في ربيع سنة 1663 كان الأب اليسوعي مانويل غودينيو يقطع طريقه من الهند إلى البرتغال عبر الخليج العربي. وقد ترك لنا في كتابه وصفًا لمرحلتين متتاليتين: الأولى برًّا من كمرون (بندر عباس) إلى بلدة كُنگ على الساحل الشرقي للخليج، والثانية بحرًا من كُنگ إلى البصرة على ظهر مركب خليجي يسميه «الترّادة». وقد خصص للمرحلتين الفصلين الرابع عشر والخامس عشر من كتابه الذي صدر محققًا بعنوان «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)».
وتكمن قيمة هذين الفصلين في أنهما يصفان المركب الذي عاش عليه أهل الخليج، وبحّارته العرب، والرياح التي كانوا يبحرون بها، والعواصف التي تعرّضوا لها، والمرافئ والجزر التي مروا بها، ومنها البحرين ولؤلؤها.
الطريق البري: صهاريج المطر وجبال الملح
يبدأ غودينيو الفصل الرابع عشر بالرحلة من كمرون إلى كُنگ، ويقول: «وقضينا في الطريق ثلاثة أيامٍ ونصفًا، سرناها كلّها بمحاذاة الشاطئ الذي يسكنه صيّادون من العرب في أكواخهم».

ويلفت نظره نظام حفظ الماء: «وكنّا نجد كلّ ربع فرسخٍ صهاريج من الحجر والجصّ مملوءةً بماء الشتاء، يجري إليها في سواقٍ يشقّونها في الأرض». غير أن هذه الصهاريج كانت مكشوفة، «فلذلك يكون الماء دائمًا عكرًا قليل الصفاء».
ثم يصف مشهدًا أدهشه: «وكنّا نلقى كلّ يومٍ جبالًا شاهقةً جدًّا، لا من الحجر ولا من الطين، بل من ملحٍ ناصع البياض»، جرداء ليس فيها عشب. ويصف العاملين فيها: «ورأيت عند أسفلها رجالًا كثيرين يقطعون حجارة الملح بالمعاول والفؤوس، ويحمّلونها الجمال؛ ورأيت جملًا محمّلًا بحجرٍ واحدٍ من الملح، وحمله العادل ثلاثون أرّوبة». ويحسب المحقق هذا الحمل: الأرّوبة «وحدة وزنٍ برتغالية تعادل 32 رطلًا، أي نحو 14.7 كغ، والكلمة من العربية «الرُّبع»»، «فثلاثون أرّوبة نحو 440 كغ».
كُنگ: مرفأ اللؤلؤ
يعرّف المحقق البلدة: «كُنگ (Kong): بلدةٌ على الساحل الإيراني للخليج العربي، قرب بندر لنجة، وهي اليوم من محافظة هرمزگان».
ويروي غودينيو قصة نموّها: «وكُنگ اليوم غيرها فيما مضى؛ فقد كانت من قبلُ قريةً فقيرةً للصيّادين»، ثم صارت مأهولة «بتجّارٍ أغنياء أتوا إليها من بلادٍ أخرى، تدعوهم المنفعة، بسبب التجارة والسفن التي تأتيها من الهند».
ويصف عمرانها: «وهي بلدةٌ غير مسوّرة، قائمةٌ على شاطئٍ مجدب، فيها نحو ثلاثمئة بيتٍ من الفرس والعرب، وبعض البانيان والبرتغاليين». ويضيف: «وخارج العمران، على امتداد الشاطئ وإلى الداخل، يعيش عددٌ لا يُحصى من العرب في خيامهم على طريقتهم».
ويلاحظ تفاصيل العمارة: «والبيوت من الحجر والجصّ، ولكنّها مسطّحة السقوف، وعليها ملاقف الهواء كما في كمرون». وعن الماء والطعام يقول: «وليس في كُنگ ماءٌ عذبٌ إلّا ما يكفي للشرب في بعض الصهاريج، ويغسلون الثياب بماء البحر». ومع أنه ليس فيها بساتين، فإنها «لا تخلو مع ذلك من الفاكهة، تأتيها من داخل البلاد»، ولا ينقصها التمر، مما ينبت في نواحيها ومما يأتيها من البصرة.
وكان مرفؤها نشطًا: «ويتردّد على مرفئها كثيرٌ من الغليوطات من السند ودمن وديو وسورت وغيرها من موانئ الهند، فضلًا عن الترّادات، وهي مراكب ذلك المضيق».
وسرّ ثرائها اللؤلؤ: «وكلّ اللؤلؤ الذي يُغاص عليه في جزيرة البحرين يُحمل ليُباع في كُنگ، وهذا ما يجعل تلك البلدة غنيّةً واسعة التجارة».
ويذكر غودينيو سببًا آخر لاختيار هذا الطريق، فقد كان يريد أن يستشير البرتغاليين في كُنگ في طريق رحلته: «أطريق فارس أم طريق بلاد العرب؟». وفي كُنگ أيضًا اتخذ رفيقًا جديدًا من أهل مسقط يحسن الفصد، بعد أن عاد رفيقه السابق إلى الهند.
الترّادة: وصف مركب خليجي
يفتتح غودينيو الفصل الخامس عشر بوصف المركب قبل أن يصف الرحلة. ويقول إن «سكّان موانئ الخليج العربي كلّه وشواطئه لا يركبون البحر إلّا في الترّادات والطرّانكيات». ويشرح المحقق الترّادة بأنها «ضربٌ من المراكب المحلّية في الخليج العربي يصفه المؤلف هنا».
ويقارنها غودينيو بمراكب الصيد البرتغالية التي تُسمّى «المُوليتات»، ويقول إنها أعرض منها، «وليس لها قاعدةٌ (quilha)؛ مقدّمها منخفض، ومؤخّرها عالٍ جدًّا، ويقيمون عليه مظلّةً تتّسع لفراش». ويشرح المحقق القاعدة بأنها «الجائز الطولي الذي يُبنى عليه هيكل السفينة من أسفل».
ويتابع وصف تجهيزاتها: «والدفّة تُدار بحبالٍ تخرج إلى وسط الترّادة؛ والمركب كلّه مكسوٌّ بأصدافٍ صغيرة، إمّا للزينة وإمّا لاعتقادٍ عند أولئك القوم». ويوضح المحقق أن الكلمة في الأصل تعني الودع، «وهو صدفٌ صغيرٌ كثيرٌ في المحيط الهندي، استُعمل في الزينة وفي التبادل نقدًا».
أما الشراع: «ولها ساريةٌ واحدة، وشراعٌ مثلّث، يُنزعونه كلّه من العارضة كلّما تغيّرت الريح». ويشرح المحقق أن الشراع في الأصل «vela latina، أي الشراع اللاتيني، وهو شراعٌ مثلّث يُشدّ على عارضةٍ طويلةٍ مائلةٍ على الساري».
ويذكر أدوات الحياة على المركب: «والموقد سلّةٌ مطليّةٌ بالطين؛ وخزّانات الماء جرّتان صغيرتان، لا يحملون فيهما من الماء إلّا ما يكفي يومين». ولذلك كانوا يضطرون إلى النزول إلى البر للماء والحطب.
البحّارة العرب ومواسمهم
يصف غودينيو عمل البحارة على مدار السنة: «والبحّارة كلّهم من العرب، يستعملون هذه الترّادات في الغوص على اللؤلؤ في موسمه بجزيرة البحرين، وفي سائر السنة في التجارة بين موانئ هذا المضيق، وإن كانت بعض الترّادات الكبيرة تمضي إلى السند».
وكان قائد المركب الذي ركبه غودينيو يُسمّى بالكلمة المحلية: «فركبت إذن واحدةً من هذه الترّادات، وقد أوصى بي ربّانَها (necoda) شيخُه، وهو رجلٌ عربيٌّ رئيس قبيلة، يسكن في كُنگ». ويستعمل المؤلف بعد ذلك لفظ «الناخذا» للربّان.
الرياح: الكوس والشمال
يذكر غودينيو الرياح بأسمائها العربية: «وأبحرنا بريح «الكوس» (causim)، وهي الجنوب بالعربية، حتى بلغنا رأس «نابان» (Nabão)، وبينه وبين كُنگ ستّةٌ وثلاثون فرسخًا».

ثم يلقى الريح الأخرى: «وفي هذه الناحية لقينا هبّاتٍ من الريح الشمالية الغربية، التي يسمّونها «الشمال» (Xamal) (وهذه الريح و«الكوس» أغلب الرياح في ذلك المضيق)». ويشرح المحقق أن الشمال «ريحٌ شماليةٌ غربية تهبّ على العراق ودول الخليج العربي، وتشتدّ نهارًا، وتثير العواصف الرملية».
ويسير المركب محاذيًا الساحل، ويمرّ بجزيرة قيس، التي يقول عنها إنها «كانت فيما مضى قاعدة المملكة». وينزل البحارة إلى البر في بلدات عدة، منها ريشهر، التي يعرّفها المحقق بأنها «مدينةٌ قديمة على الخليج العربي، هي اليوم موقعٌ أثريٌّ قرب بوشهر».
عاصفة قرب خارك: خبرة الناخذا
من ريشهر قرر الناخذا أن يدخل عرض البحر قاصدًا البصرة، «كي لا نضيّع وقتًا طويلًا في محاذاة الساحل». ومرّوا بجزيرة خارك، ويعرّفها المحقق بأنها «جزيرةٌ في شمال الخليج العربي»، فيها «آثار ديرٍ نصرانيٍّ قديم، وقبورٌ ومعابد، ونقشٌ أخمينيٌّ بالخطّ المسماري».
تمنّى غودينيو أن ينزل إلى الجزيرة، «ولكنّ الناخذا رأى في الجوّ شيئًا لا أدري ما هو، فأبى أن يتوقّف عند الجزيرة، إذ يقولون إنّ العواصف هناك أمرٌ مؤكّد، ولا مأوى فيها للمراكب، لأنّ الأرض منخفضةٌ جدًّا».
وصدق حدس الربان: «ولم يخطئ الناخذا؛ فما كدنا نبتعد عن خارك، وقد غربت الشمس، حتى هبّت علينا عاصفةٌ شديدة». ويشرح سبب الخطر: «لأنّ الأمواج هناك عظيمةٌ جدًّا لقلّة عمق الماء».
ثم يصف تصرف البحارة: «فكان علاج العرب أن أنزلوا الساري، وغطّوا الترّادة بالشراع، وتركوها لمشيئة الأمواج». وبينما كان غودينيو خائفًا، كان البحارة هادئين: «وأمّا العرب فعلى العكس، مضوا يضطجعون للنوم تحت الغطاء الذي صنعه لهم الشراع، فبعضهم يغطّ، وبعضهم يصيح عند دخول الموجة: «الله، الله!»».
ومرّت الليلة بسلام، فأصبحوا «والريح ساكنةٌ والبحر هادئ»، فنزح البحارة الماء من المركب، وواصلوا طريقهم حتى بلغوا في أربعة أيام مصب الفرات.
البحرين: أغنى الجزر
يتوقف غودينيو ليخص البحرين بالذكر: «وإلى الجنوب من هذه الجزيرة تقع جزيرة البحرين، وقد رأيت أن أخصّها بالذكر، لأنّها أغنى جزر المضيق كلّها وأطيبها». ويحدد أبعادها: «وطول البحرين سبعة فراسخ، ومحيطها ثلاثون؛ وهي قبالة القطيف».
ويصف أرضها: «وأرض الجزيرة نفسها منخفضة، فيها نخيلٌ عظيم، رطبةٌ خصبة؛ وفي أيّ موضعٍ حفروا وجدوا الماء على الفور». ويذكر ثمارها: «ودخلها من الجزيرة كثير، لكثرة ما تجنيه من التمر على أنواعه، ولأنّ فيها كلّ أصناف فواكه إسبانيا، ولا سيّما فواكه البساتين، كالرمّان والخوخ والتين، وكلّ أنواع الخضر». ويقول عن عمرانها: «وسكّانها مسلمون من العرب، ومدينتها جميلة الأبنية من الحجر والجصّ. وفي الجزيرة كلّها ثلاثمئة قرية». وكان هواؤها يثقل في بعض الشهور، «ولا سيّما من سبتمبر إلى فبراير، ففي هذه الأشهر ينتقل أكثر أعيانها إلى القطيف لئلّا يمرضوا».
لؤلؤ البحرين
يقول غودينيو: «وأكثر ما يشرّفها الغوص على اللؤلؤ صغيره وكبيره، ويكون في بحرها من يونيو إلى أغسطس». ويقارن بما رآه في الهند، فيقول إنه رأى في كُنگ حبّات من لؤلؤ البحرين «بدت لي أحسن بما لا يقاس من كلّ ما رأيته في «ساحل المغاصات» (costa da Pescaria) وراء رأس كُماري». ويقدّر قيمة المحصول: «ويُستخرج من هذه المغاصات كلّ سنةٍ ما قيمته خمسمئة ألف كروزادو، عدا العدد الكبير من اللؤلؤ الذي يُخفى ويُكتم». ويشرح المحقق الكروزادو بأنه «نقدٌ برتغاليٌّ من الذهب ثم من الفضّة».
ويصف بداية الموسم: «يجتمع ألفا مركبٍ وثلاثة آلاف في الموضع الذي عيّنوه، وينصبون معسكرهم بجوار البحر بما يلزمهم من الأقوات للمدّة التي سيقضونها في الغوص». ويذكر صنفي الرجال في كل مركب: الغواصين، والجاذبين الذين يرفعونهم. ويضيف المحقق الاسم المحلي لهؤلاء: «هم الذين يسمّيهم أهل الخليج «السيب» (seeb)، أي الجاذب الذي يرفع الغوّاص». وينبّه المحقق إلى أن المؤلف يجمع في الوصف بين ما سمعه أو شاهده في مغاصات منار وما يخص مغاصات البحرين.
خاتمة
يقدّم الفصلان صورة للملاحة في الخليج العربي في القرن السابع عشر من داخل المركب نفسه: ترّادة بلا قاعدة، بشراع مثلث ودفة تُدار بالحبال، وجرّتين للماء لا تكفيان أكثر من يومين، يقودها ناخذا يقرأ الجو فيتجنب الخطر، وبحّارة يواجهون العاصفة بخبرة وسكينة. وحولها مرافئ ومدن: كُنگ التي يُباع فيها لؤلؤ البحرين، والبحرين بنخيلها وقراها الثلاثمئة. وقد شرح التحقيق المصطلحات البحرية، من القاعدة والشراع اللاتيني إلى الودع والسيب، وعرّف بالأماكن والرياح.
المصدر
- الكتاب: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، تأليف: الأب مانويل غودينيو اليسوعي (Manuel Godinho)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الرابع عشر (الطريق البري وكُنگ) ص 68–70؛ الفصل الخامس عشر (الترّادة والبحارة والرياح) ص 74–75؛ خارك والعاصفة ص 76؛ البحرين واللؤلؤ ص 77–79.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 68–79؛ بعض المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 73.


