في الثاني والعشرين من فبراير 1838 وصل عالم النبات الفرنسي بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا إلى بندر عباس، وفي حقيبته أوراقٌ لتجفيف النبات، وفي نيّته أن يبلغ مسقط ومنها داخل عُمان. وقد ترجم المحقق القسم الخاص بالخليج العربي وعُمان من رحلاته في كتاب «رحلة عالم النبات أوشيه-إلوا إلى عُمان وبندر عباس (1838)». والفصل الثالث منه يومياتٌ قصيرة، مكتوبة يومًا بيوم، عن أسبوعين بين بندر عباس وقشم وساحل الباطنة، فيها البحر والريح، والنخيل والطيور، وأهل المراكب.
بندر عباس: مدينة صغيرة وتمرٌ ممتاز
يفتتح أوشيه-إلوا يومياته بوصفٍ موجز: «بندر عباس (Bender-Abassy) أصغر من بوشهر؛ والمدينة بمعناها الحقيقي مسوّرة، فيها سوق ليس حسن التزويد جدًّا، ونحو مئة بيت». وعلى ربع ساعة منها قرية صغيرة يسكنها الصيادون، وأكثر السكان عرب، ومعهم عددٌ من الفرس والبانيان.

ويضع المحقق المدينة في سياقها: فبندر عباس ميناءٌ على الساحل الشمالي لمضيق هرمز قبالة شبه جزيرة مسندم، كانت تُعرف قديمًا باسم «جَمْرون»، ثم سُمّيت باسم الشاه عباس الأول بعد سنة 1622، «وكانت من سنة 1794 إلى سنة 1868 في يد سلطنة مسقط بعقد إيجار مع حكومة فارس». ولذلك يقول المؤلف إن بندر عباس «للشيخ سعيد»، وهو الذي يعيّن واليها، ويعرّفه المحقق بأنه السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (1791–1856).
ولعالم النبات عينٌ على الطعام والنبات: حول المدينة بعض النخيل وبساتين يُزرع فيها الفجل الذي تؤكل أوراقه سلطة، والرِّجلة، والبصل. ويقول: «والسمك هو القوت المعتاد للناس بل للحيوانات أيضًا، وهو كثير جدًّا هناك رخيص الثمن»، ويضيف بإيجاز: «والتمر ممتاز». ويشرح المحقق أن الرجلة هي البقلة الحمقاء، وتعرف في الخليج أيضًا باسم الفرفحين.
وينبّه المؤلف إلى أن مناخ بندر عباس في ذلك الوقت من السنة «جيد جدًّا، والماء صالح للشرب تمامًا»، لكن أكثر السكان يفرّون منها في الصيف إلى الجبال المجاورة طلبًا للهواء النقي.
ضيافة الوالي
بعد أيامٍ قضاها في ترتيب مجموعاته وسلخ الطيور البحرية، عزم أوشيه-إلوا على زيارة الوالي، فيقول: «فأكرم ضيافتي أعظم إكرام». ويصف الديوان: الوالي جالس في زاوية القاعة، ورجال حاشيته على جانبيها، وقد نهض لاستقباله وحين استأذن في الانصراف، وسأله كثيرًا عن فرنسا. ولما أخبره برغبته في الرحيل إلى مسقط في أسرع وقت، «تفضّل فأمر بأن يقلع المركب بعد غد».
مركبٌ محمّل بورق الآس
في الأول من مارس انتقل بأمتعته إلى مركب الشيخ بعد أن دفع أربعة تومانات أجرة. ويصف المركب بأنه متوسط الحجم، وأشدّ ما ضايقه أنه «غير مسقوف (غير ذي سطح)». ويوضح المحقق أن ذلك يعني سفينةً مكشوفة لا سطح لها يقي الركاب والحمولة، «وهي حال كثير من السفن الشراعية الصغيرة والمتوسطة في الخليج يومئذٍ».
أما الحمولة فطريفة: أكياسٌ مملوءة بأوراق الآس تُصدّر إلى مسقط، وحين سأل عنها علم أنهم يصنعون منها ماءً للغسول. ويضيف المحقق أن ورق الآس كان يُدقّ ويُستعمل في الخليج وجزيرة العرب في غسل الشعر والجسد وتطييبهما، ويُعرف عند العامة باسم «المرسين» أو «الياس».
يومٌ في قشم
وصل المركب في المساء إلى جزيرة قشم، ولما كان رجاله كلهم من الجزيرة، ولهم فيها نساؤهم، لم يكن بدٌّ من الإقامة. فانتهز عالم النبات الفرصة للتجوّل، وجمع نباتات وأصدافًا متحجّرة من جبالها الجيرية. ويقول: «وفي جزيرة قشم قرى عدة ومزارع نخيل كبيرة»، والقرية الرئيسة فيها سوق، ومنظرها أحسن كثيرًا من بندر عباس. ويعرّف المحقق قشم بأنها أكبر جزر الخليج العربي، مساحتها نحو 1500 كيلومتر مربع. ويذكر المؤلف أن أهلها لا يتكلمون إلا الفارسية، فيستدرك المحقق: «والمعروف أن العربية كانت ولا تزال من لغات أهل قشم وسواحل الخليج الشمالية إلى جانب الفارسية ولهجاتها».

عبر المضيق
في الثالث من مارس أقلعوا قبل طلوع النهار، فتركوا هرمز على يسارهم، ومرّوا قريبًا جدًّا من لارك، ثم بلغوا قرب جزيرة «سلامة» التي لا يفصلها عن رأس مسندم إلا ممرٌّ ضيق جدًّا. ويتساءل العالم الفرنسي بفضولٍ ظريف: هل في تشابه اسمي مسندم وسلامة بأسماءٍ يونانية مصادفة، أم لهما علاقة بحملة الإسكندر؟
وفي ليلة الخامس من مارس جاءت اللحظة الأصعب: هبّت ريح الشمال فجأة، وصاح الريّس بالملاحين أن ينزلوا الشراع، فأدركتهم العاصفة، ويكتب المؤلف أنه تلقّى «هزّة ظننت حقًّا أنها آخر هزّة في حياتي». ثم أُنزل الشراع أخيرًا واستقام المركب.
صوت الدفّ على ساحل الباطنة
في صباح السادس من مارس استيقظ أوشيه-إلوا قرب صحار على صوت الدفّ، فقد كانت أيام العيد. ويكتب: «فما إن يقترب المرء من قرية عربية حتى يكون على يقين من أن يسمع صوت الدفّ، وزغاريد النساء العربيات وهنّ يُظهرن فرحهن». ويصف الساحل بأنه «مكسوّ بغابات من النخيل لا تنقطع»، ويذكر أن في صحار قلعة في حال حسنة.
وفي السابع بلغوا بركاء، وفي الثامن كان الجبل يقترب كثيرًا من البحر والنخيل فيه كثير، ومرّوا بصخرةٍ بحرية تسمّى «صفال» قريبة جدًّا من مسقط، «التي لا نلبث أن نراها، ونرى معها ثلاث قرى يمكن عدّها من أرباضها».
مرسى مسقط وأسطول السيد سعيد
في الفصل التالي يصف أوشيه-إلوا مسقط كما رآها عند وصوله. يقول: «مدخل المرسى تحميه قلاعٌ رديئة البناء نوعًا ما؛ ولكن في صدره، على أعلى الجبال، قلعة محكمة البناء جدًّا، بناها قديمًا البرتغاليون». ويضيف: «والمرسى واسع عميق، محميّ من الرياح كلها».

ويوضح المحقق أن المقصود «إحدى القلعتين التوأمين على جانبي مرسى مسقط: الجلالي في الشرق والميراني في الغرب». ويذكر أن العُمانيين استعادوها سنة 1650 «في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي».
ويقول المؤلف إنه كان راسيًا في المرسى «ثلاثة مراكب حربية كبيرة للإمام»، وإن سائر الأسطول «مؤلف من أكثر من عشرين مركبًا بُنيت على الطراز الأوروبي في بومباي، وفي زنجبار». ويعلّق المحقق: «كان للسيد سعيد بن سلطان أسطول كبير، بُني كثير منه في أحواض بومباي، وكان من أقوى أساطيل المحيط الهندي في عصره من غير الأوروبيين». ويذكر أن السيد سعيد كان يومئذٍ في شرق أفريقيا، فقد «استولى على ممباسا سنة 1837 بعد صراع طويل مع أسرة المزاريع، ثم نقل مقرّه إلى زنجبار سنة 1840»، «وكان ابنه السيد ثويني نائبه في عُمان في غيبته».
حرّ مسقط بلا مبالغة
ويصف المؤلف موقع المدينة: «ومسقط، المبنية كأنها في قمع، عند سفح جبال جرداء محرقة وأمامها، لا يصلها نسيم البحر من أي جهة». لكنه يرى أن ما قيل له من خطر الإقامة فيها مبالغ فيه: «ومع ذلك يبدو أنهم بالغوا كثيرًا فيما وصفوه لي من خطر الإقامة فيها». فقد وجد فيها غرباء يقيمون منذ زمن طويل «وصحّتهم على أحسن ما يرام». ويقول: «وعلى كل حال فأشهر يناير وفبراير ومارس وأبريل محتملة نوعًا ما».
الحمير والفواكه
ويذكر أوشيه-إلوا من تجارة مسقط: «وتصدّر مسقط إلى فارس كثيرًا من الحمير، وهي ضخمة قوية جدًّا». ويقول إن فواكهها مستحسنة، وإنها من فواكه الهند، كالموز والأنبا. ويشرح المحقق أن الأنبا هو المانجو، «واسمه العربي القديم الأَنْبَج، ويسمى في الخليج «الأمبا» أو «الهمبا» أخذًا عن اسمه الهندي».
أيام العيد
وخرج المؤلف في نزهة قصيرة في وادٍ قرب المدينة، وكانت أيام العيد: «كان السكان كلهم في أفراح، يلبسون أجمل ثيابهم». ويصف الطبول الطويلة التي يضربونها باليد، والقرن الطويل الذي ينفخون فيه، والتصفيق على إيقاع مصحوب بالغناء. ويعلّق المحقق بأن ما يصفه أشبه «بالفنون الشعبية الجماعية المعروفة في عُمان وسواحل الخليج في الأعياد، كالرزحة والعيالة والمديما وغيرها».

ويلاحظ المؤلف أن العرب يرافقون عملهم بالغناء: «فيبدأ أحدهم لحنًا ويجيبه الآخرون؛ وهذا ما يفعلونه وهم يشحنون البضائع ويفرغونها في المرسى». ويقارن المحقق ذلك بأغاني العمل البحرية في الخليج، «ومنها فنّ «الفِجري» المعروف في البحرين والكويت وقطر».
نباتات الجبال الجرداء
ولأن أوشيه-إلوا عالم نبات، فقد سجّل ما رآه: «ولاحظت في النزهة القصيرة التي قمت بها عددًا قليلًا من النباتات الطريفة». ومنها على الجبال نوع من جنس Crozophora «يبدو لي جديدًا». ويذكر المحقق أن هذا الجنس «يُسمّى بالعربية التَّنُّوم، ومنه أنواع في جزيرة العرب».
إلى مطرح
وفي الثاني عشر من مارس تهيّأ كل شيء لرحلة المؤلف في الداخل. يقول إن الوكيل الإنجليزي حصل له «على كتب توصية إلى كبار شيوخ الداخل»، ووفّر له دليلًا عربيًّا يتكلّم الفارسية ويعرف داخل البلاد. ويذكر المحقق أن لبريطانيا يومئذٍ معاهدات مع السيد سعيد، «أقدمها المعاهدة التي عقدها والده السيد سلطان بن أحمد مع شركة الهند الشرقية سنة 1798». ولم تكن في مسقط مطايا، فاستأجر المؤلف قاربًا إلى مطرح ليحصل عليها. ويقول إنهم حاذوا الساحل، «وفي كل خليج صغير منه قرى؛ منها «كلبوه» (Kalbou)، وهي قرية حسنة المنظر». ويعرّف المحقق كلبوه بأنها «قرية على الساحل بين مسقط ومطرح».
ويصف مطرح: «ومطرح على كل حال بحجم مسقط، فيها سوق كبير، وأسوار وأبواب محكمة الحراسة». ويضيف: «وحول المدينة بعض البساتين، وماء طيب يُستخرج من الآبار». ويذكر المحقق أن مطرح «كانت قبل النفط مركز التجارة في عُمان، وفيها اليوم أحد أكبر موانئ المنطقة، وسوقها القديم معروف».
خاتمة
هذه الصفحات القليلة تحمل نكهة السفر في الخليج العربي قبل البخار: مركبٌ مكشوف ينتظر أن يودّع بحّارته أهلهم في قشم، وحمولةٌ من ورق الآس، وريحٌ تهدأ نهارًا وتعصف ليلًا، وقرى تستقبل العيد بالدفوف. وقد رافق المحقق النص بحواشٍ تعرّف الأماكن والنباتات والأسماء المحلية، وبصورٍ قديمة لمراكب الخليج ولمسقط ومطرح، فصارت اليوميات نافذةً واضحة على ذلك الزمن.
المصدر
- الكتاب: «رحلة عالم النبات أوشيه-إلوا إلى عُمان وبندر عباس (1838)»، تأليف: بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا (Pierre Martin Rémi Aucher-Éloy)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل الثالث «بندر عباس وقشم، والإبحار إلى صحار وبركاء (22 فبراير – 8 مارس 1838)»، ص 38–46 (بندر عباس ص 38–39؛ زيارة الوالي ص 40؛ المركب وورق الآس ص 42؛ قشم ص 43؛ عبور المضيق والعاصفة ص 44؛ صحار وبركاء والوصول إلى مسقط ص 46)؛ والفصل الرابع «في مسقط ومطرح (8 – 13 مارس 1838)»، ص 47–56 (المرسى والقلاع والأسطول ص 47؛ الحرّ ص 49؛ الحمير والفواكه والعيد ص 51–52؛ النباتات ص 53؛ كتب التوصية ومطرح ص 54؛ المعاهدة ص 56). والصور الثانية والثالثة والرابعة من الفصل الرابع، ص 48 و55 و49.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


