في خريف سنة 1816 أقام الرحالة الإنجليزي جيمس سلك بكنغهام في بوشهر، على الساحل الشرقي للخليج العربي، ينتظر سفينة تحمله إلى الهند. وخصّص لها الفصل الرابع من رحلته، فوصف موقعها وعمارتها ومرفأها وحكمها وتجارتها وصفًا مفصلًا بالأرقام. ويقدّم المحقق الكتاب بأنه «يضع بين يدي القارئ صورةً حيّةً للخليج العربيّ في خريف سنة 1816م». وبعد اثنتين وعشرين سنة مرّ بالمدينة عالم النبات الفرنسي أوشيه-إلوا، فترك عنها ملاحظات قصيرة تكمل الصورة.
يعرّف المحقق بوشهر بأنها «مدينةٌ ومرفأٌ على الساحل الشرقي للخليج العربي، وهي اليوم مركز محافظة بوشهر في جنوب إيران. وكانت في أوائل القرن التاسع عشر ميناء فارس الرئيس، وفيها مقرّ المقيم البريطاني في الخليج منذ 1778».
وداع الدرويش
يبدأ بكنغهام الفصل بقصة رفيقه الدرويش إسماعيل، الذي صحبه من بغداد عبر فارس. فلما افترقا في بوشهر «أبى أن يأخذ قرشًا واحدًا أجرًا على سفره»، وقال إنه صحبه عن محبة خالصة ومودة. ولم يطلب إلا تذكارًا. ويذكر المحقق أن المؤلف كان قد سافر من بغداد متخفيًا باسم «الحاج عبد الله»، فكان رفيقه يعرفه بالحاج المصري لأنه قدم من مصر. وعلم بكنغهام بعدُ برسالة عربية وصلته في الهند أن رفيقه «رجع سالمًا والتقى بأحبّته في بغداد».

الموقع والمنظر
يقول بكنغهام: «تقع مدينة بوشهر، أو «أبو شهر» كما يسمّيها أهلها، على شبه جزيرةٍ منخفضةٍ من الرمل تمتدّ خارجةً عن خطّ الساحل العامّ، فتكوّن خليجًا صغيرًا على كلٍّ من جانبيها». ويحدد موقعها: «فهي على خطّ العرض 29° 0' شمالًا وخطّ الطول 50° 48' شرقًا».
ويفسر المؤلف الاسم بأنه من «أبو شهر»، «ومعناها حرفيًّا: أبو المدن». ويعلّق المحقق: «هذا تفسير المؤلف، و«شهر» بالفارسية: المدينة».
ووراء المدينة سهل منبسط «مسافةً تزيد على أربعين ميلًا في خطٍّ مستقيم، ثم ينتهي عند سفح أوّل سلسلةٍ من التلال بين بوشهر وشيراز». ويرى أن هذه التلال «خلفيةٌ جميلةٌ للمنظر في الجوّ الصافي».
الملاقف والحجر المرجاني
المدينة قريبة جدًّا من مستوى الماء، «حتى إنّ أعالي البيوت تُرى أوّلًا كأنها تطلع من البحر». وأبرز ما يُرى فيها: «عددٌ من الأبراج المربّعة العالية تسمّى «بادگير» أو ملاقف الهواء، وهي مبنيّةٌ بممرّاتٍ للهواء لتهوية البيوت التي أُقيمت فوقها في أثناء حرّ الصيف الشديد».
ويشرح المحقق أن البادگير هو «البرج الذي يلتقط الريح ويوجّهها إلى داخل البيت للتبريد، وهو المعروف في الإمارات وسائر الخليج بـ«البارجيل»».
ويصف مادة البناء: فالمساكن كلها مسطحة السقوف، وأكثرها مبني من حجر مرجاني فاتح اللون سهل التفتت. ويوضح المحقق أنه «الحجر المرجانيّ البحريّ، وهو المعروف في الخليج بـ«الفروش»، كان يُقطع من الشعاب ويُبنى به». ويضيف المؤلف أن البيوت مبنية في الغالب «من حجرٍ سهل التفتّت مؤلّفٍ من رملٍ وأصدافٍ مطمورةٍ في الطين، وأحسنها مبنيٌّ بالآجرّ المحروق المجلوب من البصرة».
ويقدّر حجم المدينة: «ولا يزيد عدد المساكن كلّها على ألفٍ وخمسمئة». وعن عمارتها يقول: «وطراز العمارة هو السائد في بلاد العرب عامّة، مع إضافاتٍ يسيرةٍ من الطراز الفارسيّ؛ فالمباني كبيرةٌ مربّعةٌ مسطّحة السقوف، مرتّبةٌ حول أفنيةٍ وسطى وغرفٍ صغيرة».
ويصف الأسواق بأنها «مصاطبَ مسقوفةً بسقفٍ من العوارض المغطّاة بالحُصر»، ويذكر أن «هناك خانٌ أو خانان حسنان قرب مرسى القوارب، يشغلهما تجّارٌ أرمن ويملكونهما».
السور والمدافع
لم تكن بوشهر محصنة تحصينًا حقيقيًا. يقول بكنغهام إنه لا يحيط بها «إلا سورٌ رديءٌ يعترض شبه الجزيرة من البحر إلى البحر، وفيه البوّابة التي يُخرج منها إلى فارس ويُدخل منها». ويعدّد ما فيها من دفاع: مدافع قليلة خارج البوابة، و«بطاريةٌ من ستّة مدافع أو ثمانية تكاد تحاذي الوكالة»، و«نصف دزينةٍ أخرى منصوبةٌ أمام دار الجمرك».
أما أوشيه-إلوا، الذي وصلها في يناير 1838، فرآها على صورة أحسن: «فالمدينة صغيرة، لكنها لا تبدو شديدة الخراب، على خلاف المعهود في مدن فارس. وتحيط بها من جهة البرّ أسوارٌ في حالٍ مقبولة».
السكان واللباس
يقول بكنغهام إن «أكثر الروايات سخاءً في الوقت الحاضر» لا تجعل عدد السكان «أكثر من عشرة آلاف، ولعلّ العدد الحقيقيّ أقلّ من ذلك». ويذكر من أشغالهم: «التجارة على نطاقٍ ضيّق، وصيد السمك، والإرشاد البحريّ، وتسيير سفن الميناء الخاصّة بهم».

ويصف لباسهم بأنه مزيج: «فالقميص والسروال و«الزُّبون» أو الثوب الخارجيّ فارسيّة، وأمّا العمامة والعباءة فعربيّتان». ويذكر مصادر القماش: العمامة «من القماش الأزرق المربّع النقش المصنوع في مسقط أو من القماش البنيّ المصنوع في شوشتر»، والعباءة «من صنع الأحساء والقطيف والكويت على الشاطئ المقابل».
ويلاحظ أوشيه-إلوا أيضًا أن زيّ الأهالي وسحناتهم تختلف عن الفرس، «ويبدو أن أكثرهم من أصل عربي».
التجار والحاكم
يقول بكنغهام: «وتجّار بوشهر فرسٌ وأرمن بالتساوي تقريبًا». ويذكر أن الأرمن كانت لهم «صلاتٍ أوسع بالهند»، وأنهم كانوا «دلّالين ووكلاء لغيرهم وتجّارًا لحسابهم في آنٍ واحد»، لأنهم يكتبون الإنجليزية والهندستانية.
وكان حاكم المدينة الشيخ عبد الرسول، ويعرّفه المحقق بأنه «من آل مذكور، الأسرة العربية التي تولّت حكم بوشهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت السيادة الفارسية». ويصف بكنغهام عادة الحاكم وعمّه الشيخ محمد: كانا ينزلان كل يوم إلى شاطئ البحر، فيجلسان «على مصطبة كوخٍ حقيرٍ من الحصير أُقيم لهذا الغرض». فإذا حضر العمّ وقف ابن أخيه «أوّلًا على مسافةٍ تأدّبًا، ويداه مطويّتان تحت عباءته». ويعلق المحقق بأن هذا «وصفٌ لعرفٍ معروفٍ في توقير الكبير».
وكان الحاكم «تابعٌ اسمًا لأمير شيراز، وبواسطته لملك فارس، يؤدّي إليه جزيةً سنوية».
ميناء فارس الوحيد
يرى بكنغهام أن بوشهر «هي اليوم أحسن مدينةٍ في الخليج العربي كلّه ما عدا البصرة وحدها». ويفسر أهميتها بأنها الميناء الوحيد لإمبراطورية واسعة كفارس، تأتيها منه جميع مؤنها من الهند بحرًا. ويقارنها بهرمز وبندر عباس، اللتين جاء بهاؤهما السالف «من تجارتهما وحدها».
الواردات من الهند
يقول بكنغهام إن التجارة بين فارس والهند «تتيح وصول اثنتي عشرة سفينةً تجاريةً إلى خمس عشرة في المتوسّط كلّ سنةٍ من البنغال وبومباي». ويعدد الواردات: «فمن البنغال يُجلب الأرزّ والسكّر والنيلة والفلفل والتوابل، مع تشكيلةٍ صغيرةٍ من الموسلين والأقمشة». ومن بومباي الحديد والفولاذ والقصدير والرصاص والأجواخ الصوفية، ومنتجات الصين والتوابل. «وتُحمل هذه كلّها إلى داخل فارس بقوافل البغال التي تتردّد بانتظامٍ بين هذا المكان وشيراز».
ويلاحظ أن بعض السلع تذهب إلى الخليج العربي: كثيرًا ما يجد أرز البنغال وسكرها طريقهما إلى البحرين وغيرها من جزر الخليج العربي، وكذلك بنّ المخا الذي يُشحن في مسقط.
وبعد اثنتين وعشرين سنة كتب أوشيه-إلوا: «ولا ترد إلى بوشهر إلا البضائع الآتية من بومباي».
الصادرات والنقود
يعدد بكنغهام الصادرات: «الخيول الفارسية التي تُورَّد بعقودٍ لفرسان شركة الهند الشرقية، وبالنحاس القديم الذي يُجمع من الداخل من أواني البيوت وغيرها ويُرسل إلى البنغال، وبالحِلتيت». ويضيف الفواكه المجففة، «وبالسجّاد من صنع البلاد»، وعطر الورد وماء الورد. ويشرح المحقق أن الحلتيت «صمغٌ راتنجيٌّ نفّاذ الرائحة»، يُستعمل في الطبخ الهندي.
لكن الصادرات «لا تبلغ ثلث قيمة الواردات، فيُسدَّد الباقي نقدًا». والنقد من الريالات الإسبانية والألمانية، ولكن أكثره من الروبيات الفارسية. ويرجّح المحقق أن الريال الألماني هو «ريال ماريا تيريزا النمساوي الذي شاع في الجزيرة العربية والخليج».
أجرة النقل والرسوم
يلاحظ بكنغهام أن أجرة نقل النقود من بوشهر إلى بومباي وكلكتا واحدة، «ثلاثةً في المئة فقط»، مع أن المسافة إلى كلكتا أطول بكثير. ويقول: إن التفسير الوحيد لهذا التناقض «أنه عرفٌ قديم لا يمكن خرقه».

وكانت الرسوم الجمركية تُقدَّر «بحسب الطرد ونوع البضاعة، لا بنسبةٍ مئويةٍ ثابتةٍ من قيمتها». فالأرز والسكر «يدفع كلٌّ منهما نصف روبيةٍ عن الكيس»، و«النيلة خمس عشرة روبيةً عن الصندوق»، و«بنّ المخا روبيتين عن البالة».
وكان من العادات أن يأخذ الحاكم ما يناسبه من البضائع، ويسدد ثمنها بإعفاء أصحابها من الرسوم على وارداتهم اللاحقة. ويروي بكنغهام قصة سفينة كانت تحمل ألواح رصاص إلى بوشهر، فخشي صاحبها أن تؤخذ بهذه الطريقة، فدفع أجرة إضافية لحملها إلى البصرة.
المرفأ الصعب
يقول بكنغهام عن المرسى الخارجي: «فمرساة المرسى الخارجيّ، في عمق أربع قامات، على بعد ستّة أميالٍ من الشاطئ على الأقلّ». ويشرح المحقق أن القامة مقياس لعمق الماء يساوي ست أقدام، أي نحو 1.83 م. وإذا هبّت الريح «لم تستطع القوارب أن تتصل بين المدينة والسفينة».
أما المرسى الداخلي «لا يدخله إلا ما كان غاطسه أقلّ من ثمانية عشر قدمًا من السفن»، ومدخله «فوق حاجزٍ رمليٍّ يعترض مجرًى عرضه أقلّ من نصف ميل». وكانت للمراكب المحلية مراسٍ «خلف جزرٍ صغيرةٍ عند الطرف الشمالي الشرقي من المرسى الداخليّ».
الموقع الحرج للمدينة
ويتأمل بكنغهام مصير المدن التجارية في الخليج: فهرمز وبندر عباس «كانت مدنًا زاهرة، ثم لم يبق منها شيء». ويرى أن بوشهر، لأن تجارتها مثقلة بالمغارم المتصلة من البحر إلى العاصمة، لن تبلغ غنى هرمز، ولن تهوي إلى الخراب التام الذي صارت إليه تلك الأسواق. ويعرّف المحقق هرمز بأنها «جزيرةٌ صغيرةٌ عند مدخل الخليج العربي في مضيق هرمز، كانت قاعدة مملكة هرمز التجارية».
الريح والسهل
يذكر أوشيه-إلوا أنه حين اقترب من بوشهر هبّت «ريحٌ غربية شديدة تُعرف في البلاد باسم الشمال (chemal)، فأذاقتنا بردًا قارسًا». ويصف السهل حولها بأنه من «أرض الطَّمْي، يتزهّر الملح على سطحه فلا يدع النبات ينمو فيه إلا عددًا يسيرًا جدًّا من الأنواع».
خاتمة
يقدّم بكنغهام صورة مفصلة لبوشهر في 1816: مدينة صغيرة على شبه جزيرة رملية، بيوتها من الحجر المرجاني وفوقها الملاقف، يحكمها شيخ من آل مذكور، وهي ميناء فارس الرئيس لتجارة الهند، مع مرفأ صعب على السفن الكبيرة. وتضيف ملاحظات أوشيه-إلوا سنة 1838 أسوارًا في حال مقبولة وأهلًا أكثرهم من أصل عربي. وقد أضاف المحقق تعريفات للبارجيل والفروش والنقود والمقاييس.
المصدر
- الكتاب الأول: «رحلة بكنغهام في الخليج العربي 1816: من بوشهر والبصرة إلى رأس الخيمة ومسقط»، تأليف: جيمس سلك بكنغهام (James Silk Buckingham)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب. الصفحات: مقدمة التحقيق؛ الفصل الرابع ص 9–20 (الموقع ص 10، الملاقف ص 11، السور ص 12، السكان واللباس ص 13، التجار ص 14، الحاكم ص 15–16، التجارة ص 16–19، المرفأ ص 20).
- الكتاب الثاني: «رحلة عالم النبات أوشيه-إلوا إلى عُمان وبندر عباس (1838)»، تأليف: بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب. الصفحات: الفصل الأول ص 17–19.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


