في أوائل ديسمبر 1816 رست السفينة التي تحمل جيمس سلك بكنغهام في مرفأ مسقط، وهو في طريقه إلى بومباي. وكان قد عاش قبل ذلك بين عرب اليمن والحجاز والعراق، فقارن مسقط بما عرف من مدن الجزيرة العربية. وخصّ مسقط بالفصل التاسع من رحلته، فوصف المرفأ والبلدة والحكومة والتجارة والعملة والناس ومطرح.
مرفأ بين الصخور
يحدّد المؤلف موقع المرفأ بخط العرض 23° 38' شمالًا وخط الطول 59° 15' شرقًا. ويصفه بأنه «خليجٍ صغيرٍ أو جونٍ نصف دائريّ»، تحيط به من كل الجهات، إلا عند مدخله، «صخورٌ شاهقةٌ شديدة الانحدار جرداء». ولا يزيد طوله على نصف ميل، ولا عرضه على ربع ميل «من حصنٍ إلى حصن، وهما يحرسان المدخل من الشرق والغرب».

ويشرح مواضع الرسوّ. فالسفن الحربية والسفن العابرة ترسو عادةً في الخارج. أمّا السفن التجارية التي تتسلّم البضائع أو تفرغها فترسو أقرب إلى البلدة. وبين الحصنين مرسى أوسط، «وهو الموضع الذي ترسو فيه عادةً فرقاطات الإمام وسائر السفن الكبيرة».
ويعرّف المحقق «الإمام» في كلام المؤلف: «هو السيّد سعيد بن سلطان البوسعيديّ (حكم 1806-1856م)، الذي امتدّ ملكه إلى زنجبار وساحل شرق أفريقيا». ويضيف أن حكّام آل بوسعيد كانوا يُلقَّبون عند الأوروبيين بالإمام، «وإن كان السيّد سعيد يُلقّب بالسيّد والسلطان».
البلدة والسور والحصون
تقع البلدة عند أسفل التلال في الربع الجنوبي الغربي من الجون. ويقول المؤلف إنها «غير منتظمة الشكل، متواضعة البناء»، ولا يبدو فيها مبنى جيد إلا مقرّ الإمام وبيوت قليلة لأقاربه وكبار رجال الحكومة. ويحيط بها سور من جهة البرّ وحدها، «أمّا الجزء المواجه للبحر فمفتوحٌ كلّه».
ويذكر أن للدفاع عنها من جهة البحر «ثلاثة حصونٍ رئيسة». ويعلّق المحقق: «أشهرها قلعتا الجلالي والميراني، اللتان بناهما البرتغاليون في أواخر القرن السادس عشر، ولا تزالان قائمتين على جانبي مرفأ مسقط».
ويقدّر المؤلف سكّان البلدة المسوّرة بعشرة آلاف، ويقول إن هذا التقدير مأخوذ، «كما يقولون هنا، من إحصاءٍ حديثٍ للسكّان المقيمين». ونحو تسعة أعشارهم عرب. والباقون في الغالب من البانيان وغيرهم من الكجرات وبومباي، «يُعامَلون بلينٍ وتسامحٍ كبيرين». ويعرّف المحقق البانيان بأنهم «طائفةٌ من التجّار الهندوس، أكثرهم من الكجرات والسند، كان لهم حضورٌ تجاريٌّ قديم في مسقط ومطرح». ووراء السور ضاحية من أكواخ القصب والعرائش يقدّر سكّانها بثلاثة آلاف.
حدود الدولة واسم عُمان
يقول المؤلف إن سلطة الإمام تمتد «من رأس الحدّ في الجنوب الشرقيّ إلى خورفكّان قرب رأس مسندم في الشمال الغربيّ». ويذكر أن هذه الأراضي كلها تسمّى عُمان، ويربط الاسم بالأمان. ويصحّح المحقق: «هذا اشتقاقٌ شائعٌ عند الأوروبيين؛ واسم «عُمان» أقدم من ذلك، وقد اختلف المؤرّخون العرب في أصله، ولا صلة له في الأرجح بالأمان».
ويصف المؤلف داخل البلاد بأنه جبلي، تحبس جباله السحب وتنزل الأمطار فتخصب الأودية. «وفي هذه الأودية حقول القمح، وبساتين الفاكهة، ومراعٍ ممتازةٌ للماشية». أمّا السهول قرب الساحل فتنتج «وفرةً من التمر»، وتمتد على حافتها بلدات صغيرة للصيد.
الإيرادات والجمارك
يذكر المؤلف أن إيرادات الإمام تأتي في الغالب من تجارة الميناء: «فلا تُجبى ضرائب على الأرض ولا على الماشية في ممالكه كلّها». ويُؤدّى عن القمح والتمر العشر عينًا. أمّا رسوم التجارة فـ«خمسةٌ في المئة من القيمة، يدفعها الغرباء من كلّ صنف؛ واثنان ونصفٌ في المئة يدفعها العرب وسائر الأعلام الإسلامية». ولا رسوم على التصدير تقريبًا. وينقل أن الرأي العام يقدّر ما تجبيه الجمارك بعشرين لكًّا من الروبيات في السنة على الأقل.
تجارة تمتد من البنغال إلى زنجبار
يقول المؤلف إن تجارة مسقط كانت في حياة والد الإمام أكبر كثيرًا. ويعرّف المحقق والد الإمام: «هو السيّد سلطان بن أحمد البوسعيديّ (حكم 1792-1804م)». ويشرح المؤلف السبب: كانت سفن مسقط يومئذٍ «ناقلي الهند تحت علمٍ محايد»، والإنجليز والفرنسيون في حرب بحرية، فصار ميناؤهم، «كمالطة في البحر المتوسّط»، مستودعًا للبضائع.
ويذكر أن تجارة مسقط في زمنه تقوم على نحو عشرين سفينة كبيرة وأربعين أو خمسين من البغلات والداوات. والسفن الكبيرة، من ثلاثمئة طن إلى ستمئة، تذهب إلى البنغال للموسلين والأقمشة، وإلى الجزر الشرقية للعقاقير والتوابل، وإلى ساحل مليبار «لخشب السفن والأرزّ والفلفل»، وإلى بومباي للسلع الأوروبية ومنتجات الصين. وتحمل السفن الأصغر هذه البضائع إلى البصرة وبوشهر والبحرين، «فتجلب منها التمر واللؤلؤ والريالات، مع قليلٍ من النحاس».
ريال فرانسه وأبو طوب
يخصّ المؤلف العملة بفقرة. يقول إن الريال الألماني هنا أكثر تداولًا من الريال الإسباني. ويسمّي الأول «ريال فرانسه»، والثاني «أبو طوب»، أي «أبو المدفع». ويعلّل الاسم الثاني بأن عمودي الشعار الإسباني يُظنّ أنهما يمثّلان مدفعين.
ويوضح المحقق: «الريال الألمانيّ» هو «ريال ماريا تيريزا النمساويّ، الذي شاع في الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، ويُسمّى «ريال فرانسه» أو «أبو طيرة»».
ويذكر المؤلف أن الريال الألماني يجري بواحد وعشرين «محمّدية»، «وهي عملةٌ صغيرةٌ من عملات مسقط». ويقول إن العملات كلها تنال قيمتها بمعدنها من الصرّافين، «وهم في الغالب من البانيان».
النفير بدل الجيش الدائم
يقول المؤلف: «وليس عند العرب جيوشٌ دائمة؛ بل يُدعى كلّ رجلٍ قادرٍ على حمل السلاح إلى أن يصير جنديًّا متى احتيج إلى خدماته». والذين يُبقون على الدوام في الأجر قادة قليلون يتولّون حصون مسقط ومطرح وبركاء، ومعهم نحو مئة مدفعي.
ويشرح كيف يُجمع الجيش: يكتب الإمام إلى المشايخ ورؤوس العائلات في الناحية المهدّدة، فيحشدون الرجال. ومخازن الإمام تقدّم الذخيرة، ورؤساء النواحي يقدّمون القوت ويُعوَّضون بالمال أو بالإعفاء من العشور. ويذكر أن هذه النفقات تثقل على الإمام في وقت كتابته، «والإمام له جيشٌ من عشرين ألف رجلٍ في الميدان»، على إيرادات مينائه المتناقصة. ويذكر أن الوطنيين الأثرياء يقدّمون «هباتٍ طوعيةً من المال للمضيّ في الحرب».
اللباس والخنجر
يقول المؤلف إن لباس الرجال «قميصٌ وسروالٌ من الموسلين الرقيق فحسب»، ونعال من الجلد المشغول، وعمامة من القطن ذي المربّعات الزرقاء الصغيرة بحاشية حمراء وصفراء. ويذكر أن هذه العمامة «صناعةٌ خاصّةٌ ببلدة «صحار»». وفي الحزام خنجر معقوف، يعرّفه المحقق: «هو الخنجر العُمانيّ، رمز الزيّ التقليديّ في عُمان، ويظهر اليوم في شعار السلطنة».

ويلاحظ المؤلف بساطة الثياب عند الجميع، حتى إن ثياب الأمير كلها، من غير سلاحه، لا يمكن أن تكون كلّفت «أكثر من نحو جنيهٍ إنجليزيّ».
الجمرك والبورصة
يصف المؤلف الجمرك بأنه «ساحةً مكشوفةً مربّعةً من عشرين قدمًا»، حولها مصاطب، وسقفها مغطّى للوقاية من الشمس. ويقول إن موضع النزول هذا «هو أيضًا البورصة التجارية». ففيه يجتمع كبار التجّار في برد الصباح وبعد العصر، بعضهم على مدافع قديمة، وبعضهم على صوارٍ ولفائف حبال، «يمسحون لحاهم ويعدّون مسابحهم». ويضيف أن الغريب إذا صار بينهم «وجد التجارة تستغرق كلّ حديثهم وأفكارهم».
ويقول المؤلف إنه لم يرَ مسجدًا يُدرك بالقباب والمآذن. ويوضح المحقق: «يُفهم من عبارته أنّ مساجد مسقط لم تكن ذات قبابٍ ومآذن ظاهرة على الطراز العثمانيّ أو الفارسيّ، وهو شأن كثيرٍ من المساجد العُمانية التقليدية؛ لا أنها خلت من المساجد».
أمان البلد
يرى المؤلف أن من أعظم ما تتميّز به مسقط على سائر المدن العربية «الاحترامُ واللطف اللذان تبديهما طبقات سكّانها كلّها للأوروبيين». ويقول إن كل أحد في البلدة، «حتى الإمام نفسه، يمشي على قدميه».
ويقول إن هذه السكينة ترجع إلى «وداعة طبع الناس، لا إلى إحكام نظام الشرطة». فليس في البلدة دوريات ولا حرّاس إلا عند الحصون. «ومع ذلك تُترك شحناتٌ كاملةٌ من البضائع، وأموالٌ من كلّ صنف، مكشوفةً على رصيف الجمرك وفي الطرق، بلا خوفٍ من النهب».
وينقل المؤلف عن الأب رينال قوله في أهل مسقط: «ليس في المشرق شعبٌ أُثني عليه عامّةً بالأمانة والاعتدال والأنس كما أُثني عليه». ويعقّب المؤلف بأن هذه الصفة «لا تزال تنطبق على حالهم الحاضرة».
من ألبوكيرك إلى اليعاربة
يروي المؤلف تاريخ مسقط «على قدر ما هو معروفٌ في السجلّات الأوروبية». ففي أوج القوة البرتغالية في بحار الهند، كانت هرمز المخزن الرئيس لتجارة الخليج العربي، وكان ميناء مسقط ينافسها. فاستولى عليه ألبوكيرك «نحو سنة 1507»، وسعى إلى تحويل تجارته إلى هرمز. فلما فقد البرتغاليون هرمز سعوا إلى تركيز تجارتهم في مسقط.
ويقول المؤلف إن المصادر الأوروبية تتفق «على أنّ البرتغاليين طُردوا آخر الأمر من مسقط على يد العرب». ويحدّد المحقق التاريخ والقادة: «طُرد البرتغاليون من مسقط سنة 1650م على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربيّ، بعد أن حاصرهم الإمام ناصر بن مرشد».
ويلاحظ المؤلف أنه لا توجد في زمنه بقايا ظاهرة لما وصفه بعض الكتّاب الأوروبيين من عظمة البرتغاليين في مسقط، «في التحصينات والكلّيات والكنائس والقصور والمنازل الخاصّة».
مطرح والماء والمؤن
إلى الشمال الغربي من مسقط تقع مطرح، ويقول المؤلف إنها «مرفأٌ لا يقلّ جودةً عن مسقط». وهي أقلّ تجارة، لكن فيها بيوت حسنة البناء أكثر، «لأنها مقامٌ أبرد وأطيب».
ويقول إن اللحم والخضر والفاكهة وافرة في مواسمها، «ممتازة الجودة رخيصة الثمن؛ والسمك ليس في مكانٍ أوفر ولا أطيب منه هنا». والماء يُجلب من عيون في التلال إلى صهريج في مسقط، تُملأ منه براميل السفينة في ساعات قليلة.
ألفاظ البحر
يختم المؤلف وصفه بملاحظة لغوية. فأسماء الصواري والأشرعة والحبال على سفن مسقط الكبيرة مزيج من العربية والفارسية والهندية والهولندية والبرتغالية والإنجليزية. ويذكر أن ألفاظ «بنديرا» و«بوسولا» و«أرمادا» بقايا من البرتغالية، معناها العلم والبوصلة والسرب، «وفي العربية «بيرق» و«ديرة» و«سنجار»».
ويذكر أيضًا أن البحّارة العرب يوجدون في مسقط دائمًا، وأن السفن تُسحب إلى الشاطئ عند المدّ العالي للإصلاح، وفي البلدتين «صنّاع سفنٍ وقلفاطون حاذقون في صناعاتهم».
وبعد خروج السفينة من مسقط لمح المؤلف علامة على الساحل يسمّيها البحّارة «فجوة الشيطان». ويشرحها المحقق بأنها «تسميةٌ ملاحية لانخفاضٍ في الجبال على الساحل جنوب شرق مسقط». ويذكر المؤلف بعدها قلهات، ويعرّفها المحقق بأنها «مدينةٌ تاريخية على ساحل عُمان قرب صور، كانت من أهمّ موانئ مملكة هرمز، وزارها ابن بطوطة».
إلى بومباي
غادر المؤلف مسقط على السفينة «فستال». وبعد أيام دخل مرفأ بومباي ورسا «سالمين قبل الغروب». ويقول إنه نزل إلى البرّ ولقي أصدقاءه الذين تركهم قبل نحو اثني عشر شهرًا. وكانت بشرته قد تغيّرت بحرّ الصحراء، و«صارت لحيتي الكاملة الداكنة وثيابي الشرقية جزءًا منّي»، فاحتاج من عرفوه إلى وقت ليألفوا هيئته الجديدة.
ويذكر المؤلف في حاشية أن جزءًا من وصفه لمسقط نُشر سنة 1829 ليرافق منظرًا محفورًا لمسقط «عن رسمٍ للكولونيل جونسون من مهندسي بومباي»، وأن الصورة المرافقة للفصل نسخة أمينة منه.
خاتمة
غادر بكنغهام مسقط في 5 ديسمبر 1816 بنسيم قوي إلى بومباي. وترك في فصله صورة مفصّلة لميناء عربي في عهد السيّد سعيد بن سلطان: مرفأ بين الصخور، وجمرك صغير هو بورصة المدينة، وريال فرانسه وأبو طوب والمحمّدية، وجيش يُجمع بالنفير، وأمان يترك الأموال على الرصيف. وتضبط حواشي المحقق الأعلام والمصطلحات، وتصحّح ما شاع عند الأوروبيين من اشتقاق اسم عُمان.
المصدر
- الكتاب: «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816»، تأليف: جيمس سلك بكنغهام (James Silk Buckingham)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل التاسع ص 166–196 (المرفأ ص 166–168، البلدة والحصون والسكان ص 168–169، الحدود والأودية ص 169–170، الإيرادات والتجارة ص 170–172، العملة ص 173، النفير ص 174، اللباس ص 177، الجمرك والمساجد ص 178، أمان البلد ص 179–180، التاريخ ص 180–182، مطرح والمؤن ص 183، ألفاظ البحر ص 185، فجوة الشيطان ص 185، قلهات ص 189، الوصول إلى بومباي ص 196؛ حاشية المؤلف عن اللوح ص 166).
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


