يخصّص ليونار روزنتال الفصل الثاني عشر من كتابه «في مملكة اللؤلؤ» للآلئ المشهورة، والفصل الثالث عشر لطرائق لبس اللؤلؤ عند الأمم. وفي الفصلين أخبار تتصل بالخليج العربي وعُمان، منها لؤلؤة كانت في حوزة إمام مسقط سنة 1670، ولؤلؤة اشتراها شاه فارس من تاجر عربي، وسجّادة من اللؤلؤ صارت اليوم في متحف قطر الوطني.
هل المشهورة هي الأجمل؟
يبدأ المؤلف الفصل بسؤال: هل أجمل اللآلئ هي التي اشتهرت بأصحابها؟ ويجيب: «لا، بلا ريب؛ فالأرجح أن كثيرًا من اللآلئ المجهولة يفوق في الجمال تلك التي أسالت أكثر المداد».

ويستشهد بملكة تُدعى بوماريه كانت في زمانها «تلعب بالكُريات بلآلئ في حجم حبّات الكرز». ويعرّفها المحقق بأنها «ملكة تاهيتي من سنة 1827 إلى سنة 1877».
ويقول إن الوثائق الدقيقة عن الأحجار «حديثة المصدر نسبيًّا»، وإن الأساطير والروايات ظلّت زمنًا طويلًا وحدها تحدّث عن الجواهر الشهيرة. ويضيف أن كبر الحجم نفسه قد يكون سببًا للنقص، «فاللآلئ الكبيرة الكاملة الماء والشكل والصفاء قليلة العدد».
قرطا كليوباترا
يقول المؤلف: «وأولى لآلئ التاريخ بلا ريبٍ هما اللؤلؤتان الكمّثريّتان اللتان كانتا قُرطين لكليوباترا». ويروي الخبر المشهور أنها أذابت إحداهما في الخلّ في مأدبة لمارك أنطونيو. لكنه يشكّ في التفاصيل: «إذ لو أُريد إذابة لؤلؤةٍ بهذا الكبر لاحتاج ذلك إلى أيامٍ عدّة، إلا أن تكون قد سُحقت أولًا أو نُقعت في حمضٍ شديد».
ويذكر أن الثانية حُملت إلى روما، «فأمر أوغسطس بنشرها شطرين ليجعل منهما قرطين لتمثال فينوس».
البيريغرينا
ثم يذكر «البيريغرينا» التي اشتراها فيليب الثاني ملك إسبانيا سنة 1579. ويقول: «وكانت تزن أربعةً وثلاثين قيراطًا، في حجم بيضة الحمامة، على هيئة الكمّثرى». ويضيف المحقق تاريخها اللاحق: «من أشهر لآلئ العالم، تعاقب على ملكها ملوك إسبانيا، وامتدّ تاريخها قرابة خمسمئة سنة، وكانت في العصر الحديث للممثّلة إليزابيث تايلور». ويذكر أنها وُجدت في جزر اللؤلؤ قرب بنما.
وينقل المؤلف عن الدوق دي سان سيمون أنه رآها ولمسها في البلاط، وأنها «من أجمل ماءٍ رُئي قط».
من رودولف الثاني إلى ماري ستيوارت
ينقل المؤلف عن أنسلم بوئيس دي بوت أنه رأى لآلئ تحيط بتاج الإمبراطور رودولف الثاني. وقال إن كبراها كانت «في حجم الكمّثرى المسكية، تبدو كاملةً تامّة، تزن ثلاثين قيراطًا». ويقال إنها اشتُريت بألف إيكو من الذهب، «وهذا الثمن يبدو لي زهيدًا جدًّا».
ويذكر المؤلف، نقلًا عن بابست، أن كاترين دي ميديشي كانت تملك أجمل لآلئ الدنيا حين تزوّجت سنة 1533. وكان في حليّها لؤلؤتان كبيرتان كمّثريتان، «تزنان من 92 إلى 96 حبّة، أهداهما إليها فرنسوا الأول». ثم وهبتهما لماري ستيوارت ملكة اسكتلندا.
ويروي أن كثيرًا من لآلئ ماري ستيوارت بيع وضاع حين حلّت بها النكبات. وكلّفت كاترين سفير فرنسا أن يشتري لها ما كانت قد وهبته، «ولكن إليزابيث ملكة إنجلترا هي التي اقتنت جواهر عدوّتها».
لؤلؤة في الثروة كلها
يروي المؤلف أن تاجرًا يدعى جورجيبوس الكاليسي جاء من الهند بلؤلؤة تزن مئة وستة وعشرين قيراطًا، فباعها إلى فيليب الرابع ملك إسبانيا بثمانين ألف دوكة. ويُروى أن الملك سأله: «كيف جرؤتَ على أن تضع ثروتك كلها في شيءٍ صغيرٍ كهذا؟» فأجاب التاجر: «مولاي، لقد ظننتُ أن في الدنيا ملكًا لإسبانيا يشتريها مني». فكافأه الملك بمنصب مستشار في مجلس الهند.
ويذكر المؤلف أيضًا أن السير توماس غريشام، في عهد الملكة إليزابيث، سحق لؤلؤة قيمتها خمسة عشر ألف جنيه وشربها في كأس، في يوم استقبل فيه سفير إسبانيا، «ليُريه أيّ ترفٍ يقدر عليه الإنجليز». ويذكر أيضًا أن البابا ليون العاشر كان يملك لؤلؤة «قيمتها ثلاثمئة وخمسون ألف فرنك، اشتراها من تاجرٍ بندقي».
لؤلؤة الشاه صفي
يقول المؤلف إن الرحّالة والصائغ الفرنسي تافرنييه كان في القرن السابع عشر «من أوائل الخبراء الذين تبدو تقديراتهم سديدة». وقد فُتحت له أبواب قصور الأمراء في فارس والهند.
ومن اللآلئ التي يذكرها تافرنييه لؤلؤة الشاه صفي. ويصفها المؤلف بأنها «كمّثرية الشكل، أكبر لؤلؤةٍ وأكملها اكتُشفت قط، اشتُريت سنة 1633 من تاجرٍ عربي». ويقول إنها كلّفت الشاه اثنين وثلاثين ألف تومان. ويعرّف المحقق الشاه صفي بأنه «سادس شاهات الدولة الصفوية في إيران، حكم من 1629 إلى 1642».
لؤلؤة إمام مسقط
ثم يذكر المؤلف لؤلؤة أخرى، «أصغر منها بكثير، وأجمل منها، أُعجب بها سنة 1670 في هرمز، وكانت في حوزة إمام مسقط». وينقل عن تافرنييه أنها لم تكن تزن إلا اثني عشر قيراطًا وجزءًا من ستة عشر، لكنها «كانت من الاستدارة والصفاء والبريق بحيث تبدو شفّافة، وتفوق في الجمال كل لآلئ الدنيا».
ويروي المشهد: «وفي آخر حفلٍ كبيرٍ أقامه له خان هرمز، أخرجها سلطان مسقط من كيسٍ صغيرٍ معلّقٍ في عنقه وأراها الحاضرين».
ويعرّف المحقق حكّام عُمان يومئذ: «كان الأئمة اليعاربة (آل يعرب) يحكمون عُمان يومئذٍ (1624–1742) بلقب الإمامة، وهم الذين أجلوا البرتغاليين من معاقلهم الساحلية في مسقط ووحّدوا البلاد». ويعرّف هرمز بأنها «جزيرةٌ عند مدخل الخليج العربي كانت قاعدة مملكة هرمز».
عرش الطاووس
ويصف تافرنييه كذلك جواهر المغول الأعظم في الهند. ويقول المؤلف إن عرش الطاووس في دلهي كانت أجمل لآلئه «لؤلؤةً كمّثريةً صفراوية اللون تزن نحو خمسين قيراطًا». وكانت أعمدته الاثنا عشر محاطة بعناقيد من اللآلئ المستديرة. ويعرّف المحقق العرش بأنه «العرش الإمبراطوري لأباطرة المغول في الهند»، أمر بصنعه الإمبراطور شاه جهان.
سجّادة بارودا
ومن كنوز الهند في زمن المؤلف كنوز «الغايكوار» صاحب بارودا. ويذكر منها «بساطٌ-شالٌ مصنوعٌ من اللؤلؤ المنظوم»، طوله عشرة أقدام ونصف وعرضه ستة أقدام. ويقول إنه كان، كما يروى، «معدًّا ليغطّي قبر النبي ﷺ».

ويكمل المحقق قصّتها إلى اليوم: «و«بساط اللؤلؤ» المذكور هو المعروف اليوم بـ«سجّادة بارودا اللؤلؤية»، وقد أمر بصنعه المهراجا خاندي راو غايكوار سنة 1865». ويضيف: «وهي اليوم في متحف قطر الوطني، الذي يعدّها من أبرز مقتنياته».
لآلئ أوروبا
ويذكر المؤلف من لآلئ عصره لؤلؤة مجموعة «هوب»، «وهي أكبر لؤلؤةٍ في العالم، باروكيةٌ على هيئة القطرة، تزن 1800 حبّة». ويصحّح المحقق الاسم الذي جاء مشوّهًا في الأصل المصوّر، ويقول إن وزنها 1800 حبّة أي «90 غرامًا».
ويذكر لؤلؤة «الريجنت» التي جاء بها نابليون الأول من برلين، وتزن 337 حبّة، وقد زيّنت تاجًا لبسته الإمبراطورة ماري لويز. ويقول إن تاج فرنسا كان يملك، بحسب جرد سنة 1791، من اللؤلؤ ما قيمته مليون.
«ملكة اللآلئ»
ويروي المؤلف أن مجموعة لآلئ تاج فرنسا لم تصبح ذات شأن حقيقي إلا في عهد لويس الرابع عشر. وفي سرقة ماس التاج سنة 1792 يُذكر خبر لؤلؤة محفوظة في علبة من ذهب كُتبت عليها عبارة «ملكة اللآلئ». ويقول إنها اشتُريت سنة 1669 بأربعين ألف ليرة، «وهي مقيّدةٌ في جرد سنة 1791 بمئتي ألف فرنك».
ويرجّح المؤلف أنها هي اللؤلؤة المستديرة التي صارت فيما بعد للأخوين زوزيما في موسكو، وسُمّيت «البيليغرينا». ثم قضى قانون 10 ديسمبر 1886 ببيع جزء كبير من جواهر التاج بالمزاد. فجرى البيع في 12 مايو 1887 في «جناح فلورا»، وكانت «الريجنت» من أجمل ما عُرض فيه. ويذكر المؤلف أن مجموع ما بيع من اللآلئ بلغ 1261800 فرنك.
على السيوف وفي العمائم
ينتقل المؤلف في الفصل الثالث عشر إلى طرائق لبس اللؤلؤ. ويذكر عادة لافتة عند المحاربين الهنود: كانوا يحفرون في نصال السيوف مجرى، «ويُدخلون فيه من جهة المقبض لآلئ تمثّل مقدّمًا الدموع التي سيذرفها العدوّ».
ويقول إن الراجات كانوا يلبسون اللؤلؤ سلوكًا طويلة، «ويطرّزون به مناطقهم، ويلفّونه ضفائر غليظةً حول عمائمهم». ويذكر المسبحة ذات الأربع ومئة لؤلؤة التي حدّث عنها ماركو بولو. وينقل عن تافرنييه أنه لاحظ سنة 1670 أن أهل الوجاهة في الهند الغربية «يضعون في آذانهم لؤلؤةً تحيط بها حجرتان ملوّنتان».
ويصف المؤلف عادة من عادات العرس عند الهندوس: فالفتيات يلبسن يوم العرس عقدًا من اللؤلؤ الطبيعي ينزعه عنهن أزواجهن في المساء. ويقول إن النساء الهندوسيات يضعن كثيرًا لؤلؤة كبيرة في أعلى الأذن، ثم لآلئ تنحدر من الصدغين. ويذكر أن الحليّ المشتركة بين المسلمات هناك كانت العقود والأساور والخواتم والأقراط.
وفي فارس يقول المؤلف إن النقوش القديمة والمنمنمات تُري اللؤلؤ «صفوفًا على تيجان الملوك، وشراريب على العمائم، وعقودًا وأقراطًا». وفي الصين كانت تسريحة الإمبراطورة مرصّعة باللؤلؤ، وكان الصينيون يستعملونه أزرارًا «فيثقبونه بثقبين صغيرين».
من البندقية إلى باريس
يروي المؤلف أن هنري الثالث، حين مرّ بالبندقية، بهره مشهد مئتي امرأة من النبيلات في قاعة المجلس الكبير، «وكانت زينة الرأس والعنق والصدر من اللؤلؤ». ويذكر أن الفلّاحات في فلورنسا كنّ يدّخرن من أجورهن ألف فرنك أو ألفًا وخمسمئة ليقتنين عقد اللؤلؤ.
وفي فرنسا يصف دخول إيزابو البافارية باريس سنة 1385، وثوبها «مطرّزًا كله باللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة». ويقول إن هنري دي لورين لُقّب «الأصغر ذي اللؤلؤة» لأنه كان يضع لؤلؤة في أذنه.
ألوان تختارها البلاد
يلاحظ المؤلف، بعين التاجر، أن الأمم تختار ألوان اللؤلؤ بحسب لون البشرة. فإسبانيا والأرجنتين والبرازيل تشتري لآلئ قشدية اللون، «لأنها أوفق لبشرة السمراوات». والألمانيات والنمساويات والروسيات يؤثرن اللآلئ البيضاء. «وتختار الأمريكية والفرنسية اللآلئ الوردية والقشدية الخفيفة».
ويقول إن الولايات المتحدة «هي التي تشتري أجمل لآلئ الدنيا: اللآلئ الوردية». ولهذا فالعقد الذي قيمته في أوروبا عشرون ألف فرنك «كثيرًا ما يساوي فيها مئةً وخمسين ألفًا».
العقد المتدرّج
ويصف المؤلف موضة جديدة في زمنه. فإلى ما قبل عشر سنين كان العقد يتألّف من لآلئ متساوية الحجم. أمّا العقود المتدرّجة فحديثة، «ونرى اليوم منها ما يبلغ تدرّجه ثمانين في المئة». فالعقد الذي تبدأ أطرافه بلؤلؤة من حبّتين تكون واسطته لؤلؤة من عشرين حبّة. ويقول إن الغاية من ذلك «ألّا ينقطع تناسق خطوط العنق»، وإن العقد صار يبلغ اثنين وأربعين سنتيمترًا بدل أربعة وثلاثين.
ويختم ملاحظًا أن الأنيقات في زمنه صرن «يلبسن اللؤلؤ على الموضة البدائية التقليدية عند الآسيويين».
خاتمة
يجمع الفصلان قصص لآلئ تنقّلت بين الملوك والتجّار من كليوباترا إلى فيليب الثاني والشاه صفي. ومن بينها لؤلؤة صغيرة شفّافة أخرجها إمام مسقط من كيس في عنقه في هرمز سنة 1670، ولؤلؤة كبيرة اشتراها شاه فارس من تاجر عربي. وتربط حواشي المحقق هذه الأخبار بالحاضر، فتذكر أن سجّادة بارودا اللؤلؤية محفوظة اليوم في متحف قطر الوطني.
المصدر
- الكتاب: «في مملكة اللؤلؤ» (Au royaume de la perle)، تأليف: ليونار روزنتال (Léonard Rosenthal)، بلوحات إدمون دولاك؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 96–104 (الفصل الثاني عشر «اللآلئ المشهورة»)، 107–113 (الفصل الثالث عشر «كيف لُبس اللؤلؤ»)
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


