البصرة سنة 1663: مرفأٌ يأتيه كلّ طيّبٍ من الشرق والغرب

في سنة 1663 عاد الأب اليسوعي البرتغالي مانويل غودينيو من الهند إلى البرتغال من طريقٍ «جديد» يجمع البر والبحر، فمرّ بمسقط وبندر عباس وهرمز، ثم صعد إلى البصرة، ومنها مضى في الصحراء.

عن كتاب «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)» · الأب مانويل غودينيو اليسوعي · تحقيق: أحمد علي المرر

الأب مانويل غودينيو اليسوعي٨ دقائق

في سنة 1663 عاد الأب اليسوعي البرتغالي مانويل غودينيو من الهند إلى البرتغال من طريقٍ «جديد» يجمع البر والبحر، فمرّ بمسقط وبندر عباس وهرمز، ثم صعد إلى البصرة، ومنها مضى في الصحراء. وقد اختار المحقق من كتابه الفصول المتعلقة بالخليج العربي، فترجمها في «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)». وفي الفصل السادس عشر يخصّ غودينيو البصرة بوصفٍ مفصّل، يبدو فيه مأخوذًا بحيويتها التجارية وبساتين نخلها.

مدينةٌ من كل الأمم

يبدأ غودينيو بالحديث عن سكّان المدينة: «وهي كثيرة السكّان جدًّا، يزيد أهلها على مئة ألف بيت، من العرب والترك والفرس والأرمن واليعاقبة والصابئة والهنود، ومن كلّ أمّة، يأتونها لأجل التجارة مع الهند». ويصف أبنيتها بأنها في الغالب من الطين المخلوط بالقار، «وهو صلبٌ حتى لَيبدو آجرًّا»، أما بيوت الأغنياء فأساساتها من الحجر يجلبونه من فارس، إذ ليس في أرض البصرة حجر. ويذكر أن فيها نحو خمسين مسجدًا، وأن المدينة محاطة بأسوار عالية من الطين.

خريطة قديمة لنواحي البصرة وقراها وجزرها، كما وردت في الكتاب
«Delineatio Regionis Bassora cum Pagis»: خريطة نواحي البصرة وقراها وجزرها، تظهر فيها مدينة البصرة ودير الكرمليين الحفاة، وملتقى دجلة والفرات عند القرنة (صورة أضافها المحقق)المصدر: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، ص 90طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: نقشٌ على النحاس، بين 1650 و1689، المتحف البريطاني (1898,0725.8.1475)

ويعود المحقق إلى البصرة القديمة التي يذكرها المؤلف، فيعرّف مؤسسها عتبة بن غزوان المازني رضي الله عنه، ويصحح بأنه قاد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجيش الذي فتح الأُبُلّة سنة 635م، وهو الذي اختطّ البصرة.

أقفالٌ من خشب

من الملاحظات الطريفة في النص أن الخشب في البصرة قليل جدًّا، يأتيها كله من الهند ويباع بالذراع، وكذلك الحديد، «ولهذا يكثرون من استعمال المفاتيح والأقفال من الخشب، وهو أمرٌ ظريفٌ جدًّا». ويصف شوارعها الكثيرة المسقوفة، وفيها دكاكين الصنّاع ومتاجر التجّار. ويروي أنه رأى في سوقها أول مرة الجراد يُباع، والناس يتخاطفونه، يطبخونه في الماء والملح، ويحملونه زادًا مجففًا إذا ركبوا البحر، ويعترف بأنه أكله فوجده طيّبًا.

«أمتع نزهةٍ في الدنيا»

يبلغ إعجاب غودينيو ذروته حين يصف ضواحي البصرة: «والخروج من البصرة، في رأيي، أمتع نزهةٍ في الدنيا كلّها». ويمضي في الوصف: فأنت تسير، برًّا أو بالقارب في النهر، في ظلال الأشجار، «ترى النخيل الأخضر، والبساتين العظيمة، والحدائق النضرة، والأزهار الجميلة». ويرى أن الدخول ليس دون الخروج بهجةً؛ فإذا بلغ المرء الماء العذب «لم تقع العين على ضفّتي النهر إلّا على نخيلٍ متّصلٍ وأشجارٍ متتابعة».

وهي كثيرة السكّان جدًّا، يزيد أهلها على مئة ألف بيت، من العرب والترك والفرس والأرمن واليعاقبة والصابئة والهنود، ومن كلّ أمّة، يأتونها لأجل التجارة مع الهند
الأب مانويل غودينيو اليسوعي«الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»

أدلّاء يعرفون النهر من رائحة الطين

يصف المؤلف المرفأ بأنه «آمنٌ جدًّا، وواسعٌ»، فيه عمقٌ كافٍ لرسوّ السفن الكبيرة على امتداد أربعة عشر فرسخًا، لكن الدخول ليس سهلًا؛ فلا بد للسفن من أدلّاء يُؤتى بهم من جزيرة خارك. ويشرح أن في وسط المصبّ جزيرتين صغيرتين تتفرّع حولهما المجاري، وأن مجرى «نهر البصرة» وحده فيه عمقٌ للسفن الكبيرة، وقد جعلوا له علامات يسمّونها «البُويات». ثم يضيف جملةً تختصر خبرة الملّاحين: «ومن الأدلّاء من بلغ من الحذق أن يعرف في أيّ نهرٍ هو من رائحة الطين». وينبّه المحقق إلى أن مجاري المنطقة تغيّرت كثيرًا منذ ذلك الحين.

أغنى مرافئ ذلك البحر

يعدّد غودينيو ما تحمله إلى البصرة «أربعون سفينةً أو أكثر من الهند» كل سنة: الثياب الرقيقة، والحديد، والخشب، والفلفل، والعنبر، والقرفة، والقرنفل، وجوز الطيب، واللبان الجاوي وغيرها، ويذكر أنها تجد منفذًا إلى تركيا ومنها إلى إيطاليا وفرنسا. ولا تأتيها بضائع الهند وحدها، بل بضائع فارس وأرمينية والشام وغيرها، ولذلك يقول: «وفي رأيي أنّ البصرة أغنى مرافئ ذلك البحر، لأنّ إليها يأتي كلّ طيّبٍ من الغرب والشرق».

ويصف تجّارها بأنهم «بلغوا من سعة المال أن لو جاءتها مئتا سفينة لأعطوها كلّها حمولتها في شهر». ومن بضائع البلد نفسه صناديق مربّى السفرجل، والتمر الكثير، وأكثر اللؤلؤ الصغير الذي يُغاص عليه في البحرين.

التمر: قوت العرب جميعًا

يخصّ المؤلف التمر بفقرةٍ ممتعة: فبعضه يُجنى حين يبدأ يحمرّ، فيُطبخ في قدورٍ كبيرة ثم يجفف في الشمس حتى يصير صلبًا حلوًا، ومن بعضه يصنعون الدبس، وأكثره يتركونه حتى ينضج ويكبسونه ويدّخرونه، «وهو قوت العرب جميعًا».

ويروي كيف عرف في سوق البصرة سرّ النخل: رأى طلع النخل يُباع وهو في الزهر، فسأل عنه، فأجابوه بأنه زهر النخيل الذكور الذي لا تثمر الإناث بدونه. ويشرح المحقق أن هذا هو «التنبيت» أو «التأبير» المعروف عند أهل النخل منذ القدم.

فرسانٌ ونهران

ويصف غودينيو أهل البصرة بأنهم «فرسانٌ عظام»، تقام كل يوم بعد الظهر مطاردة عامة في ساحات معيّنة يحضرها الأعيان والجند بخيولهم. ثم يتحدث عن النهرين العظيمين، دجلة والفرات، اللذين يجعلان ما على ضفافهما صالحًا للسكنى، وهما صالحان للملاحة إلى «بابل»، ويريد بها بغداد كما يبيّن المحقق، بمراكب كبيرة عريضة مسطّحة تحمل بضاعة كثيرة، «وفي الصعود تُجرّ بالحبال، وفي النزول بالمجذاف والشراع».

بساتين على أبواب البيوت

يقول غودينيو إن أكثر شوارع البصرة «صالحةٌ للملاحة بجداول تتفرّع من الفرات»، تسقي البساتين والحدائق وتمدّ البيوت بالماء، «إذ تجري عند أبوابها». ويصف البساتين بأنها «نضرةٌ بهيجة، ملأى بالأشجار والأزهار والورود والآس». ويضيف: «وما في إسبانيا فاكهةٌ إلّا وتوجد في تلك المدينة بوفرة، وفوق ذلك تمرٌ كثير».

ويذكر أن من بضائع البلد نفسه «صناديق مربّى السفرجل، وتمرٌ كثير، وأكثر اللؤلؤ الصغير»، الذي يغوص عليه في البحرين «عربُ القطيف والبصرة».

الصابئة المندائيون

يذكر غودينيو جماعة يسمّيها البرتغاليون «نصارى القدّيس يوحنّا»، ويقول إن أهل تلك النواحي يسمّونهم «الصابئة». ويصحّح المحقق التسمية: الصابئة المندائيون «جماعةٌ دينيةٌ قديمة في جنوب العراق والأهواز، يعدّون يحيى بن زكريا (يوحنّا المعمدان) آخر أنبيائهم وأعظمهم». ويضيف أن البرتغاليين سمّوهم نصارى القدّيس يوحنّا، «وهي تسميةٌ غير دقيقة، فليسوا نصارى».

ويقول المؤلف إن معاشهم «من كلّ الحِرف اليدوية، ولا سيّما الصياغة، من الذهب والفضّة». ويؤيّد المحقق ذلك: «وقد اشتهر الصابئة المندائيون في العراق بصياغة الذهب والفضّة، ولا سيّما في بغداد». ويذكر في حاشية أخرى أنهم يشترطون في التعميد الماء الجاري، «ويسمّون كلّ نهرٍ «يردنا»، أي الأردنّ».

البصرة بين الأمراء والعثمانيين

يقول غودينيو إن البصرة كان لها سنين كثيرة «ملوكٌ من أهلها»، وإن الترك أخذوها سنة 1547 في عهد ملك يسمّيه «محمد بن سنان». ويصحّح المحقق: «والمعروف أنّ أمير البصرة البدوي راشد بن مغامس خضع للعثمانيين سنة 1534، فصارت البصرة ولايةً عثمانيةً سنة 1538».

ويذكر المؤلف أن الترك أرادوا أن يصيروا سادة المضيق، فأرسلوا القوادس إلى القطيف والبحرين ومسقط. ويوضح المحقق أن المقصود حملات الأسطول العثماني في منتصف القرن السادس عشر، «ومنها حملة پيري ريس التي أخذت مسقط بعد حصارٍ دام شهرًا، ثم حاصرت هرمز ولم تأخذها».

ويشرح المحقق حال البصرة في زمن الرحلة: ففي سنة 1596 باع الوالي العثماني ولاية البصرة لرجل من أهلها اسمه أفراسياب، «فبقيت البصرة نحو سبعين سنة ولايةً وراثيةً في أفراسياب وذرّيته، تحت سيادة العثمانيين الاسمية، إلى سنة 1668».

ويقول غودينيو إن الباشا «يستطيع أن يُخرج إلى الميدان عشرة آلاف فارس، وأربعين ألف راجل». ويضيف أنه رأى له في دار الصناعة ما يجهّز به «مئة ترّادة، وثلاث قوادس أو أربعًا».

من أين ينبع النهران؟

يقول المؤلف إن الفرات ينبع «من بحيرةٍ تسمّى «چيلدير گول»». ويصحّح المحقق: «والصحيح أنّ الفرات لا ينبع منها، بل يتكوّن من التقاء فرعين في شرق تركيا، هما «قره صو» أو الفرات الغربي، و«مراد صو» أو الفرات الشرقي».

وفي دجلة يذكر غودينيو أن الميديين سمّوه «تيگريس»، «ومعناه عندهم السهم». ويشرح المحقق أصل الاسم: «أصل اسم دجلة في اليونانية Tigris من الفارسية القديمة «تيگرا»، ومن الأكّادية «إديگلات»، ومنه جاء الاسم العربي «دجلة»». ويذكر أن دجلة ينبع «من بحيرة هزار في جبال طوروس قرب ألازيغ».

ويقول المؤلف إن النهرين يلتقيان عند جزيرة القرنة، وإن تيار الفرات «من القوّة بحيث يُحسّ به على عشرين فرسخًا قبل أن تبلغ المراكب مصبّه». ويعرّف المحقق القرنة بأنها «بلدةٌ في جنوب العراق، على نحو 74 كم شمال غرب البصرة، عند ملتقى دجلة والفرات حيث يتكوّن شطّ العرب».

صناعة التمر

ويفصّل غودينيو طرق إصلاح التمر: «فبعضه يجنونه حين يبدأ يحمرّ، فيطبخونه على النار في قدورٍ كبيرة، ثم يجفّفونه في الشمس حتى يصير صلبًا». ويقول إنهم يسمّون هذا «كونگوس»، «وهو لذيذٌ حلوٌ جدًّا». ويذكر أنهم يصنعون من بعضه المعقود والخلّ والدبس، وأن أكثره يُترك حتى ينضج، ثم يُكبس ويُدّخر قوتًا.

ويقول عن المناخ إنه «بين الحسن والسيّئ: ففي الصيف حرٌّ مفرط». ويذكر أن البصرة يأتيها من البلاد التي في أعلى النهر «قمحٌ وشعيرٌ وبقولٌ كثيرة، فتجعل تلك المدينة وافرة الأقوات».

أول قائدٍ برتغالي في النهرين

ويذكر المؤلف أن أوّل قائد برتغالي دخل النهرين بقوّة مسلّحة كان بلشيور دي سوزا، جاء نجدةً لملك البصرة على صاحب «الجزائر». ويعرّف المحقق الجزائر بأنها «إمارة «الجزائر» في منطقة الأهوار شمال البصرة». ويضيف: «كان البرتغاليون قد تدخّلوا في البصرة سنة 1529 في عهد حاكم الهند نونو دا كونيا».

الأرض بين النهرين

ويقول غودينيو إن النهرين «يجعلان جزءًا من البادية صالحًا للسكنى، وهو ما على ضفافهما». ويصف الأرض بأنها «خصبةٌ جدًّا بالقمح والشعير، لأنّها مقطّعةٌ بقنواتٍ من الفرات تسقيها وتخصبها». ويقول عن النهرين: «ومياههما دائمًا عكرةٌ موحلة، والسمك فيهما طريٌّ طيّب الطعم».

خاتمة

يرسم الأب غودينيو صورةً لبصرة القرن السابع عشر: مدينة من كل الأمم، وسوقٌ يلتقي فيه الشرق بالغرب، وبساتين نخلٍ لا تنتهي، وأدلّاء يقرؤون الماء بأنوفهم. وتقف حواشي المحقق إلى جانب النص، فتصحّح التواريخ، وتعرّف الجماعات والأسماء، وتنبّه إلى ما تغيّر من معالم المكان.

المصدر

  • الكتاب: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، تأليف: الأب مانويل غودينيو اليسوعي (Manuel Godinho)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل السادس عشر «وصف البصرة ومرفئها، ومن أين ينبع النهران دجلة والفرات وأين ينتهيان، وكيف تُحمل عليهما توابل الهند إلى تركيا وفرنسا وإيطاليا»، ص 84–95 (السكان والأبنية ص 84؛ المساجد والأقفال والجراد والنزهة ص 85؛ المرفأ والأدلّاء والسفن ص 86؛ التجّار والتمر والتأبير ص 87؛ الفروسية والصابئة ص 88–91؛ الأمراء والعثمانيون وأفراسياب ص 91–92؛ منابع النهرين ص 92–93؛ القرنة ص 94؛ النهران والمراكب والبرتغاليون ص 95؛ الخريطة ص 90).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة