صيفٌ في جَرون: هرمز وملاقف الهواء بعين سفيرٍ إسباني

في مطلع القرن السابع عشر خرج دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا سفيرًا من ملك إسبانيا فيليب الثالث إلى الشاه عباس، وكانت طريقه من غوا إلى مسقط، ثم إلى هرمز، فبلاد فارس.

عن كتاب «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)» · دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا · تحقيق: أحمد علي المرر

دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا٨ دقائق

في مطلع القرن السابع عشر خرج دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا سفيرًا من ملك إسبانيا فيليب الثالث إلى الشاه عباس، وكانت طريقه من غوا إلى مسقط، ثم إلى هرمز، فبلاد فارس. وقد ترك «شروحًا» مفصّلة عن سفارته، اختار المحقق منها الفصول المتعلقة بالخليج العربي وترجمها في كتاب «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)». وفي الفصل الثاني من الكتاب الثالث يصحبنا السفير في رحلةٍ بطيئة من مسقط إلى هرمز، ثم يصف الجزيرة ومدينتها وصفًا يكاد يُرى بالعين.

على امتداد ساحلٍ صخري

يبدأ الإبحار من مسقط و«ساحل جزيرة العرب» عن يسار السفينة، تظهر فيه قرى صغيرة بين شعاب الصخور العظيمة قرب البحر. ويلفت نظر السفير أن بعض هذه الشعاب فيها نخيل وبرتقال وأشجار أخرى، فيكتب: «فكانت هذه الأودية الضيّقة، التي تبدو غير مزروعة، تُظهر بين المنظر الكئيب لصخورها الشديدة الجفاف خضرةً بهيجةً لطيفة».

منظر قديم محفور لمدينة هرمز وقلعتها
منظر مدينة هرمز وقلعتها (صورة أضافها المحقق)المصدر: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، ص 43طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: جزءٌ من لوحة «Calechut… Ormus… Canonor» في أطلس المدن «Civitates Orbis Terrarum» لجورج براون وفرانس هوخنبرغ (صدر بين 1572 و1617)، من نسخة المكتبة الوطنية الفرنسية

ثم تأتي الأيام العسيرة. فقد أصبحوا «على مرأًى من جبال ليما الشاهقة جدًّا»، وهي، كما يقول، أعلى ما رأوه وأشدّه انحدارًا إلى البحر، والبحر عند سفحها من العمق بحيث لا يمكن إلقاء المرساة على سبعين قامة ولا على مئة. وتوالت أيام السكون والحرّ، حتى اضطرّ البحّارة إلى جرّ السفينة بالقارب، وأعانهم في التجذيف بعض خدم السفير والركّاب. ويشرح السفير أن هذا الموضع أصعب ما في الإبحار من غوا إلى هرمز، لأن البحّارة العارفين يحرصون على الاحتماء بالساحل الوعر خشية أن تفاجئهم ريح «الشمال» في وسط القناة.

ومن معالم الطريق التي يحفظها النص صخرٌ كبير مستدير قرب الساحل «يسمّونه «جزيرة الفئران»، ويرون أنهم قد أحسنوا السير إذا بلغوا موضعه»، وهو على ستة فراسخ أو سبعة من رأس مسندم. ثم ظهرت جزيرة لارك أمام المقدّم، ومن ورائها أعلى أرض جزيرة قشم الكبيرة. ويعرّف المحقق لارك بأنها جزيرة صغيرة شرقي قشم وجنوبي هرمز، وبينها وبين جزيرة السلامة العُمانية أضيق موضعٍ في مضيق هرمز، نحو 39 كم.

جزيرةٌ يسمّيها العرب «جَرون»

يقول السفير: «وجزيرة هرمز في الخليج العربي، على اثني عشر فرسخًا داخل فم مضيقه»، ويذكر أن العرب يسمّونها «جَرون». ويوضح المحقق أن «جَرون» هو اسم الجزيرة القديم قبل أن ينتقل إليها أهل هرمز القديمة نحو سنة 1300، فغلب عليها اسم هرمز، وظلّ اسم «جرون» يُطلق على المدينة التي فيها.

ويصف السفير الجزيرة بأنها مثلّثة الشكل، فيها جبلٌ إلى جواره تلٌّ مستدير «كلّه من سفحه إلى رأسه ملحٌ أبيضُ ناصعٌ نقيٌّ جدًّا، على هيئة جبلٍ مستديرٍ كساه الثلج كلَّه».

الماء: صهاريج المطر وآبار تورونباكي

الماء هو هاجس الحياة في هرمز. فبين المدينة والجبل سهلٌ فيه «صهاريج كثيرةٌ مسقوفةٌ بقبابها، لأهل المدينة، مغلقةٌ بأقفالها»، يُجمع فيها ماء المطر، وهو إذا ركد أجود كثيرًا من ماء الآبار. وفي الجهة الأخرى من الجزيرة موضع «تورونباكي»، وفيه، كما يقول، بئران عميقتان واسعتان غزيرتا الماء، ودار نزهةٍ لملوك هرمز الأقدمين فيها نحو خمسين نخلة. ويضيف أن كثيرًا من أهل المدينة يأتون، وإن كانت لهم بيوت حسنة، ليقضوا الصيف في تورونباكي في بيوتٍ من سعف النخل يبنونها لهذا الغرض.

ومن العجيب أن ترى وتحسّ أنه مهما قلّت الريح أُحسّت في الحال في الحجرة التي لها هذا الواقي، فينتعش من فيها ويتنفّسون بما يأتي به من الاعتدال، ولولا هذه الحيلة لما بدا ممكنًا أن يُعاش في هرمز
دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا«هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»

ملاقف الهواء: حيلةٌ تجعل الحياة ممكنة

أجمل ما في هذا الفصل وصف السفير لملاقف الهواء التي تعلو بيوت هرمز. فهي «مفتوحةٌ من جوانبها إلى الجهات الأربع»، يقسمها حاجزٌ رقيق على طولها، ثم تقسمها حواجز أصغر إلى ثلاثة أقسام أو أكثر. ويصف كيف ينزل الهواء فيها باردًا، ثم يعترف بإعجابه: «ومن العجيب أن ترى وتحسّ أنه مهما قلّت الريح أُحسّت في الحال في الحجرة التي لها هذا الواقي، فينتعش من فيها ويتنفّسون بما يأتي به من الاعتدال، ولولا هذه الحيلة لما بدا ممكنًا أن يُعاش في هرمز».

ويكشف السفير سرًّا آخر من أسرار البناء: فتحت الماء على ساحل الجزيرة كلّه مقدارٌ كبير من حجر الخفاف الأبيض الإسفنجي الخفيف، «وتُستعمل عمومًا في بناء ملاقف الهواء، لأنها لخفّتها، ولشدّة تشبّث الجير بها لما فيها من الفراغات، تُثقل البيوت أقلّ».

مدينةٌ على السطوح

في الصيف تتحول سطوح هرمز إلى عالمٍ ثانٍ؛ يقول السفير إن ما يتّخذونه على السطوح لقضاء الصيف الطويل «يبدو كأنه بلدةٌ جديدةٌ أخرى»، إذ يرفعون موضعًا للأسرّة تحيط به سواتر من حصر القصب وسعف النخل لا تحجب الهواء. ولكل البيوت ممرّاتٌ من بعضها إلى بعض عبر السطوح، ومع ذلك يشهد السفير بأن الناس «يحافظون فيما بينهم عمومًا، كأنها شعيرةٌ من دينٍ مرعيّ، على حسن الجوار والمعاملة».

أهل هرمز وتجارتها

يقدّر السفير بيوت المدينة بألفين وخمسمئة إلى ثلاثة آلاف بيت، وسكانها بأكثر من أربعين ألف نفس، أكثرهم مسلمون عرب وإن كانوا يتكلمون الفارسية عمومًا، ومعهم تجّار من الهند وجماعات أخرى. ويقول إن أكثرهم «تجّارٌ أغنياء يتّجرون في فارس وجزيرة العرب»، وإن صنّاعهم من المهارة والفطنة بحيث لو كانت لهم قدرة على الابتكار «لكانوا أمهر صنّاع الدنيا». ويصف المرسى في الخليج الصغير قبالة المدينة، حيث ينحسر الماء عند الجزر حتى يُمشى فيه أكثر من مئة وخمسين خطوة والماء إلى الركبة.

صخرة «النصر»

وقبل لارك، في أوّل الطريق من مسقط، مرّت السفينة قرب البرّ بجزيرة «النصر». يقول غارسيا: «وهي صخرةٌ صغيرةٌ حولها قليلٌ جدًّا من الرمل». ويذكر أنها مشهورة لأن دون فرناندو دي نورونيا غنم بقربها، «منذ أكثر من خمسين سنة، تسعَ غليراتٍ للترك في القتال». ويعلّق المحقق بأن أنطاو دي نورونيا، أبا هذا القائد، كان نائب الملك في الهند البرتغالية من 1564 إلى 1568، ويقول: «ولم نقف على خبر الواقعة التي يذكرها المؤلف».

ويشرح المحقق في الفصل نفسه وحدة «القامة» التي يقيس بها البحّارة العمق، فهي «نحو 1.8 متر في القياس الإنجليزي».

جزيرة لارك على مدخل الطريق

قبل أن تظهر هرمز، مرّت السفينة بجزيرة لارك. يقول غارسيا إن لارك «أكبر كثيرًا من جزيرة هرمز»، ولذلك لم يكن يمكن أن يُرى شيءٌ من هرمز حتى خلّفوها، فأخذت جبالها الملحية «تبيضّ على ثلاثة فراسخ». ويعرّف المحقق لارك بأنها جزيرة صغيرة شرقي قشم وجنوبي هرمز، «وبينها وبين جزيرة السلامة العُمانية أضيق موضعٍ في مضيق هرمز، نحو 39 كم».

رسم قديم لسفن أمام جزيرة هرمز سنة 1629، وفيه كمرون على برّ فارس
سفنٌ أمام جزيرة هرمز سنة 1629: «جزيرة هرمز، وكمرون على برّ فارس» (صورة أضافها المحقق)المصدر: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، ص 141طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: نقشٌ هولندي إخباري، نحو 1632، متحف ريكس في أمستردام (RP-P-OB-75.464)

سهل «أردميرا» ولعبة الصولجان

بين الجبل والمدينة سهلٌ يقول المؤلف إن المسلمين يسمّونه «أردميرا»، «ومعناه بالفارسية السهل المستوي الحسن المنظر». وفيه يلعب رجال دار الملك ودار الوزير «بالصولجان على ظهور الخيل». ويشرح المحقق أنها لعبة «الچوگان» أو البولو، «من أقدم الألعاب الجماعية المعروفة».

ويخالف غارسيا من سبقه في وصف الجزيرة، فيقول إن فيها في مواضع كثيرة «أشجارًا كثيفةً بعضها كبير، خلافًا لرأي جميع من وصفوها غيرنا فقالوا إنه لا يوجد فيها كلّها شيءٌ أخضر». ويذكر أن في شعاب الجبل كثيرًا من الغزلان وبعض الأرانب.

القلعة والجامع الكبير

يقول المؤلف إن القلعة لم تكن حين أسّسها ألبوكيرك «إلا برجين صغيرين»، ثم وسّعها البرتغاليون على مدى سنين كثيرة. ويصف أسوارها بأنها «من حجارةٍ صغيرةٍ وجيرٍ معجونٍ بماء البحر».

وفي صدر المدينة كان الجامع الكبير للمسلمين. ويقول غارسيا إنه كان أكثره مهدّمًا، لكنه «يبدو مما يُظهره الآن أنه كان بناءً عظيمًا فخمًا». ويضيف: «وقد بقيت قائمةً منارةٌ شاهقةٌ جدًّا محكمة الزخرفة من الخارج، تبدو من بعيدٍ جدًّا». ثم يذكر أن الجامع هُدم «منذ سنواتٍ قليلة، لقلّة حكمة بعض الوزراء»، فاشتدّ لذلك ألم المسلمين وسخطهم في المدينة والبرّ المجاور، وأن ذلك أضرّ بالمدينة.

ويذكر المحقق أن لفظ الجمرك في الأصل «alfandiga»، وأنها «كلمةٌ أخذها البرتغاليون والإسبان من العربية».

خشبٌ تحت الماء

ويصف غارسيا ظاهرة غريبة في خليج المدينة الصغير: يُستخرج من تحت الماء «حطبٌ كثير، وإن كان أكثره دقيقًا، سليمًا غير متعفّن». ويقول إن أكثره «دقيقٌ ملتوٍ على هيئة الجذور»، حتى إن العامة تعتقد أن هذا الخشب ينبت تحت الماء. ويرجّح المحقق أن المؤلف «يصف جذوع أشجار القرم (المانغروف) وجذورها»، وأن أهل الساحل يسمّونها «الحرا».

هل كان جبل هرمز بركانًا؟

لاحظ السفير أحجار الخفاف البيضاء في البحر حول الجزيرة، فحكم بأن الجبل «كان في بعض الأزمنة الماضية يقذف النار». ويذكر أنهم كانوا يشمّون في ليالي الصيف «رائحةٌ ثقيلةٌ جدًّا من الكبريت» حين تهبّ الريح من جهة الجبل. ورأى عند سفح الجبل «مقدارًا كبيرًا من الحجارة السوداء كالفحم». ويفسّر بياض الحجارة في البحر بأن «المدّ والجزر المتواليين غسلاها على مدى كلّ تلك السنين».

لكن المحقق يصحّح هذا الرأي: «ما ذهب إليه المؤلف من أنّ جبل هرمز بركانٌ خامدٌ لا يوافق ما يقوله الجيولوجيون اليوم، فالجزيرة في الحقيقة قبّةٌ ملحيةٌ صعدت فيها رواسب الملح القديمة إلى السطح على مدى آلاف السنين».

حرٌّ شديد بلا مبالغة

ويرى غارسيا أن ما يُقال عن حرّ هرمز فيه مبالغة. فليس الحرّ، كما أذاع كثيرون، يضطرّ الناس «إلى النوم نهارًا وليلًا في أحواضٍ من الماء». ويقول إن ماء الآبار «شديد الطينية حتى إنه إذا صُبّ في الحوض حديثًا بدا أبيض كاللبن». ويخلص إلى أن أكثر ما يُقال عن الحرّ فيه مبالغة.

ويلاحظ اختلاف رياح الصيف: «منها ما يُكثر العرق، ومنها ما يُحدث الزكام، وما يجفّف الآبار». أمّا الريح الجنوبية فهي أقلّها حرارة، «فإذا مسّت الماء الذي في الآنية جعلته باردًا بقدرٍ كافٍ».

خاتمة

يكتب غارسيا دي سيلفا بعين رجلٍ دقيق الملاحظة، يسجّل الريح والقامات والمسافات، لكنه لا يغفل عن الإنسان: البحّار الذي يعرف ساحله، وصاحب البيت الذي ابتكر الملقف، والجيران الذين يتقاسمون السطوح بأمان. وبهذه العين تعود إلينا هرمز مدينةً حيّة، صنع أهلها من جزيرةٍ ملحية قاحلة سوقًا من أعظم أسواق زمانها.

المصدر

  • الكتاب: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، تأليف: دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا (García de Silva y Figueroa)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الكتاب الثالث، الفصل الثاني «من مسقط إلى هرمز»، ص 35–57 (الساحل وجبال ليما ص 35–36؛ صخرة النصر والقامة ص 36؛ جزيرة الفئران ص 40؛ لارك ص 41؛ وصف الجزيرة واسم جرون ص 43؛ الصهاريج وتورونباكي وأردميرا ص 45–46؛ الأشجار والقلعة ص 47–48؛ الجامع والجمرك ص 48؛ ملاقف الهواء ص 49–50؛ السطوح وحسن الجوار ص 51؛ حجر الخفاف والبيوت والسكان ص 52–53؛ الخشب تحت الماء ص 52؛ مسألة البركان ص 54–56؛ الحرّ والرياح ص 56–57).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF. (ترد داخل النص أيضًا أرقام صفحات الطبعة الإسبانية بين معقوفين، وليست هي المقصودة هنا.)
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة