على شيءٍ من ذلك ريالًا واحدًا». ويضيف: «ولو شئت أن تبقى عندهم شهرًا لما أروك وجهًا عابسًا».

ويقول عنهم أيضًا: «والكلمة التي يعطونها مرّةً يحفظونها حفظًا لا يُنقض». ويعلّق المحقق: «فالكرم والشجاعة والوفاء من أبرز ما عُرف به البدو».

خيل البادية

ويخصّ المؤلف الخيل بوصف طويل. فيقول إنها «في العدو غزلان، وفي الوداعة حمائم، وفي الأكل قنوعةٌ جدًّا». ويذكر أنهم يعوّدونها منذ صغرها أن تأكل مرّة واحدة في اليوم، وأن تشرب كل يومين.

ويستشهد بفرسه هو، «وكان من ناحية الأحساء، حيث أحسن السلالات». ويقول إنه حمله ثلاثة وعشرين يومًا في البادية، «ويسير تسع عشرة ساعةً في اليوم والليلة». ويضيف: «ولم أمسّه بمهمازٍ قطّ، لأنّه لم يكن حاجةً إليه».

ويقول إن بعضها مدرّب على مقاتلة خيل الأعداء، «فما إن يبدأ القتال حتى تقوم بواجبها بالحوافر والأسنان». ويذكر أن هذه الخيل تعبر الأنهار سباحة وعليها فرسانها، وأنها «لا تنام تحت سقفٍ أبدًا». ويروي أن باشا حلب اشترى فرسًا «بألف پاتاكة»، وبعث به هدية إلى الصدر الأعظم. ويعرّف المحقق الپاتاكة بأنها الريال الإسباني الفضّي ذو الثمانية، «وكان من أوسع العملات تداولًا في التجارة العالمية في ذلك العصر».

ويروي المؤلف أيضًا: «وفي تلك البادية من الخيل ما يشمّ الماء على عمق قامةٍ تحت الأرض، فيحفر بيديه، ويشير إلى فارسه ليكشف عنه».

أمير البادية

ويذكر المؤلف رأسًا واحدًا يحكم أهل البادية، ولكل قبيلة شيخها. ويشرح المحقق أنه «أمير العرب» أو «أمير البادية»، «رأس آل أبي ريشة من قبيلة الموالي». ويقول إن العثمانيين اعترفوا بهم سنة 1574، «وكلّفوهم بحماية الطرق بين الشام والعراق».

ويصف المؤلف الأمير في زمنه، واسمه الشيخ إسماعيل، «وعمره نحو أربعين سنة». ويقول إن على رأسه عمامة لها ذيل من الحرير، وإن قميصه «من حريرٍ أبيض رقيق، فيه خطوطٌ من الحرير نفسه زرقاء وحمراء». ويذكر أنه يستطيع، إن احتاج، «أن يُخرج إلى الميدان عشرين ألف فارس». ويذكر أن خاتميه معلّقان بسلسلتين من الذهب، وعليهما اسمه الذي يختم به، «وهو «الشيخ إسماعيل» (Xech Esamel)».

ويقول المؤلف إن أمراء البادية انسحبوا منذ نحو سنة 1580 إلى داخل البادية، على مسيرة يومين من عانة، «لأنّهم يحلفون يوم تتويجهم أن يعيشوا دائمًا في البادية في خيام». ويعرّف المحقق عانة بأنها «بلدةٌ عراقيةٌ قديمة على الفرات».

على الجمال والهُجن

ويختم المؤلف الفصل بطرق السفر في البادية: الخيل، والجمال، والهُجن. ويقول إن الهُجن «تقطع ثلاثين فرسخًا في اليوم، والجمال تسعةً إلى عشرة لا أكثر». ويذكر أنه عُرض عليه هجين بمئتي پاتاكة في البصرة، لكنه لم يجرؤ على عبور البادية عليه. ويقول إن الهجين يأكل ما يجده من الشوك، «فإن لم يجده صام يومين وثلاثة، ولا يضعف لذلك»، وإن العرب يستعملونه في حمل الأخبار.

ويصف سفر القوافل على الجمال في صناديق «كصناديق المحفّات، يتّسع الواحد منها لفراشٍ بطوله». أما من يسافر على الخيل، كما فعل هو، فعليه أن يحمل الماء في «قِرَبًا مدبوغةً متينةً» تحت بطن الفرس.

خاتمة

يجمع الفصلان مشاهد من البصرة سنة 1663: مركب نهري لا يقلع، وهدية فيها فيل من الهند وأفراس من الأحساء، وخبر سقوط كوچين يصل إلى البصرة. ثم تبدأ رحلة البادية بدليل اسمه حاجي ذيب وفرس من الأحساء حمل صاحبه ثلاثة وعشرين يومًا دون مهماز. وتصحّح حواشي المحقق بعض أحكام المؤلف، وتضيف ما يعرفه البحث الحديث عن حيوان البادية وأمرائها.

المصدر

  • الكتاب: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، تأليف: الأب مانويل غودينيو اليسوعي (Manuel Godinho)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل السابع عشر (قرار عبور البادية)، ص 96–99؛ الفصل الثامن عشر (وصف بادية العرب وسكّانها)، ص 100–110 (الحدود والرمال والآبار ص 100–101؛ الحيوان والطير ص 101–102؛ التحية واللباس ص 103–104؛ الكرم ص 106؛ الخيل ص 107–108؛ أمير البادية ص 108–109؛ الهجن والجمال ص 110).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

مقالات ذات صلة

المخطوطات والرحالة

مسقط وبلاد العرب في رحلة الأب غودينيو سنة 1663: الخيل والقهوة والقلاع

في سنة 1663 عاد الأب اليسوعي البرتغالي مانويل غودينيو من الهند إلى البرتغال برًّا، فركب سفينة من سورت إلى الخليج العربي، ثم سار عبر العراق والبادية.

الأب مانويل غودينيو اليسوعي٩ دقائق

المخطوطات والرحالة

من أطلال برسبوليس إلى البصرة وكُنگ: محطّات الطريق في كتاب فالنتاين

كتب القسّ الهولندي فرانسوا فالنتاين في الجزء الخامس من موسوعته «الهند الشرقية القديمة والجديدة» (1726) وصفًا لفارس ولمكاتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها.

فرانسوا فالنتاين٩ دقائق