من هرمز إلى غمرون: حكاية مملكةٍ تجارية في مدخل الخليج العربي

في سنة 1726 أصدر الهولندي فرانسوا فالنتاين الجزء الخامس من موسوعته الكبيرة «الهند الشرقية القديمة والجديدة»، وخصّص كتابًا منه لوصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها.

عن كتاب «وصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها» · فرانسوا فالنتاين · تحقيق: أحمد علي المرر

فرانسوا فالنتاين٨ دقائق

في سنة 1726 أصدر الهولندي فرانسوا فالنتاين الجزء الخامس من موسوعته الكبيرة «الهند الشرقية القديمة والجديدة»، وخصّص كتابًا منه لوصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها. وفي الفصل الرابع منه يحكي قصةً تدور على جزيرةٍ صغيرة عند مدخل الخليج العربي: هرمز. إنها قصة مملكةٍ ازدهرت بالتجارة، ثم تعاقبت عليها القوى، حتى انتقلت حركة المكوس منها إلى البر المقابل في غمرون، وهي «بندر عبّاس» كما يبيّن المحقق في مقدمته؛ إذ أبقى تسمية المؤلف للمدن على حالها «كغمرون لبندر عبّاس».

جزيرةٌ ملحيةٌ قاحلة ومدينةٌ شهيرة

يبدأ فالنتاين بتحديد الموقع: هرمز «تقع في الخليج العربي على 90 درجةً و20 دقيقةً طولًا، و29 درجةً و30 دقيقةً عرضًا شماليًّا، على نحو ثلاثة أميالٍ من غمرون، في جزيرةٍ يبلغ محيطها نحو ستّة آلاف إلى سبعة آلاف خطوة». ويصفها بأن فيها جبلًا عاليًا، وأنها «في كلّ مكانٍ تقريبًا ملحيّةٌ قاحلة». ثم يضيف ملاحظة رجلٍ يكتب بعد أن تغيّر الزمان: «والمدينة ليست كبيرة، وهي الآن قليلة الشأن».

خريطة قديمة لفارس وما حولها، من بحر قزوين إلى الخليج العربي وبلاد العرب، من لوحات الكتاب الأصلي
خريطة فارس وما حولها، من بحر قزوين إلى الخليج العربي وبلاد العرب، وهي اللوحة 9 A التي يذكرها المؤلف (أُديرت لتناسب الصفحة)المصدر: «وصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها»، ص 237أصل الصورة: فالنتاين، «الهند الشرقية القديمة والجديدة»، الجزء الخامس (دوردرخت وأمستردام، 1726)، لوحةٌ مطويّة في الكتاب الخامس (ورقة الصورة 306)

لكن هذه الجزيرة القاحلة كانت، كما يسمّيها المؤلف، «مدينة هرمز التجارية الفارسية الشهيرة». ويعرّف المحقق مملكة هرمز بأنها «مملكةٌ يحكمها بيتٌ من أصلٍ عربيٍّ جنوبي، قامت في القرن الحادي عشر، وامتدّ سلطانها في أوجه إلى البحرين وسواحل عُمان».

موانئ المملكة على ساحل عُمان

حين يروي فالنتاين مسير الأسطول البرتغالي سنة 1507 نحو هرمز، يرسم لنا من غير قصدٍ خريطةً لموانئ المملكة على الساحل العُماني: قلهات، وقريات، ومسقط، وصحار. ويقف المحقق عند قلهات ليقول إنها «بلدةٌ قديمةٌ على ساحل عُمان شمال صور، كانت من أعظم موانئ مملكة هرمز، ويذكرها ماركو پولو». ويرى في الاسم الغامض «أونتاز» الذي ورد في الأصل أنه قد يكون خورفكّان، لأن المعروف أن الحملة سارت من صحار إلى خورفكّان ثم إلى هرمز.

ملكٌ صبيّ ووزيرٌ يدبّر الأمر

حين ظهرت السفن البرتغالية أمام هرمز سنة 1507 كان ملكها سيف الدين الثاني «لا يزال طفلًا»، تحت وصاية أمه وأحد كبار رجال البلاط الذي يسمّيه المؤلف عطارًا، ويعرّفه المحقق بأنه «خواجه عطار»، وزير هرمز في عهد سيف الدين. ويحفظ لنا فالنتاين جوابه المعتزّ حين طولب بالتسليم: «أنّ ملوك هرمز لم يعتادوا أداء الجزية، بل اعتادوا أن يطلبوها من غيرهم».

وكانت تلك نهاية مملكة هرمز هذه، المملكة الجليلة المزدهرة
فرانسوا فالنتاين«وصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها»

ويوجز المحقق مسار الأحداث في حاشيةٍ واضحة: حاصر ألبوكيرك هرمز سنة 1507 فأخضع ملكها للجزية، لكن محاولته الأولى لم تتم بانصراف قادته عنه، ثم عاد سنة 1515 فاستولى عليها وبنى قلعة «سيّدة الحَبَل»، وبقيت في يد البرتغاليين إلى 1622.

قرنٌ من الازدهار

يقول فالنتاين: «ومنذ ذلك الوقت ازدهرت تلك المدينة»، ويذكر أن البرتغاليين بنوا فيها قلعةً من أحسن قلاعهم في الهند، وعقدوا مع ملوك فارس معاهداتٍ عدة. ويسرد أسماء عددٍ من حكّام القلعة بين 1522 و1532. ويشير أيضًا إلى أنه كان لهم في جزيرة البحرين حصن، وكانت لهم السلطة على مغاص اللؤلؤ فيها، لكنهم طُردوا من هناك أيضًا.

سنة 1622: نهاية مملكة

ثم يروي المؤلف أحداث سنة 1622: استيلاء الفرس بمعونة الإنجليز على جزيرة قشم أولًا، ثم على هرمز. وقد ساق المؤلف تفاصيل الحصار والغنائم والمدافع، ويهمّنا منها ما يتصل بمصير التجارة: فالشاه عباس وعد الإنجليز «بنصف مكوس هرمز (التي نقلها بعد ذلك إلى البرّ في غمرون)»، وأمر بهدم المدينة في معظمها، وأبقى القلعة. ويختم فالنتاين هذا الجزء بعبارةٍ فيها شيء من الرثاء: «وكانت تلك نهاية مملكة هرمز هذه، المملكة الجليلة المزدهرة»، ثم يورد جدولًا بأسماء ملوكها.

ويعرّف المحقق قائد الفرس في أخذ هرمز، إمام قلي خان (1582–1632)، بأنه قائدٌ صفوي كرجيّ الأصل، كان والي فارس ولار والبحرين للشاه عباس الكبير والشاه صفي.

غمرون: مرسى الشركات

بعد سقوط هرمز صارت غمرون على البرّ المقابل محطّ التجارة. ويذكر فالنتاين أن الشاه عباس أذن للإنجليز وللهولنديين «بالتجارة في بلاده، وبأن يكون لنا في غمرون وفي أصفهان مكتبٌ ومحطّةٌ ورؤساء». ثم يروي بداية التجارة الهولندية هناك، ويرجع شرف إقامتها إلى بيتر فان دن بروك الذي عُيّن سنة 1620 مديرًا للتجارة على المكاتب في جزيرة العرب والهند وفارس.

وتتوالى بعد ذلك يومياتٌ تجارية دقيقة: ففي فبراير 1626 جاءت السفن الهولندية من فارس إلى سورات «بثلاثمئةٍ واثنتين وخمسين بالةً من الحرير»، وفي فبراير 1629 وصل فان دن بروك مع سفير الشاه موسى بيك إلى غمرون، فأظهر له الدوق وغيره من عظماء الفرس إكرامًا كثيرًا. ومن التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي يحفظها النص قوله عن سنة 1632: «وفي الثاني عشر من ديسمبر بدأ المطر يهطل هنا، ولم يكن قد هطل منذ ثلاث سنين».

شروط الصلح الأول سنة 1507

يذكر فالنتاين أن ألبوكيرك هاجم المدينة سنة 1507 «واستولى عليها سريعًا، وأحرق سفنها». ثم عقد عطار معه الصلح، على أن يؤدّي إليه «كلّ سنةٍ خمسة عشر ألف «سرافين» أو دوكات»، وأن يعيّن موضعًا لبناء حصن. ويشرح المحقق لفظ السرافين بأنه «نقدٌ فضّيٌّ ضربه البرتغاليون في الهند، أصل اسمه «الأشرفي» المملوكي».

لكن العمل في الحصن مضى ببطء، لأن عطارًا لاحظ أن ألبوكيرك ليس معه إلا أربعمئة رجل؛ فهاجمه ألبوكيرك مرة أخرى وغلبه، غير أن أكثر قادته تخلّوا عنه وذهبوا يشكونه إلى نائب الملك ألميدا. وفي أثناء ذلك سار إلى جزيرة قشم، ثم إلى سقطرى في يناير 1508. ويعرّف المحقق سقطرى بأنها «جزيرةٌ يمنيةٌ في المحيط الهندي بين خليج عدن وبحر العرب».

العودة سنة 1515

بعد رحيل ألبوكيرك مات عطار، وخلفه رجل يُدعى حامدًا. فعاد ألبوكيرك سنة 1515 «باثنتين وعشرين سفينةً كبيرة، متظاهرًا بأنه يريد عدن». ويصحّح المحقق ما في الأصل من خلط في التواريخ: «المعروف أنّ ألبوكيرك لم يتمكّن من هرمز تمكّنًا تامًّا وبناء قلعتها إلّا في حملته الثانية سنة 1515». ويذكر في حاشية أخرى أن القلعة هي «سيّدة الحَبَل»، وأنها بقيت في يد البرتغاليين إلى 1622.

ويسرد المؤلف أسماء عدد من حكّام القلعة البرتغاليين بعد ذلك، منهم «جواو رودريغيز دي نورونيا سنة 1522، وهنريكي دي مينيزيس سنة 1524».

قشم قبل هرمز

يقول فالنتاين إن الفرس استولوا أوّل سنة 1622، بمعونة الإنجليز، على جزيرة قشم، «وكان روي فريري البرتغالي يتولّى فيها القيادة حاكمًا للقلعة». ويعرّف المحقق روي فريري دي أندرادي بأنه «قائدٌ برتغاليٌّ بنى قلعةً في قشم»، وأنه أُسر سنة 1622، «ثم فرّ وظلّ يقاتل في الخليج إلى وفاته».

ويذكر المؤلف شروط الحلف بين الإنجليز والفرس: أن يتولّى الفرس أمر الحصار في البرّ، وأن يهاجم الإنجليز في البحر بسبع سفن، وأن يقتسموا الغنيمة. ويعرّف المحقق إمام قلي خان، قائد الفرس، بأنه «قائدٌ صفويٌّ كرجيّ الأصل». ويوجز المحقق مجرى الحصار: «تمرّدت حامية قلعة هرمز البرتغالية في 22 أبريل 1622 واستسلمت القلعة واحتُلّت في اليوم التالي».

مدافع القلعة وغنيمةٌ في البحر

يعدّد فالنتاين ما وُجد في المدينة والحصن من سلاح: «ثلاثة وأربعون مدفعًا من مدافع الحصار الكبيرة»، ومدافع أخرى بأسماء غريبة منها «الحيّات» و«الأراغن» و«البازيليسك». ويشرح المحقق أن البازيليسك «مدفعٌ برونزيٌّ ثقيلٌ جدًّا من مدافع أواخر العصور الوسطى، سُمّي باسم الحيّة الأسطورية».

ويروي المؤلف أن الربّان الإنجليزي وودكوك رحل بسفينتين محمّلتين بنصيب الإنجليز من الغنيمة، «وكان فيها من اللؤلؤ وغيره من الجواهر ما يساوي مليون ريال». لكنه «غرق بعد ذلك بسفينته «الحوت» ومعها هذه الغنيمة».

ويذكر أن الفرس قلّما اهتمّوا بأمر حلفائهم بعد النصر، «فلم يحصل هؤلاء من جميع نفقات حربهم على أكثر من عشرين ألف جنيهٍ إسترليني».

قائمة ملوك هرمز

يورد فالنتاين جدولًا بتسعة وعشرين ملكًا لهرمز، أوّلهم «الشاه محمد الأوّل، باني مدينة هرمز سنة 700 للميلاد»، وآخرهم سيد محمد شاه سنة 1622. وينبّه المحقق: «في قائمة ملوك هرمز التي يوردها المؤلف أخطاءٌ في الأسماء والتواريخ، وقد نقلها كما وجدها».

بدايات التجارة الهولندية

ويقول فالنتاين إن شرف إقامة التجارة الهولندية في فارس يرجع إلى بيتر فان دن بروك، الذي عُيّن «في السادس عشر من يونيو سنة 1620 مديرًا للتجارة على جميع المكاتب في جزيرة العرب والهند وفارس». وفي سنة 1622 أُرسل التاجر هويبرت فيسنيخ إلى فارس.

ويقول: «وفي فبراير سنة 1626 جاءت سفننا من فارس إلى سورات بثلاثمئةٍ واثنتين وخمسين بالةً من الحرير». ويقول عن فان دن بروك إنه رحل إلى بتافيا «بأسطولٍ تبلغ قيمته اثني عشر طنًّا من الذهب».

أسين: ظلّ النخيل قرب غمرون

ويصف فالنتاين في الفصل الأول موضعًا قريبًا من غمرون يلجأ إليه الناس من الحرّ: «وفي هذا الموضع، وإلى مسافة ميلٍ أو ميلين في داخل البلاد، يكون الجوّ أبرد كثيرًا وأطيب، والمنظر أكثر خضرةً ونضارة، لأنّ هناك ظلًّا جميلًا من النخيل». ويقول إن هذا الموضع لا يبعد عن غمرون «إلّا ثلاثة أميالٍ فارسية أو فراسخ»، وإنه «يُسمّى «أسين» أو «أتشين»».

أمّا تجارة غمرون فيقول عنها إنها، مع الحرّ الذي لا يُطاق، على قدر من الأهمية يجعل كثيرين يحتملون المقام فيها، «أملًا في أن يصيروا أغنياء في سنواتٍ قليلة». ثم يضيف: «غير أنّ أكثرهم يذهب فيها بحياته، ويبدو أنّ أطولهم عمرًا هو أحسنهم حظًّا».

خاتمة

يقرأ المرء هذا الفصل فيرى كيف كان مدخل الخليج العربي محورًا لتجارة العالم: مملكةٌ عربية الأصل على جزيرةٍ قاحلة، تمدّ سلطانها إلى البحرين وعُمان، ثم تتبدل أحوالها، فتنتقل التجارة إلى غمرون حيث ترسو سفن الشركات محمّلةً بالحرير. وتأتي حواشي التحقيق لتصحّح الأسماء وتضبط التواريخ، فتجعل رواية القرن الثامن عشر قريبةً من قارئ اليوم.

المصدر

  • الكتاب: «وصف فارس ومكتب الشركة الهولندية للهند الشرقية فيها» (Beschryvinge van Persien، من «الهند الشرقية القديمة والجديدة»، الجزء الخامس، 1726)، تأليف: فرانسوا فالنتاين (François Valentijn)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل الرابع «البرتغاليون في هرمز، وملوك هرمز، وبدايات تجارتنا في فارس»، ص 80–91 (موقع هرمز وموانئ عُمان ص 81؛ الملك الصبيّ ووزيره وشروط الصلح ص 82؛ العودة سنة 1515 ص 83؛ الازدهار وحكّام القلعة وقشم ص 84؛ سنة 1622 والمدافع وغنيمة وودكوك وقائمة الملوك ص 84–87؛ حصن البحرين ونفقات الإنجليز ص 88؛ التجارة الهولندية في غمرون ص 89–91)؛ والفصل الأول «فارس ومكتبنا فيها، وغمرون وأصفهان»، ص 17–18 (أسين وتجارة غمرون).
  • الخريطة من الفصل العاشر، ص 237.
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

مقالات ذات صلة