في سنة 1663 عاد الأب اليسوعي البرتغالي مانويل غودينيو من الهند إلى البرتغال برًّا، فركب سفينة من سورت إلى الخليج العربي، ثم سار عبر العراق والبادية. وفي الفصل العاشر من رحلته توقّف عند بلاد العرب، فوصف خيلها وثمارها ولباس أهلها وسلاحهم، ثم وصف قلعة مسقط وصفًا مفصّلًا، وهو يذكر ما كان للبرتغاليين على ساحل عُمان قبل أن يُخرجهم الإمام سلطان بن سيف سنة 1650.
ويكتب المؤلف من موقعه راهبًا برتغاليًّا في القرن السابع عشر. ويحرص المحقق في حواشيه على تصحيح ما نقله من أخبار قديمة، وعلى تعريف المواضع التي ذكرها على ساحل عُمان والإمارات.
أقسام بلاد العرب
يقول المؤلف إن بلاد العرب، إذا أُخذت على العموم، «تشغل تلك الرقعة الواسعة من الأرض التي تمتدّ كأنّها شبه جزيرةٍ بين البحر الأحمر، أو الإريتري، من جهة الغرب، والخليج العربي من جهة الشرق». ويقسمها ثلاثة أقسام: السعيدة والحجرية والصحراوية.

ويشرح المحقق هذا التقسيم: «قسّم الجغرافيون الرومان جزيرة العرب ثلاثة أقسام: العربية الصحراوية (Arabia Deserta) وهي البادية الداخلية، والعربية السعيدة (Arabia Felix) وهي الجنوب، والعربية الحجرية (Arabia Petraea) وكانت ولايةً رومانيةً معظمها في الأردن اليوم».
ويذكر المؤلف أن العرب يسمّون الأرض التي بين البحرين «اليمن». وينبّه المحقق إلى أن المؤلف توسّع، تبعًا لمصادره، «فجعل «العربية السعيدة» كلّ ما بين البحر الأحمر والخليج العربي، فأدخل فيها الحجاز وعُمان».
خيل الأحساء
يقول المؤلف عن العربية السعيدة إن فيها «تربيةٌ واسعةٌ للخيل الكريمة الأصل، الخفيفة القويّة الحسنة الخِلقة». ويضيف أنها تصبر على الجوع والعطش أكثر من سائر الخيل، وأنه «تمرّ سنون يخرج فيها من موانئهم إلى الهند خمسة عشر ألف فرسٍ أو عشرون ألفًا».
ويقول إن أغلاها ثمنًا خيل الأحساء ونواحيها، مقابل جزيرة البحرين. ويعرّف المحقق الأحساء بأنها «واحةٌ وناحيةٌ تاريخية في شرق المملكة العربية السعودية، تُعرف قديمًا بـ«هَجَر»». ويضيف: «وهي من أكبر مواطن النخيل في العالم».
ويذكر المؤلف أن الفرس الواحد من خيل الأحساء يُباع بألفي باتاكة، «إذا كان من الصنف الذي يسمّونه «خيل الملك»، لأنّ الملوك وحدهم هم الذين يشترونها». ويقول إن أكبر دخل لجمرك غوا في الزمن الماضي كان من رسوم تجّار الخيل. ويؤكد المحقق ذلك: «كانت تجارة الخيل العربية والفارسية إلى الهند من أكبر موارد هرمز وغوا في القرن السادس عشر».
الثمار وبذر «الكاوه»
يعدّد المؤلف ثمار الأرض: «التمر بكلّ أصنافه، والعنب بأنواعٍ كثيرة، والبطّيخ والسفرجل، والرمّان والبرقوق، والتين طوال السنة». ويذكر أجود اللبان، وشيئًا من الزيت.
ثم يذكر بذر «الكاوه». ويقول إنه يُشرب في بلاد المسلمين «بعد أن يُحمَّص ويُطحن ويُغلى في الماء»، ويعتقدون أنه يقوّي المعدة. لكنه يظنّه بذر الشوكولاتة نفسه. ويصحّح المحقق: «في الأصل caoe، وهو «القهوة» (البنّ). وقول المؤلف إنّه بذر الشوكولاتة نفسه خطأ، فالقهوة تُصنع من بذور شجر البنّ، والشوكولاتة من بذور الكاكاو».
ويقول المؤلف إن القطن قليل، فيأتيهم من الهند، وإن عامّة الناس يلبسون «الكمبلي». ويشرحه المحقق بأنها كلمة دخلت البرتغالية من الهند، «ومعناها كساءٌ أو بطانيةٌ من الصوف الخشن».
ويذكر أن قوتهم المعتاد «التمر والسمك وبعض البقول والجبن واللبن الرائب، ولحم الماعز». ويذكر الكباش «ذوات الأرباع الخمسة»، ويفسّرها المحقق: «يريد الأغنام ذوات الإلية الضخمة، كأنّ إليتها ربعٌ خامس».
اللباس والسلاح
يقول المؤلف إن العرب «في لباسهم على غاية الاعتدال». فهم لا يلبسون، أغنياء كانوا أو فقراء، إلا قباءً أو ثوبًا طويلًا من الحلق إلى طرف القدم. وعلى الرأس قلنسوة حمراء، يسترون أكثرها بالعمامة، «فتتدلّى أطرافها من خلفهم على أكتافهم».
ويصف مهارتهم في الرمي بالبنادق. فإذا أرادوا الرمي أسندوا البندقية، فإن لم يجدوا ما يسندونها إليه «جلسوا وجعلوا من أصابع أقدامهم مِسندًا». ويقول: «ويُعدّ عندهم راميًا رديئًا من سدّد إلى العين فأصاب الحاجب». ويصفهم بأنهم «فرسانٌ مَهَرةٌ بالركاب وبغير ركاب».
بنو جبر
يذكر المؤلف في العربية السعيدة قبيلة يسمّيها «بني جبر»، ويقول إنها من أقوى قبائلها، «إذ تبسط سلطانها على ما يقرب من ثلاثمئة فرسخٍ في الدائرة». ويضع المحقق الخبر في زمنه الصحيح: «بنو جبر (الجبريون): أسرةٌ عربية من أصلٍ عُقيلي حكمت الأحساء والقطيف والبحرين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وأشهر أمرائها أجود بن زامل (ت. 1496)».
ويضيف المحقق أنه كان لهم شأن في إحياء الإمامة الإباضية في عُمان، «إذ نصّبوا عمر بن الخطاب الخروصي إمامًا سنة 1487». وينبّه إلى أن ما يرويه المؤلف عنهم منقول عن باروش، «فهو من أخبار القرن السادس عشر لا من أحوال زمن المؤلف».
خبر الإمامة كما نقله
يقول المؤلف إن أقوى سيّد في بلاد العرب في وقته «يسمّى «الإمام»». وينقل عن المؤرخ البرتغالي جواو دي باروش خبرًا عن ثلاث مدن في داخل عُمان هي منح ونزوى وبهلا، «كلّها مسوّرةٌ بأسوارٍ قويّةٍ جدًّا من الطين المدكوك». ويروي أنها اتحدت واتخذت عالمًا من بهلا رأسًا لها.

ويعرّف المحقق المدن الثلاث: «منح ونزوى وبهلا: من مدن داخلية عُمان (محافظة الداخلية اليوم). ونزوى كانت قاعدة عُمان الداخلية ومركزًا للعلم، وفي بهلا قلعةٌ من القرن الثالث عشر مدرجةٌ في التراث العالمي».
ويضبط المحقق الخبر نفسه: «خبر باروش هذا عن نشأة الإمامة يتعلّق بالقرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر. والإمامة في عُمان أقدم من ذلك بكثير، وهي عند الإباضية منصبٌ انتخابي». ويضيف أن الذين أخرجوا البرتغاليين من الساحل هم أئمة اليعاربة في القرن السابع عشر: «ناصر بن مرشد (حكم 1624–1649) ثم سلطان بن سيف».
قلعة مسقط
يقول المؤلف إن قلعة مسقط بناها بلشيور كالاسا سنة 1588 بأمر الحاكم مانويل دي سوزا كوتينيو. ويضيف المحقق: «وفي ثمانينيات القرن السادس عشر بنى البرتغاليون في مسقط قلعتي الجلالي والميراني بعد أن نهبها الأسطول العثماني مرّتين». ويصحّح المحقق العرض الذي ذكره المؤلف: «عرض مسقط الصحيح نحو 23 درجة و37 دقيقة شمالًا».
ويصف المؤلف الخليج: «وهي داخل خليجٍ يقع بين جبلين عاليين عظيمين يحميانه من الرياح كلّها». ويقول إنه يتّسع «لأن يرسو فيه اثنا عشر غليونًا وستٌّ وعشرون غليوطة». ومدخله بعرض «قدر مرمى البندقية»، ثم يتّسع كلّما توغّل إلى الداخل. ويذكر أن العمق عند فمه من عشرين قامة إلى خمس وعشرين، وفي داخله اثنتا عشرة وثلاث عشرة، «حتى يبلغ ستًّا قرب الشاطئ». ويشرح المحقق القامة بأنها «وحدةٌ لقياس عمق الماء، وهي نحو 1.8 متر».
ثم يصف التحصينات واحدًا بعد واحد: برجًا على يمين الداخل فوق الصخور، ثم «الدرع»، ثم «الأُذُن» الذي فيه خمسة مدافع موجّهة إلى جبل «المقلّى». ويشرح المحقق المصطلحات: «فالـ«couraça» سورٌ يمتدّ من القلعة إلى الماء ليحمي الوصول إليه، والـ«orelhão» نتوءٌ مستديرٌ في كتف البرج يحمي المدافع».
ويذكر أن مخزن الذخائر والسجن «منقورٌ في الصخر نفسه». ويقدّر طول الخليج من طرف إلى طرف بثمانمئة خطوة، وعرض البلدة بمئة خطوة، ويقول إنها كانت «مسوّرةٌ من جهة البرّ ومن جهة الخليج بأسوارٍ عاليةٍ غليظة، فيها ستّة أبراجٍ».
وعلى يسار الخليج «حصن المُشرِف»، وإنما سمّي بذلك لأن موضعه يُشرف على القلعة. ويقول المؤلف إنه كان للبرتغاليين في القلعة وما حولها «مئةٌ وسبعة وعشرون مدفعًا بين كبيرٍ وصغير»، وألف جندي في الحامية.
قلاع الساحل من قريات إلى مدحاء
يقول المؤلف إن قلعة مسقط كانت قاعدة ممتلكات البرتغاليين على الساحل، وكانت «سبعةً وثمانين فرسخًا من الساحل، تبدأ من رأس الحدّ وتنتهي برأس مسندم». ويعدّد عشر قلاع كانت تابعة لقائدها: قريات، ومطرح، والسيب، وبركاء، وصحار، وكلباء، وخورفكّان، و«ليبيديا»، ومدحاء، و«دوها». ويضيف: «وكان لبحر مسقط أيضًا قائده، وأسطولٌ من عشرين مركبًا بالمجاديف».
ويعرّف المحقق هذه المواضع في حاشية طويلة. فقريات «بلدةٌ ساحليةٌ على نحو 83 كم جنوب شرق مسقط». وصحار «كانت قاعدة عُمان القديمة وتسمّى «مزون»». وعن كلباء وخورفكّان يقول: «على ساحل بحر عُمان، وهما اليوم من إمارة الشارقة في دولة الإمارات».
ويقف المحقق عند «ليبيديا» خاصّة: «هي البدية على ساحل إمارة الفجيرة، وفيها مسجدٌ تاريخيٌّ يُعدّ أقدم مسجدٍ عامرٍ في الدولة». ويضيف أن علماء آثار أستراليين كشفوا فيها بقايا حصن من العهد البرتغالي كان يسمّى «ليبيديا»، وعُرف من خريطة من القرن السادس عشر.
الإمام يأخذ مسقط
يقول المؤلف إنه لم يكفِ كل أولئك القادة والمدافع والحصون والجنود «لحمايتها من الإمام». فقد أخذها بعد أن استولى أولًا على الحصون التي تحمي الجبال وعلى القلاع الساحلية. ويحدّد المحقق: «أخذ الإمام سلطان بن سيف اليعربي مسقط من البرتغاليين في يناير 1650، فانتهى بذلك احتلالهم الطويل لها».
ويذكر المؤلف أن الإمام لم يقف عند ذلك، فحاصر ممباسا، وأخذ أسطوله سفن البرتغاليين في البحر. ويفصّل المحقق: «أغار أسطول الإمام سلطان بن سيف على البرتغاليين في بومباي سنة 1655 ثم سنة 1661، وعلى ديو بعد ذلك، وأرسل جيشًا حاصر قلعة ممباسا على ساحل شرق أفريقيا استجابةً لطلب أهلها».
القربة: صورة الخليج عند مسندم
بعد مسقط سار المركب يومين على ساحل بلاد العرب حتى رأس مسندم. ويقول المؤلف إن مسندم ورأس جاسك المقابل له في فارس «يصنعان حلق المضيق». ويضيف: «إذ تقترب فيه أرض فارس من أرض العرب حتى يُخيَّل أنّ الجبال هناك تتصافح».
ويستعير تشبيهًا للخليج كلّه: «ولم يُخطئ من شبّه ذلك البحر، على سبيل التشبيه الغليظ، بقربةٍ لها فمٌ واسعٌ بعض الشيء، ثم تضيق عند العنق، ثم تتّسع في البطن».
ويصف جبال مسندم بعد أن نجا المركب من عاصفة: «وهو مؤلَّفٌ من جبالٍ كثيرةٍ عالية، غير ممتدّةٍ طولًا، بل كأنّها أنابيب الأرغن». ويقول: «فإذا جاوزت جبلًا ظهر لك آخر كان خلفه».
ويعرّف المحقق مسندم: «شبه جزيرةٍ جبليةٍ في أقصى الشمال الشرقي من جزيرة العرب، بين الخليج العربي وبحر عُمان، يطلّ عليها مضيق هرمز، وتتقاسمها اليوم سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة».
خاتمة
يجمع الفصل العاشر من رحلة غودينيو بين ما قرأه المؤلف في كتب البرتغاليين وما رآه أو سمعه في طريقه. ففيه خيل الأحساء التي كانت تُصدَّر بالآلاف إلى الهند، وبذر القهوة الذي ظنّه المؤلف شوكولاتة، ووصف دقيق لقلعة مسقط وحصونها، وقائمة بقلاع الساحل من قريات إلى البدية ومدحاء. وتربط حواشي المحقق هذه الأسماء القديمة بمواضعها اليوم في عُمان والإمارات، وتصحّح ما نقله المؤلف من أخبار الإمامة، وتثبت تاريخ تحرير مسقط على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي.
المصدر
- الكتاب: «الخليج العربي في رحلة الأب غودينيو من الهند إلى البرتغال (1663)»، تأليف: الأب مانويل غودينيو اليسوعي (Manuel Godinho)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: الفصل العاشر ص 23–32 (أقسام بلاد العرب ص 23–24، الخيل والثمار والقهوة ص 24–25، اللباس والسلاح وبنو جبر ص 26، الإمامة ص 28–29، قلعة مسقط ص 29–31، قلاع الساحل وأخذ مسقط ص 31–32)؛ والفصل الحادي عشر ص 36–38 (مسندم).
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


