في ربيع 1817 ركب الملازم الإنجليزي وليم هيود سفينةً عربية من بومباي قاصدًا البصرة، في أول مراحل رحلةٍ طويلة عاد فيها إلى إنجلترا برًّا. وقد دوّن رحلته في كتابٍ ترجمه المحقق كاملًا بعنوان «رحلة في الخليج العربي والطريق البري من الهند إلى إنجلترا (1817)». وفي الفصل الثالث يتوقف هيود أيامًا في مسقط، فيرسم لها صورةً حيّة: مرفأ مزدحم، وأسواق مسقوفة، وناس من كل قبيلة وبلد، ورحلة قصيرة إلى الداخل يلقى فيها كرم أهل القرى.
سفينةٌ كأنها مدينة صغيرة
يبدأ هيود بتعريف القارئ بسفينته: «فليُعلم إذن أنّ «فضل كريم» كانت سفينةً عربيةً حمولتها 350 طنًّا، فيها طاقمٌ من خمسين بحّارًا من اللسكر، وتسعون راكبًا». ويصف الركّاب بأنهم من كل صفة ومنزلة: تجّار، وحجّاج، وتجّار خيل، وجنود، ووجهاء. ويذكر أن «الناخذاه» أو وكيل الشحنة، السيد قادر، ومعه تركيٌّ أو اثنان، كانوا رجالًا «على قدرٍ كبيرٍ من الذكاء»، قد سافروا وأفادوا ما يكفي لأن ينقلوا إليه معلوماتٍ نافعة متنوعة.

الوصول إلى المرفأ
يكتب هيود: «وفي الثاني عشر عند الظهر بلغنا مسقط»، ويصف مشهد الدخول: خمسٌ وعشرون «غرابًا» خارجة إلى بومباي في حراسة فرقاطة عربية ذات أربعين مدفعًا، وسفينتان كبيرتان أخريان، وثلاثون أو أربعون مركبًا صغيرًا تشحن أو تفرغ حمولاتها «من التمر والملح والأرزّ وغيرها من البضائع المتنوّعة». ويشرح المحقق أن الغراب ضربٌ من السفن الشراعية كان شائعًا على ساحل الهند الغربي والخليج، ذو صاريين أو ثلاثة، ويضيف أن السيد سعيد بن سلطان كان له أسطول تجاري وحربي يحمي قوافل السفن التجارية العُمانية إلى الهند.
موقعٌ صنع تجارة
يحدّد المؤلف موقع مسقط على خط العرض 23° 38′ شمالًا وخط الطول 57° 27′ شرقًا، ويرى أن سرّ شأنها موقعها «في قاع خليجٍ صغيرٍ مشهودٍ له بالأمان والملاءمة وجودة المرسى». ويعرّف المحقق مسقط بأنها عاصمة سلطنة عُمان اليوم، على ساحل بحر عُمان، وقد صارت قاعدة حكم البوسعيديين منذ أواخر القرن الثامن عشر.
أسواقٌ غاصّة بالناس
ثم ينزل هيود إلى البلدة، فيجد أن دار الجمرك والقصر وما حوله والأسواق والشوارع الرئيسة كانت «غاصّةً بعربٍ من كلّ صنفٍ وقبيلة، وبيهودٍ وهندوسٍ وبلوشٍ وتركٍ وأفارقة». ويتجوّل في الأسواق المسقوفة بالعقود، ويزور قريتين صغيرتين في الجوار، ومسجدًا أُذن له بدخوله دون عناء. ويعلّل ذلك بأن أهل مسقط من المذهب الإباضي، ويصفهم بأنهم «شديدو التسامح». ويعرّف المحقق الإباضية بأنها مذهب إسلامي يُنسب إلى عبد الله بن إباض التميمي، ومن أئمته الأوائل جابر بن زيد الأزدي العُماني، «وهو مذهب أكثر أهل عُمان وحكّامها».
رحلةٌ إلى الداخل وكرمٌ في قرية
لم يكتفِ هيود بالبلدة، بل عزم على أن يزور بعض البساتين والعيون الحارّة التي كثر الحديث عنها، فخرج بلباسٍ ودليلٍ وحصان دبّرها له البانيان الذي تتعامل معه السفينة. ويعرّف المحقق البانيان بأنهم التجّار الهندوس من الكجرات والسند، وكانت لهم جاليات تجارية قديمة في مسقط وموانئ الخليج.
ومن أجمل لحظات هذه الرحلة ما رواه عن صباحٍ في قرية: طلب من دليله قليلًا من الماء مع بضع تمرات، فأضافت امرأةٌ «قطعةً صغيرةً من أشدّ خبز الشعير سوادًا رأيته في حياتي لتُتمّ الوجبة، وأبت أن تأخذ قرشًا عرضتُه عليها مقابل ذلك». ثم يصف المكان حوله: بناءٌ أمامه حوض ماء تمدّه عيون، وحوله قليل من النخيل وشجر الرمان، «بما يكفي ليستحقّ اسم «بيت البستان»».
السوق الرئيسة لتجارة كبيرة
قبل أن يغادر مسقط يقف هيود ليقوّمها، فيرى أن قيمتها «إنّما ينبغي أن تقدَّر بوصفها السوق الرئيسة لتجارةٍ كبيرة». أما صادراتها الخاصة فيذكر منها التمر، وسبعة آلاف أو ثمانية آلاف كيس من البن، والكبريت، وقليلًا من الخيل والإبل. ويلاحظ أن الحركة والنشاط الدائمين وكثرة توافد الغرباء تجعل البلدة تبدو أكبر مما هي.
ويختم وصفه بصورةٍ جامعة: فمنظر البلدة ومبانيها متواضع بعض الشيء، «غير أنّ التجارة التي تمارسها بوصفها سوقًا، والسفن التي تؤمّ مرفأها، وعدد الناس الذين يقصدونها من كلّ أنحاء بلاد العرب، مع أسواقها المسقوفة المزوّدة بكلّ صنفٍ من البضائع بوفرةٍ مطلقة، كلّ ذلك يسهم في الجملة في أن يطبع في الذهن صورة ثروتها ورخائها ونشاطها التجاري». ويسجّل الحرارة عند الظهر: 82 درجة في البحر، و86 في الخليج الصغير، و90 في البلدة.
حاكم مسقط
يتحدث هيود عن «الإمام» الذي يقيم في قصرٍ قرب البحر، ويصفه بأنه أمير ذو شأن كبير. ويصحّح المحقق اسمه ونسبه: هو السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (1791–1856)، حاكم عُمان وزنجبار، تولّى الحكم سنة 1806، وعُرف بسعة تجارته وأسطوله، ونقل قاعدته إلى زنجبار، وهو حفيد الإمام أحمد بن سعيد مؤسس دولة البوسعيد، لا ابنه كما في الأصل.
الإبحار شمالًا
في الثامن عشر غادرت السفينة مسقط. وفي التاسع عشر شاهد الركّاب كسوفًا للشمس، ويروي هيود أن العرب والفرس والترك تسلّوا بمشاهدته «منعكسًا في أحواض ماءٍ على سطح المؤخّر». ثم مضت السفينة صعدًا في الخليج العربي نحو بوشهر، فالبصرة، حيث يبدأ القسم البري من رحلته.
عاصفةٌ في مرسى مسقط
في السادس عشر من الشهر نزل هيود إلى البرّ مرّة أخيرة، فاشتدّ الموج والريح «فصارا عاصفةً تامّة». واستأجر زورقًا ليعود إلى سفينته، فلم يستطع الزورق أن يمضي في الموج. ويقول إنهم كانوا سيهلكون جميعًا «لولا أن أنقذنا بلطف الله»، إذ انتشلهم من زورقهم المثقل رجال سفينة وصلت لحسن الحظ.
ولمّا بلغ سفينته وجدها تنجرف نحو صخرة شاهقة، لأن الربّان ألقى المرساة قريبًا جدًّا من الشاطئ. غير أن معاون الربّان كان «واقفًا يدخّن بلامبالاة البحّار الحقيقي». وقال لهيود إن المرساة جرّت وعلقت مرّتين أو ثلاثًا، فقد تثبت. ثم صاح بعد سكتة: «لقد ثبتت! فإلى العمل الآن». ويقول هيود إنه روى الحكاية بطولها «لأنّها تشرّف كثيرًا طبعَ بحّارٍ شجاع». وقضوا ليلة من القلق، «لكنّ الصبح طلع أخيرًا، وأشرقت الشمس بكلّ بهائها، وعمّ السلام».
من البرتغاليين إلى اليعاربة والبوسعيديين
يقول هيود إن البرتغاليين حصّنوا مسقط سنة 1650، «الذين كانوا قد استقرّوا فيها قرابة ثلاثين سنة». ويصحّح المحقق هذا: «كذا في الأصل، والثابت خلافه: فقد احتلّ البرتغاليون مسقط سنة 1507، وبنوا قلعتي الجلالي والميراني في ثمانينيّات القرن السادس عشر، وفي سنة 1650 أخرجهم منها الإمام سلطان بن سيف اليعربي».
ويذكر المؤلف أن العرب استعادوا مسقط بقيادة رجل يسمّيه «يوسف بن علي، أمير نورنواي». ويعلّق المحقق بأن هذا الاسم كذا في الأصل، وأن البرتغاليين أُخرجوا من مسقط سنة 1650 «في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي (حكم 1649–1679)، بعد أن ضيّق عليهم سلفه الإمام ناصر بن مرشد مؤسّس دولة اليعاربة».
ويقول هيود إن مسقط بقيت بعد ذلك حرّة، إلا مدّة قصيرة في عهد نادر شاه، ثم أخرج الفرسَ «أحمد بن سعيد، والي صُحار»، «فولّاه أبناء وطنه الممتنّون الحكم لأنّه خلّصهم من نيرٍ أجنبي». ويعرّفه المحقق: «هو الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤسّس دولة البوسعيد في عُمان»، بويع بالإمامة نحو سنة 1744، وتوفّي سنة 1783.
جزيرة خَرْج
وفي الصعود في الخليج بلغت السفينة جزيرة خرج، «وهي جزيرةٌ رمليةٌ منخفضة يُؤخذ منها الأدلّاء». ويذكر هيود أن في الطريق إلى أحد مزاراتها قناة طويلة تحت الأرض، «كانت تُعدّ فيما مضى لجلب الماء من سفح تلٍّ مقابل». ويذكر أيضًا أن للجزيرة ذكرًا في تاريخ المستوطنات الأوروبية، إذ لجأ إليها البارون كنيبهاوزن، المقيم الهولندي في البصرة، «مع نحو خمسين من الأتباع العازمين». ويعرّفه المحقق بأنه «وكيل الشركة الهولندية في البصرة».
ويوضح المحقق أن القناة «من القنوات الجوفية المعروفة في إيران بالقنوات أو «الكاريز»، وفي عُمان والإمارات بالأفلاج».
ويصف المؤلف القلعة بأنها «مبنيّةٌ بالحجر في الغالب، لها حصنٌ عند كلٍّ من زواياها الأربع». ويضيف المحقق أن القلعة «هولندية البناء»، وأن في الجزيرة «دَيرٌ نسطوريٌّ يعود إلى القرون الأولى للميلاد كُشف في القرن العشرين». ويصحّح ظنّ المؤلف في المغارات المنحوتة في جنوب الجزيرة، فهي «مدافن لا مساكن كما ظنّ المؤلف».
لؤلؤ البحرين
ويقول هيود إن البحرين لا تشتهر «إلا بمغاص اللؤلؤ، وببعض عيون الماء العذب في قاع البحر». ويضيف: «وأُخبرتُ أنّ اللآلئ أجود من لآلئ سيلان وأشدّ استدارة». ويعرّف المحقق تلك العيون بأنها «المعروفة في البحرين بالكواكب، كعين «القوع» وغيرها».
البصرة
وفي البصرة يذكر هيود روايتين عن نشأتها. ويردّهما المحقق: «كلا القولين لا يصحّ: فالبصرة مدينةٌ إسلاميةٌ أسّسها عتبة بن غزوان بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 14هـ أو 16هـ».
ويقول هيود إن نهرًا صغيرًا يقسمها، وإن محيطها «ثمانية أميالٍ كاملة»، لكن «لا يزيد المبنيّ منها على نصف المساحة الداخلة فيه». ويصف المؤلف المدينة بأن «القسم الأكبر من المساحة بين النهر والسور لا تشغله إلا البساتين ومزارع النخيل». ويقول إنها «صمدت مرّتين أمام ملوك الفرس، ولم يأخذها كريم خان إلا بعد حصارٍ طويل». ويذكر أن المقيم البريطاني كان له إسطبل «من أربعين أو خمسين من أجود الخيل العربية التي رأيتها في حياتي». ويشهد لأهل البصرة: «لم نلقَ قطّ داخل الأسوار أدنى مضايقةٍ أو قلّة أدب».
خاتمة
يرى هيود مسقط بعين ضابطٍ يحصي المدافع والسفن، لكنه لا يملك إلا أن يعجب بحيويتها التجارية وتسامح أهلها، ويحفظ في دفتره امرأةً قروية أبت أن تأخذ ثمن خبزها. وتأتي حواشي المحقق لتضبط الأسماء والأنساب، فتصير الصفحات شهادةً موثوقة على مسقط في مطلع القرن التاسع عشر.
المصدر
- الكتاب: «رحلة في الخليج العربي والطريق البري من الهند إلى إنجلترا (1817)»، تأليف: الملازم وليم هيود (William Heude)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الثالث «مسقط والصعود في الخليج العربي إلى البصرة»، ص 32–69 (السفينة وركّابها ص 34؛ الوصول إلى مسقط ووصفها ص 37–38؛ الأسواق والمذهب الإباضي ص 38–40؛ الرحلة إلى الداخل ص 45؛ العاصفة في المرسى ص 46–47؛ مسقط سوقًا ص 47–48؛ تاريخ مسقط وتصحيحات المحقق ص 48–50؛ الإمام ص 50؛ مغادرة مسقط ص 51؛ خرج ص 63–65؛ البحرين ص 65–66؛ البصرة ص 68–69).
- الصورة من الفصل الرابع، ص 76.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


