عُمان من الأزد إلى آل بو سعيد: الأئمة والأفلاج والبحر في كتاب شتولمان

في سنة 1916 نشر الباحث الألماني فرانتس شتولمان كتابه «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»، وخصّص فصله العاشر لمسقط وعُمان.

عن كتاب «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» · فرانتس شتولمان · تحقيق: أحمد علي المرر

فرانتس شتولمان٨ دقائق

في سنة 1916 نشر الباحث الألماني فرانتس شتولمان كتابه «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»، وخصّص فصله العاشر لمسقط وعُمان. ويتتبع في الجزء الأول من هذا الفصل تاريخ عُمان من أقدم ما تذكره الروايات إلى عهد الإمام أحمد بن سعيد، ويقف في حاشية طويلة عند نظام الأفلاج. يعرض هذا المقال ذلك الجزء، مع ما أضافه المحقق من تصحيح وتعريف.

البلاد

يبدأ شتولمان بوصف موقع عُمان: «في أقصى الجنوب الشرقي من جزيرة العرب تقع منطقةٌ معزولة، تحجزها الصحراء الكبرى «الدهناء» عن الداخل». ويذكر أنها ملكت، بحسب قوة حكامها، «رقعًا من السواحل غربًا وشمالًا تطول أو تقصر».

منظر قديم لمسقط من المرفأ
«مسقط من المرفأ» (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»، ص 205طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: حفر جون هيفيسايد كلارك عن رسم ريتشارد تمبل، من مجموعة «ستّة عشر منظرًا لأماكن في الخليج»، لندن، 1813

ويرى أن الجبال تمنح البلاد خصبًا: «وتتيح الجبال العالية في الداخل خصوبةً لا بأس بها (زراعة النخيل، وشيءٌ من الزراعة) وإقامة مستوطناتٍ ثابتة». ويذكر ما يقال عن معادنها: «ويقال إنّ في عُمان النحاس والرصاص والحديد والكهرمان، وعند «بهلا» الذهب أيضًا».

ويقارنها باليمن: «فظروف عُمان المحلّية إذن تشبه ظروف اليمن، لكنّ تاريخها جرى على نحوٍ مختلف، إذ بقيت البلاد مستقلّةً في الظاهر على الأقلّ».

الخليج في العصور القديمة

يقول شتولمان: «وكان الخليج العربي في العصور القديمة أبعد عن مواطن الثقافة الكلاسيكية من البحر الأحمر. فمن المفهوم إذن أننا نسمع عنه في الزمن القديم أقلّ بكثير». ويذكر أن الجزء الجنوبي من الخليج كثيرًا ما سُمّي «البحر الإريتري»، «نسبةً إلى ملكٍ أسطوريٍّ اسمه «إريثراس»».

ويذكر أن نيارخوس، أميرال الإسكندر، كان يعرف رأس «أسابون»، «وهو مسندم الحالية في عُمان». وأن رفيقه أندروستينيس زار أحد مواضع البخور، «ولعلّها جزر البحرين، فقد حمل منها شحنة سفينةٍ كاملةً من هذه المادّة المطلوبة».

ويذكر من سكان عُمان في زمن بطليموس «آكلو السمك» في الشمال، و«الساخاليتاي» (Sachalitae، أي «أهل الساحل») على شاطئ منطقة البخور. ويذكر أن جزيرة «أوغيرا»، التي قيل إن قبر إريثراس فيها، يظن شبرنغر أنها جزيرة قشم.

الأزد والهجرة من اليمن

يعتمد شتولمان في تاريخ عُمان على كتاب سليل بن رزيق الذي نشره بادجر. ويذكر الرواية التي تجعل «يعرب»، من نسل قحطان، حاكمًا لليمن وعُمان. ويلاحظ صلة البلدين: «فلعلّ اليمن وعُمان انتميا إذن إلى طبقةٍ ثقافيةٍ واحدة. وقد جرت بينهما صلاتٌ نشطة».

ومن 1435 إلى 1624 حكم أئمّةٌ من أسر الأزد وبني نبهان وبني هناءة. ثم تولّى الحكم مع ناصر بن مرشد اليعاربةُ، الذين هم من نسل أقدم المهاجرين القحطانيين من اليمن. وكانت عاصمتهم الرستاق
فرانتس شتولمان«الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»

ثم يذكر هجرة الأزد: رُدّت سيادة الفرس عن عُمان «بمعونة مهاجرين جددٍ من اليمن من قبيلة الأزد». ويقول إن هجرة هذه القبيلة «رُبطت» بانهيار سد مأرب، لكنه يرى أن هذا الحدث «لا يُتّخذ على الأرجح في الرواية إلّا تحديدًا زمنيًّا غير موثوقٍ جدًّا».

ويذكر من المهاجرين بني نبهان، ويضيف في حاشية: «لا يزال بنو نبهان يؤدّون في عُمان اليوم دورًا محترمًا».

ويلاحظ شتولمان أن في عُمان إلى يومه، «كما في جزيرة العرب كلّها تقريبًا، التقابل بين الحضر المستقرّين بزراعتهم والبدو الرحّل».

الإسلام في عُمان

يقول شتولمان: «لكنّ النبيّ محمدًا ﷺ أرسل نحو سنة 630 رجلًا يُدعى عمرًا إلى عُمان، حيث كان يحكم الأخوان الأزديّان «جيفر» و«عبد» ابنا «الجلندى». فأسلما».

ويذكر أن الخليفة عمر عيّن نحو سنة 636 «عثمانَ بن أبي العاص واليًا على عُمان والبحرين، فقاد منها حملةً على السند».

الإمامة

يقول شتولمان: «وفي سنة 751 استقلّت البلاد، واختارت حاكمها بنفسها في شخص الجلندى بن مسعود، أوّل أئمّة عُمان».

ويشرح نظام الإمامة عند الإباضية: «وكان سلطان عُمان عند هذا المذهب «الإمام»، أي الرئيس الديني والدنيوي. ولا يُشترط في فقههم لانتخاب الإمام وراثةٌ في النسب ولا في العلم. بل يجب أن يكون الإمام مختار الأمّة، التي لها أن تعزله أيضًا».

ثم صار الاختيار بيد هيئة: «لكن ما لبث الأمر أن صار الانتخاب لا يتولّاه الشعب كلّه، بل هيئةٌ من الأعيان والشيوخ، ثم يُقدَّم الإمام إلى الشعب فيقرّه بالهتاف».

ويذكر أن هارون الرشيد حاول فتح عُمان: «وقد حاول هارون الرشيد (786–809) عبثًا أن يفتح عُمان، التي امتدّ نفوذها إلى المهرة في جنوب جزيرة العرب». وأنه «بعد سنة 1000، حين ضعفت الخلافة العبّاسية، انتهت التبعية أيضًا، واستقلّت عُمان».

نزوى وبنو نبهان

بعد استقلال عُمان عن بغداد، يقول شتولمان: «فحكم في نزوى خمسة أئمّةٍ متعاقبين من أسرٍ أزديةٍ مختلفة، ثم جاءت فترةٌ دامت 260 سنة بلا إمامة، كسب فيها بنو نبهان السلطة وأقاموا أسرة ملوك». ويوضح أنهم حكموا جزءًا كبيرًا من الداخل «دون أن يكونوا أيضًا الأئمّة الدينيين للإباضية». ويقول: «ولم تُستعد الإمامة إلّا نحو سنة 1435».

ويذكر أن ملوك هرمز، وأصل إمارتهم عربي، انتقلوا من البرّ إلى الجزيرة القريبة «جرون» أو «زرون»، «التي سُمّيت بعد ذلك هرمز أيضًا». ومع أنهم طُردوا من عُمان سريعًا، فقد ظلّوا يدّعون الولاية عليها حتى مجيء البرتغاليين.

اليعاربة والبرتغاليون

يقول شتولمان: «ومن 1435 إلى 1624 حكم أئمّةٌ من أسر الأزد وبني نبهان وبني هناءة. ثم تولّى الحكم مع ناصر بن مرشد اليعاربةُ، الذين هم من نسل أقدم المهاجرين القحطانيين من اليمن. وكانت عاصمتهم الرستاق».

وكان البرتغاليون قد دخلوا الخليج في أوائل القرن السادس عشر، فأخذوا هرمز سنة 1515. فلما أخذ الفرس هرمز منهم، فرّت بقية الحامية البرتغالية إلى مسقط، «التي صارت حينئذٍ معقل البرتغاليين».

ويذكر حالًا خاصة في جلفار: «وكانت في موضع «جلفار» على الجانب الغربي من الرأس حالٌ غريبة، إذ كان لكلٍّ من البرتغاليين والفرس من هرمز قلعةٌ وحاميةٌ هناك».

ثم بدأ الإمام حملته: «وتحرّك الإمام، مشجَّعًا بنجاح الفرس في هرمز، على البرتغاليين في مسقط (1640)». وفي 1648 ترك البرتغاليون قلاع قريات ومطرح وسور مسقط، «وفي 26 يناير 1650 سقطت قلعة مسقط أيضًا في يد الإمام سلطان بن سيف». ولم يبق للبرتغاليين إلا وكالة محصنة في صحار مدة من الزمن، مقابل جزية يدفعونها للإمام، الذي بنى هناك قلعة خاصة به. ويختم: «وعلى أيّ حالٍ كان البرتغاليون عند وفاة سلطان بن سيف (1668) قد طُردوا من عُمان كلّها».

الأسطول وشرق أفريقيا

يقول شتولمان: «وكان عرب عُمان منذ مطلع القرن السابع عشر قد أنشؤوا مستوطناتٍ على الساحل الشرقي لأفريقيا أيضًا. فقد اعتاد سكّان السواحل العربية الملاحة منذ القدم».

صورة قديمة لمسقط وقلعة الجلالي
«منظرٌ لمسقط»، وفي الأصل: «القنصلية البريطانية تحجبها قلعة الجلالي في المقدّمة» (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا»، ص 226طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: من كتاب هنري جيمس ويغام «المسألة الفارسية»، لندن: إيزبستر، 1903

ويشرح نشأة الأسطول: «فلمّا وقعت في يد إمام عُمان سنة 1651 بعض السفن الحربية والتجارية البرتغالية، وُضع أساس أسطولٍ زيد بالشراء».

ويذكر نتائجه: «ففي 1652 أغار العرب على زنجبار، وظهروا سنة 1660 أمام ممباسا». ثم: «وفي ديسمبر 1698 سقطت ممباسا، القلعة البرتغالية القوية، بعد حصارٍ دام ثلاث سنين، في يد عرب عُمان».

ترميم الأفلاج وإلغاء الجمارك

يقول شتولمان: «وأمر أحد خلفاء سلطان بن سيف، سيف بن سلطان، المتوفّى سنة 1711، بترميم عددٍ كبيرٍ من القنوات المائية الجوفية في عُمان».

ويذكر أن خليفته سلطان بن سيف الثاني فتح جزر البحرين من الفرس. ويضيف عن الاقتصاد: «وفي عهد إمامٍ يُدعى «مهنّا»، تولّى الحكم سنة 1718، أُلغيت الجمارك في مسقط، فازدهرت التجارة».

نظام الفلج

في حاشية طويلة ينقل شتولمان وصفًا لنظام الري في عُمان من تقرير إيطالي صدر سنة 1912. يقول: «يجري الريّ في المناطق الجبلية، كما ذكرنا، بالماء الجاري، يُحوَّل من ينابيع غزيرةٍ خاصّة ويُجمع في قنواتٍ جوفية».

ويشرح المصطلحات: «ومجموع هذه القنوات هو ما يسمّيه الأهالي «فَلَج» (جمعه «أفلاج»)». وتُقاس قدرة الفلج بـ«الغيز»، أي بعدد القنوات التي يتألف منها. ويقول: «والفلج ملكٌ جماعي».

ويشرح وحدة الماء: «ومقدار الماء الذي يستطيع الغيز توزيعه في ساعةٍ من النهار (تُحسب تقريبًا بالشمس والنجوم) يسمّى «أثر»، وهو يكفي لريّ نحو مئة نخلة».

ويذكر طريقة تمويل الفلج: «والتسع من الماء، أي ماء يومٍ من كلّ دورةٍ من تسعة أيام، محفوظٌ للفلج، ويُباع لمن يدفع أكثر». ويُخصّص ريعه «لصيانة الفلج وتوسيعه، ولدفع راتب القائم عليه، الذي يُختار بالانتخاب». ويضيف: «وكثيرًا ما تُوقف أوقافٌ على الفلج».

الآبار في الباطنة

ويقارن النص بين الفلج والبئر: في الباطنة يجري الري بالآبار، و«على خلاف الفلج، الذي يجمع كلّ الأراضي التي يرويها ويربطها بالترتيبات الناشئة عن الانتفاع المشترك، يكوّن كلّ «طويّ» مع البستان الذي يرويه ملكًا مستقلًّا منفصلًا».

ويذكر تكاليفها: «وأعمق الآبار في السيب، وتكلّف حفرًا وتبطينًا نحو أربعمئة فرنك». ويضيف: «ويُشترى في الباطنة بستانٌ من 150 نخلةً في كامل إثمارها مع بئره بنحو ستمئة ريال».

ويعلّق المحقق: «أفلاج عُمان منظوماتٌ قديمةٌ لجمع المياه ونقلها وتخزينها وتوزيعها، في الداخلية والشرقية والباطنة، ولنمط الريّ هذا في المنطقة تاريخٌ يرجع إلى خمسة آلاف سنة».

أحمد بن سعيد

يقول شتولمان إن قوة اليعاربة ضعفت بالنزاعات الداخلية، «حتّى اختير سنة 1741 أحمد بن سعيد من أسرة آل بو سعيد إمامًا». ويذكر من أعماله: «وجاء أحمد بن سعيد بقوّةٍ كبيرة لنجدة البصرة التي كان الفرس قد أخذوها». ويروي أن العدو مدّ سلسلة حديدية على مدخل شط العرب، «فكسرها أحمد بسفنه الحربية وحرّر البصرة».

ويذكر أن السلطان العثماني رتّب له «راتبًا يقال إنه ظلّ يُدفع حتّى زمن السيّد سعيد بن سلطان». ويقول: «وتوفّي سنة 1775».

الخلافة

يلاحظ شتولمان تغيّر نظام الخلافة: «فقد كان الأئمّة طوال نحو تسعمئة سنة يُنتخبون بكفاءتهم، بغضّ النظر عن الاعتبارات الأسرية». ثم صار الحكم في الأسرة منذ اليعاربة. «ولم يُرجع إلى مبدأ الانتخاب القديم إلّا في اختيار أحمد بن سعيد من أسرة آل بو سعيد».

ويذكر أن لقب «السيّد» صار لأبناء الأسرة الحاكمة، «ويُلقَّب به أبناء أسرة زنجبار أيضًا».

خاتمة

يقدّم الفصل العاشر من كتاب شتولمان عرضًا مختصرًا لتاريخ عُمان من الهجرات القديمة إلى منتصف القرن الثامن عشر: من الأزد ودخول الإسلام، إلى الإمامة المنتخبة، إلى طرد البرتغاليين على يد اليعاربة، إلى بناء الأسطول والوصول إلى شرق أفريقيا، إلى عهد أحمد بن سعيد. ويحفظ في حاشيته وصفًا دقيقًا لنظام الأفلاج، بوحداته وطرق تمويله، كما كان في أوائل القرن العشرين.

المصدر

  • الكتاب: «الصراع على جزيرة العرب بين تركيا وإنجلترا» (Der Kampf um Arabien zwischen der Türkei und England، 1916)، تأليف: فرانتس شتولمان (Franz Stuhlmann)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل العاشر «مسقط أو عُمان» ص 195–208 (البلاد ص 195–196، العصور القديمة ص 196، الأزد ص 197–198، الإسلام والإمامة ص 199–201، اليعاربة والبرتغاليون ص 202–204، شرق أفريقيا ص 205، الأفلاج وحاشيتها ص 206، أحمد بن سعيد ص 207، الخلافة ص 208).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة

المخطوطات والرحالة

من البريمي إلى الجبل الأخضر: الماء والنخيل والقرى في رحلة كوكس سنة 1902

في السادس من أبريل 1925 وقف بيرسي كوكس أمام الجمعية الجغرافية الملكية في لندن يروي رحلتين قام بهما قبل أكثر من عشرين عامًا، يوم كان وكيلًا سياسيًّا لحكومة الهند في مسقط.

—٩ دقائق

التراث

عالم نباتٍ على الأقدام: نبات عُمان وزروعها وطعامها في يوميات أوشيه-إلوا سنة 1838

في الرابع عشر من مارس 1838 غادر عالم النبات الفرنسي أوشيه-إلوا مسقط ليتوغّل في داخل عُمان، وعاد إليها بعد نحو أربعة أسابيع وقد جمع مئات العينات من النبات، بعضها لم يكن معروفًا لعلماء أوروبا.

بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا٩ دقائق