من البصرة إلى الأهواز سنة 1831: داود باشا ومشروع البواخر وأطلال كارون

في ربيع 1831 كان الضابط الإنجليزي ج. هـ. ستوكيلر عالقًا في البصرة، يبحث عن طريق برّي إلى أوروبا.

عن كتاب «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)» · ج. هـ. ستوكيلر · تحقيق: أحمد علي المرر

ج. هـ. ستوكيلر٩ دقائق

في ربيع 1831 كان الضابط الإنجليزي ج. هـ. ستوكيلر عالقًا في البصرة، يبحث عن طريق برّي إلى أوروبا. وكانت المدينة قد أصابها الطاعون، وبغداد في نزاع بين واليها داود باشا والباب العالي. فخصّص المؤلف الفصل الثالث من كتابه لسيرة داود باشا ولمقترح تسيير البواخر في دجلة والفرات، ثم روى في الفصل الرابع رحلته صعودًا في نهر كارون إلى أطلال الأهواز.

نقرأ هنا ما في الفصلين من معلومات عن العراق وخوزستان في تلك السنة، مع حواشي المحقق التي تضبط التواريخ وتعرّف الأعلام والمواضع.

البصرة في أيام الطاعون

عاد المؤلف إلى البصرة بعد رحلة قصيرة، فوجدها قد تبدّلت في سبعة أيام. يقول: «فقد انتشر خبر اقتراب الطاعون، فبثّ الذعر في أرجاء المدينة، ودفع الألوفَ من أهلها إلى الفرار منها». ويصف المشهد: «فالدكاكين مغلقة، والتجارة واقفة، والشوارع مقفرة، والبيوت خالية». والخور الذي كان يضجّ بالحركة «لا يكاد يتحرّك على صفحته قارب».

رسم لباخرة تغرق في عاصفة على نهر الفرات وباخرة أخرى قريبة منها
غرق الباخرة «تيغريس» في عاصفةٍ على الفرات، كما رُئيت من الباخرة «يوفريتس»، أثناء بعثة الفرات البريطانية (1835–1837) لتجربة الملاحة البخارية في النهر (صورة أضافها المحقق)المصدر: «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»، ص 50طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: رسم إستكورت، 1836

ويروي طرفة عن الآغا فارسيغ، وكيل المقيمية الأرمني. فقد أخبره المؤلف أن على مركب المقيم ثلاث «حالات» طاعون، فظنّ الرجل أن الكلمة الإنجليزية تعني «صندوقًا». ويشرح المحقق: «يلعب المؤلف على لفظ «case» في الإنجليزية، فهو يعني «الحالة» المرضية، ويعني كذلك «الصندوق» الذي تُعبّأ فيه البضاعة».

من هو داود باشا؟

يقول المؤلف إنه منذ عهد سليمان باشا الكبير وخلفه علي باشا «لم يظهر على رأس الباشوية رجلٌ أوفر عقلًا، وأوسع سلطانًا وأشدّ استبدادًا من داود». ويعرّف المحقق سليمان باشا الكبير بأنه «من ولاة المماليك في العراق، تولّى ولاية بغداد والبصرة وشهرزور سنة 1780، وحكم إلى وفاته سنة 1802». ويضيف أنه «في عهده أُذن سنة 1798 بتعيين وكيلٍ بريطانيٍّ دائمٍ في بغداد».

ويروي المؤلف أن داود كان قبل نحو ستة عشر عامًا «الدفتردار أفندي». ويشرح المحقق اللقب: «الدفتردار: لقبٌ عثمانيٌّ أصله فارسيّ، معناه «صاحب الدفاتر»، وكان يُطلق على المسؤول عن الشؤون المالية وسجلّات الضرائب». ويقول المؤلف إن داود اعتزل زمنًا «متستّرًا بقناعٍ لا طموح فيه، هو قناع أستاذٍ للفقه». ثم خرج إلى إقليم الخالص، وعاد فتولّى الحكم. ويعرّف المحقق الخالص بأنها «بلدةٌ في محافظة ديالى بالعراق»، على نحو 55 كيلومترًا شمال شرق بغداد.

بين كرمانشاه والسليمانية

يذكر المؤلف أن داود استعان في أول أمره بمحمد علي ميرزا، أمير كرمانشاه، ثم صار هذا الأمير خصمه، فزحف «حتى كاد يبلغ أسوار بغداد». ويروي المحقق القصة كاملة: «وفي الحرب العثمانية الفارسية (1821–1823) زحف على بغداد وحاصرها، فدافع عنها داود باشا، وفي طريق عودته إلى كرمانشاه أصيب بما يُظنّ أنه الهيضة (الكوليرا) فمات سنة 1821، ودُفن في كربلاء».

وإنّ نفع هذين النهرين العظيمين بوصفهما طريقًا للنقل إلى رأس الخليج العربي أمرٌ واضحٌ لكلّ من يتأمّل لحظةً موقعهما الجغرافي
ج. هـ. ستوكيلر«خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»

ويذكر المؤلف أيضًا صاحب السليمانية الكردي. ويعرّف المحقق السليمانية بأنها «قاعدة إمارة بابان الكردية التي قامت من القرن السادس عشر إلى سنة 1850». ويضيف أن البابانيين بنوا المدينة الحديثة سنة 1784. ويذكر المؤلف أن داود ضمن لمصلحته القبائل العربية الكبيرة في جنوب الباشوية، من المنتفق وبني لام. ويعرّف المحقق بني لام بأنها «قبيلةٌ عربيةٌ من وسط الجزيرة العربية وجنوب العراق، تنتسب إلى طيّئ».

جيش وترسانة ومطبعة

يذكر المؤلف أن داود سعى «بكلّ وسيلةٍ ممكنةٍ إلى إنشاء قوّةٍ عسكريةٍ نافعة». ويقول: «فكان حرسه ثلاثة آلاف رجلٍ مسلّحين على الطريقة الأوروبية، يدرّبهم ضبّاطٌ إنجليز وفرنسيون». وجعل ترسانته تحت إدارة إيطالي، وطلب الصنّاع الأوروبيين. ويضيف: «وكانت التدابير جاريةً للشروع في الملاحة في دجلة والفرات بالسفن البخارية».

ويوسّع المحقق هذه الصورة: «من أعمال داود باشا التي تذكرها المصادر: تطهير الأنهار والقنوات، وإنشاء الصناعات، وإصلاح الجيش بمعونة مدرّبين أوروبيين، وإنشاء مطبعة».

نهاية الحكم

يروي المؤلف أن الباب العالي طالب داود بالمال في أثناء الحرب مع روسيا، فوقع الخلاف. ثم أُرسلت قوّات من الباشويات المجاورة، «فقاوم، وصمد بضعة أشهر». ويضبط المحقق الوقائع: «سنة 1830 أصدر السلطان أمرًا بعزل داود باشا». ويضيف: «وفي سنة 1831 زحف الجيش العثماني بقيادة علي رضا باشا من حلب إلى العراق، فاستسلمت بغداد بعد حصارٍ دام عشرة أسابيع، وقد أنهكتها الفيضانات ووباء الطاعون».

ويظنّ المؤلف أن داود مقيم في مكان ما قرب البوسفور. ويكمل المحقق قصّته: «تذكر المصادر أنّ داود باشا عومل بعد استسلامه بالحسنى، وأنه توفّي سنة 1851 وهو شيخ الحرم النبوي في المدينة المنوّرة».

مشروع البواخر

يرى المؤلف أن دجلة والفرات طريق طبيعي إلى رأس الخليج العربي: «وإنّ نفع هذين النهرين العظيمين بوصفهما طريقًا للنقل إلى رأس الخليج العربي أمرٌ واضحٌ لكلّ من يتأمّل لحظةً موقعهما الجغرافي». لكنه يرى أن المشروع أكبر من أن ينهض به الأفراد، «ولا يمكن أن يُشرع فيه بنجاحٍ إلا بالاشتراك بين الحكومتين البريطانية والبغدادية».

ويعدّد العقبات. فأولًا «لا بدّ من بذل عنايةٍ كبيرةٍ في إزالة الصخور الكثيرة في أعالي الفرات». ثم لا بدّ من استمالة القبائل الساكنة على ضفاف النهرين. ثم يأتي بناء البواخر نفسها، «ويجب أن تكون على هيئةٍ مختلفةٍ كلّ الاختلاف عن السفن التي تجري في أنهار أوروبا وقنواتها»، ولهذا يرى أنها يجب أن تُبنى في الموضع الذي ستُستعمل فيه.

ويذكر المؤلف في حاشية أن ضابطًا من المدفعية البريطانية اشتغل بمسح الفرات اخترع قاربًا يلائم النهرين. ويرجّح المحقق: «لعلّه يريد فرانسيس رودن تشيسني (Francis Rawdon Chesney) (1789–1872)، ضابط المدفعية الملكية البريطانية الذي أُرسل إلى القسطنطينية سنة 1829، واقترن اسمه باستكشاف وادي الفرات».

قار هيت وقودًا

ويقترح المؤلف حلًّا لمشكلة الوقود في بلاد قليلة الحطب والفحم. يقول إن في جوار هيت على الفرات «عيونٌ كثيرةٌ من القار، يبدو أنه إذا مُزج بالزيت كان بديلًا ممتازًا من الوقود». ويعرّف المحقق هيت: «مدينةٌ في محافظة الأنبار بالعراق على الفرات، شمال غرب الرمادي، عُرفت منذ القدم بعيون القار». ويضيف أن قارها استُعمل «في بناء بابل قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وفي قلفطة القوارب».

لوحة قاجارية لملك جالس بلباس مرصّع
فتح علي شاه القاجاري، ملك فارس (حكم 1797–1834) (صورة أضافها المحقق)المصدر: «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»، ص 60طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: لوحةٌ لمهر علي، 1813–1814 (متحف الإرميتاج)

صعودًا في كارون

في السابع من مايو 1831 غادر المؤلف البصرة في زيّ عربي، قاصدًا تستر عن طريق نهر كارون. ويعرّف المحقق تستر: «تُستَر (Shuster في الأصل)، وتسمّيها إيران اليوم «شوشتر»: مدينةٌ قديمةٌ حصينةٌ في محافظة خوزستان». ويضيف أنها «اشتهرت بنظامها المائي القديم المسجّل في قائمة التراث العالمي لليونسكو».

ومرّ المركب بقناة الحفّار. ويشرحها المحقق: «الحفّار (Hafar في الأصل): القناة التي تصل كارون بشطّ العرب عند المحمّرة، وتنسبها المصادر إلى عضد الدولة البويهي». وبعد أميال قليلة اختفت بساتين النخيل، «ولم تعد ضفّتا النهر تبديان إلا شريطًا ضيّقًا من الطرفاء وغيرها من الشجيرات البرّية».

ومشى المؤلف على البرّ والجرّارون يجرّون المركب في النهر، فعبر خمسة من مجاري القنوات القديمة الجافّة. ويقول: «ولولا ما يظهر بين حينٍ وآخر من الظباء والأرانب وبنات آوى والذئاب والأسود لظنّ المرء الضفّتين مقفرتين تمامًا». ويعلّق المحقق على ذكر الأسود: «يريد الأسد الآسيوي، وقد كان إلى القرن التاسع عشر منتشرًا من جزيرة العرب وشرق تركيا وإيران وبلاد ما بين النهرين إلى وسط الهند».

أطلال الأهواز

في الحادي عشر من مايو بلغ المؤلف الأهواز. واستعان في ارتياد أطلالها بنجّار من «كَچ» مقيم هناك «يتكلّم الهندوستانية بإتقانٍ لافت». ويعرّف المحقق كَچ بأنها «إقليمٌ في غرب الهند، هو اليوم من ولاية گجرات».

ويعرّف المحقق الأهواز: «مدينةٌ على ضفّتي نهر كارون، وهي اليوم مركز محافظة خوزستان». ويشرح أصل اسمها: «والاسم في المصادر صيغة جمعٍ عربيةٌ من اسم «الهُوز» أهلِ الإقليم القدماء، ومنه اسم «خوزستان»».

ويقول المؤلف إنه قابل ملاحظاته بمخطّط الأهواز في كتاب الكابتن مينيان، وأشاد بدقّته. ثم يقول إنه توغّل شرقًا يطلب منتهى الأطلال، «ولكنّي بعد رحلةٍ تزيد على ثلاثين ميلًا عدلتُ عن الطلب».

ويذكر أنه وجد لاحقًا في بندر معشور أطلالًا على الطراز نفسه، «تكثر فيها الفخّاريات والزجاج البلّوري والفصوص المنقوشة بالخطّ الكوفي». ويعرّف المحقق بندر معشور بأنها «مدينةٌ ومرفأٌ في محافظة خوزستان، تسمّيها إيران اليوم «بندر ماهشهر»».

اليوناني نيقولا

لم تكتمل الرحلة إلى تستر، فعاد المؤلف إلى المحمّرة في 16 مايو. وهناك علم أن البصرة صارت معزولة، والطريق إليها مقطوع. فاستشار يونانيًّا مقيمًا هناك اسمه نيقولا، ويلقّب نفسه «صاحب خان نيقولا» بموجب فرمان من فتح علي شاه. ويعرّف المحقق الشاه: «فتح علي شاه القاجاري (1772–1834): ثاني ملوك الأسرة القاجارية في فارس، حكم من سنة 1797 إلى وفاته».

ويروي المؤلف سيرة نيقولا العجيبة: وُلد في جزيرة كورفو لأب إنجليزي وأمّ يونانية، وعمل في البحر، ثم خدم في فوج صقلّي، ثم تاجر في الآثار الإغريقية، ثم دخل الجيش الفارسي، وصار قائدًا عند البختيارية، ثم عُيّن حاكمًا لتستر.

طبيب بلا شهادة

أشار نيقولا على المؤلف أن يعرض خدماته طبيبًا على شيخ المحمّرة، ليظفر بعونه في اجتياز البلاد إلى فارس. فعرض المؤلف صندوق أدويته، وشرح «فضائل الكالوميل والأفيون المحلول (اللودنوم) والراوند». ويشرح المحقق هذين الدواءين. فالكالوميل «كلوريد الزئبق، استُعمل دواءً من القرن السادس عشر إلى أوائل القرن العشرين، مع أنه كثيرًا ما سبّب التسمّم بالزئبق». واللودنوم «صبغةٌ من الأفيون المذاب في الكحول، كانت تُستعمل مسكّنًا قويًّا للألم».

ويعترف المؤلف بأنه كان «يجهل أسرار الجراحة جهلًا تامًّا». ويقول إنه قضى سبعة أيام في هذا العمل، وإنه حرص «على أن أتجنّب إتلاف حياة إنسان، وإن لم أوفَّق إلى تخفيف آلامها».

العيد والجرّاحي

ثم استأذن المؤلف في المضيّ إلى بهبهان، فوعده الشيخ بحراسة إلى الفلاحية. وفي صباح اليوم التالي تهيّأ للرحيل بعد فطور لحم الضأن، «إذ كان ذلك يوم العيد». ويحدّد المحقق اليوم: «والأرجح أنه عيد الأضحى، فقد وافق العاشر من ذي الحجّة 1246هـ بالحساب التقريبي نحو 22 مايو 1831».

وسار القارب صعودًا في كارون حتى مصبّ الجرّاحي، ثم شرقًا عبر مستنقعات «تسكنها الطيور البرّية، ويعجّ فيها البعوض». ويعرّف المحقق الجرّاحي بأنه «نهرٌ كبيرٌ في خوزستان، ينبع من جنوب جبال زاگروس، ويجري غربًا حتى يصبّ في أهوار الفلاحية (شادگان)».

خاتمة

يجمع الفصلان الثالث والرابع من كتاب ستوكيلر صورة لسنة مضطربة في رأس الخليج العربي: البصرة يخيّم عليها الطاعون، وبغداد في آخر أيام داود باشا، ومشروع البواخر على دجلة والفرات لا يزال فكرة على الورق. وفيهما أيضًا رحلة صعودًا في كارون إلى أطلال الأهواز، وقصة يوناني جوّال، وطبيب بلا شهادة. وتضيف حواشي المحقق ما لم يعرفه المؤلف من مصير داود باشا، وتربط الأسماء القديمة بمواضعها اليوم.

المصدر

  • الكتاب: «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»، تأليف: ج. هـ. ستوكيلر (J. H. Stocqueler)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل الثالث ص 43–51 (البصرة والطاعون ص 43–44، سيرة داود باشا ص 44–48، مشروع البواخر وقار هيت ص 49–51)؛ والفصل الرابع ص 53–61 (كارون ص 53–54، الأهواز وبندر معشور ص 54–55، نيقولا والتطبّب ص 58–60، العيد والجرّاحي ص 61).
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

مقالات ذات صلة