في ربيع سنة 1831 ترك الرحالة الإنجليزي ستوكيلر الخليج العربي واتجه شمالًا إلى بلاد بني كعب، القبيلة العربية التي كانت تسكن السهول بين شط العرب وجبال البختيارية. وقد خصص لهذه المرحلة الفصل الخامس من كتابه «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس»، وعنوانه: «بلاد بني كعب والفلاحية، والطريق إلى بهبهان». ويلخص المؤلف محتواه في رأس الفصل: «لمحةٌ عن البلاد ومواردها وأهلها وغير ذلك».
يبدو الفصل لمن يقرؤه اليوم سجلًّا اجتماعيًّا قبل أن يكون وصف رحلة: بيوت الناس وعمارتها، ومجلس الشيخ وآدابه، والطعام الذي قُدّم للضيف، وزيّ الرجال والنساء، والخيل التي اشتهرت بها البلاد.
الرحالة
يعرّف المحقق المؤلف: «يواكيم هيوارد ستوكيلر (Joachim Hayward Stocqueler) صحفيٌّ وكاتبٌ ومحاضرٌ إنجليزي، وُلد في لندن في 21 يوليو 1801، وتوفّي في واشنطن في 14 مارس 1886». وقد عمل في بومباي في الصحافة، وتولّى تحرير صحيفة «بومباي كورير» (Bombay Courier)، ثم غادرها في مركب عربي صغير متجه إلى الخليج العربي. ويذكر المحقق أنه أثبت اسمه «ستوكيلر» «قريبًا من نطقه الإنجليزي»، بعد أن كُتب في المصادر على صور مختلفة.

الفلاحية: بلدة بين النخيل والرمان
يبدأ ستوكيلر بوصف قاعدة بني كعب: «الفلاحية، أو «الدورق» كما يسمّيها السير جون ماكدونالد كينير، بلدةٌ واسعةٌ جدًّا، إذ إنّ بيوتها متفرّقةٌ على رقعةٍ كبيرةٍ من الأرض، تظلّلها بساتين وارفةٌ من النخيل والرمّان». ويعرّف المحقق الدورق بأنها «بلدةٌ قديمةٌ في خوزستان على نحو 78 كيلومترًا جنوب شرق الأهواز».
بيوتٌ من القصب والقش
ما لفت نظر ستوكيلر أولًا عمارة البيوت: «وهيئة البيوت تخالف كلّ ما رأيتُه في القرى القائمة على ضفاف الفرات أو على سواحل الخليج العربي. فهي تشبه الأكواخ الإنجليزية، لها سقفٌ مائلٌ من القشّ المتراصّ». ويصف الجدران: «فجدرانها ليست إلا طبقاتٍ كثيفةً من القصب الطويل، تُضفر أطرافه العليا بالقشّ».
ويرسم صورة البلدة كلها: «والبلدة تشغل ضفّتي الجرّاحي بضعة أميال، ويُعرف عنها أنها صحّية في الجملة». وفي داخلها قلعة يحميها «سورٌ عالٍ غليظٌ محيطه نحو ميلٍ ونصف»، وفيها «الكوت»، أي قصر الشيخ، وفي وسطه ميدان فسيح تقوم في أحد جوانبه مدافع «مزدانةٌ بشعار البرتغال نقشًا بارزًا». ويوضح المحقق أن هذا الشعار «يدلّ» على أنها «من مدافع البرتغاليين»، الذين ملكوا قلعة هرمز من سنة 1507.
وحين يصل إلى قرية «غريبة» يصفها بأنها «قريةٌ صغيرةٌ من أكواخ القصب وبضعة بيوتٍ من الطين». وفي «ده ملّا» يلاحظ عنصرًا معماريًّا يتكرر: فوق البوابة «برجٌ عالٍ مستدير، فيه مزاغلُ للدفاع عن البلدة»، ويقول: «والحقّ أنّ هذا البرج سمةٌ مميّزةٌ لكلّ بلدةٍ وقريةٍ في بلاد كعب، ويهدي المسافرَ إلى مقصده عبر القفار التي لا أثر فيها لطريق».
المجلس: الصقور والسلوقية واحترام السن
يصف ستوكيلر مجلس الشيخ مبادر خان، أمير بني كعب: «وكان الشيخ يعقد ما يشبه المجلس العامّ في رواقٍ فسيحٍ أمام حريمه، يطلّ على صحن القصر ويرتفع عنه نحو ثلاثة أقدام». ويرسم المشهد: «وكانت ثلاثةٌ أو أربعةٌ من الصقور الجميلة جاثمةً قرب الشيخ، وهو يربّت على كلبين سلوقيّين أثيرين لديه».
وكان الشيخ يجلس على «النَّمَد»، ويشرح المحقق أنه «النَّمَد» أو «اللبّاد»، «بساطٌ من الصوف المضغوط».
ويصف آداب السلام في المجلس: «فأصحاب المراتب العليا يكتفون بالانحناء ثم يأخذون أماكنهم، وآخرون يتقدّمون فيقبّلون يد الشيخ». ثم يذكر ملاحظة تكشف عن قيمة اجتماعية: «غير أنّي لاحظتُ أنّ الاحترام العظيم كان يُبذل دائمًا للسنّ في هذا البلاط الصغير؛ فإنه لمّا أقبل رئيس قريةٍ طاعنٌ في السنّ يعرج نحو النَّمَد، نهض الشيخ فعانقه».
وحين أراد ستوكيلر الرحيل، لقي من الشيخ عناية بضيفه: «فأمر من فوره بأن يُهيّأ لي قاربٌ يحملني إلى أقرب قريةٍ وافرة الخيل، وعيّن شابًّا مليحًا يرافقني حارسًا»، وأوصاه بأن «يرعى قضاء حاجاتي كلّها طوال المسير إلى بهبهان دون مقابل». وفي المقابل عرض ستوكيلر خدماته الطبية على الشيخ وأتباعه، وأهدى الوزير نظّارتين خضراوين.
الصيد بالصقور
لم يكن الحديث في المجلس عن السياسة وحدها. يقول ستوكيلر: «ولمّا جرى الحديث عن الصيد، ولا سيما الصيد بالصقور، أخبرني أنّ صحاريه تعجّ بالطرائد، وأنّي إن بقيتُ عنده رأيتُ قطعان الظباء تسقط أمام صقوره الكريمة».
اقتصاد الإمارة: التمر والعباءة
يلخّص ستوكيلر موارد الإمارة في جملة واحدة: «ومبادر خان، أمير كعب، أقوى الزعماء في جنوب غرب فارس. وقد تبلغ موارده، الناشئة من تصدير التمر، وصناعة العباءات، والمكوس المفروضة على الواردات الهندية، نحو ستين ألف تومان في السنة». ويشرح المؤلف نفسه العباءة في حاشيته بأنها «عباءةٌ كبيرةٌ من الصوف، تُلبس في أنحاء جزيرة العرب وتركيا وبعض نواحي فارس». ويعترف بأنه «يصعب تحديد قيمة التومان، فقيمته في التبادل متقلّبةٌ على الدوام».
ويصف المؤلف الشيخ نفسه: «ويُعرف عنه أنه طيّب القلب جدًّا، وأنه مع ذلك شجاعٌ شجاعةَ الأسد. وهو كريمٌ، متسامحٌ، حريصٌ على الإصلاح».
اللغة: تصحيح المحقق
يتحدث ستوكيلر عن لغة بني كعب ويقول إنها كلما أوغل المسافر شرقًا «تمتزج بالفارسية شيئًا فشيئًا». وهنا يعلق المحقق: «هذا انطباع المؤلف، ولم يكن متمكّنًا من العربية؛ وبنو كعب قبيلةٌ عربية، ولسانهم العربية». وهي ملاحظة تضع كلام الرحالة في حدوده.
الزيّ: القبا والكمر والعمامة
يصف ستوكيلر لباس الرجال وصفًا دقيقًا: «فهم يلبسون «القَبا» الفارسي، أي السترة الخضراء، والسراويل الواسعة والخُفّ، و«الكَمَر»، أي الحزام، وعمامةً من الجوخ الليلكي على هيئة عمائم العرب».

ويذكر ثياب الشيوخ: «ويلبس الشيوخ في المناسبات غير العادية ثيابًا من الديباج القرمزي المقصّب بالذهب، ويكتفون في الاستعمال العادي بالقماش القطني المطبوع القرمزي المنقوش بزهورٍ صفراء تحاكي الذهب». وفي الكتاب لوحة ملوّنة لشيخ من بني كعب بزيّه، يذكر تعليقها أنها «اللوحة الملوّنة في صدر المجلّد الأوّل من الطبعة الأصلية».
ويذكر الخِلعة، ويشرح المحقق أنها «ثيابٌ فاخرةٌ كان الحكّام في البلاد الإسلامية يمنحونها رعاياهم علامةً على التكريم».
نساء بني كعب وزيّهن
يخص ستوكيلر النساء بفقرة: «ونساء بني كعب ينعمن بقدرٍ من الحرّية أكبر بكثيرٍ ممّا تنعم به نساء الفرس أو الترك». ثم يقول عن زيّهن: «وزيّهنّ، فيما أرى، جميل المنظر إلى حدٍّ ما. وقد حاولتُ أن أعطي فكرةً عنه في الرسم الذي جعلتُه صورةً في صدر المجلّد الثاني». ويذكر المحقق أن هذه الصورة «أُدرجت» في هذه الطبعة، وهي «امرأةٌ من بني كعب».
الضيافة في الطريق
يتتبع ستوكيلر طريقه بالقارب في الأنهار ثم على الخيل، ويسجل مشاهد من كرم أهل القرى. فحين اعترض قاربه سدّ من القصب قرب قرية «كرينة»، دخل الدليل القرية يطلب رجالًا يرفعون القارب: «فظهر على الفور خمسة عشر رجلًا يحملون معهم الفاكهة واللبن لي ولبحّارتي يتبلّغون بها أثناء العمل».
وفي «غريبة» قُدّم له فطورٌ يصفه: «من الأقراص الحارّة، والزبدة الطازجة الممتازة، واللبن، والبيض المسلوق».
وفي قرية «گادي» واجه ستوكيلر مسألة العملة، فقد اكترى خيلًا «ولكن لا دون شيءٍ من العناء، إذ كانت نقودي كلّها فارسية، وأبى الأهالي إلا القرش التركي». وهي إشارة صغيرة إلى تعدد العملات في أسواق رأس الخليج العربي يومئذ.
ويصف خداع البصر في السهول المنبسطة حين ظن أن معشور على أقل من نصف ميل، ثم وجد «أنّ هذا لم يكن إلا خداعًا بصريًّا مألوفًا في هذه الصحاري المنبسطة، يُضني المسافرَ المكدود كما يُضنيه السرابُ الخادع».
معشور: بلدة التجار
يصل ستوكيلر إلى بندر معشور ويصفها: «ومعشور بلدةٌ مسوّرةٌ محيطها نحو ميل. ويقال إنّ فيها نحو ألف نسمة، أكثرهم مشتغلون بالتجارة». ويلاحظ رخاء أهلها: «فبيوتهم، وإن كانت صغيرة، مؤثّثةٌ تأثيثًا حسنًا بكماليّات المنزل الأوروبي، وثيابهم غالية». لكن الماء كان مشكلتها: «ولا ماء فيها إلا ما يُستقى من آبارٍ قليلةٍ خارج أسوار البلدة مباشرةً، وهو مِلحٌ غير صحّي».
مخيم الرحّل
في «ده ملّا» زار ستوكيلر مخيّمًا من «الإيلات»، ويشرح المحقق أنها جمع «إيل» في الفارسية، «ويُراد بها القبائل الرحّل». ويصف المخيم باختصار: «فقد كان فيه ما يُعهد من الإبل والبقر والغنم والخيل؛ والخيام سود، والسكّان أربعة آلاف». واستُقبل «في خيمةٍ طويلةٍ مفروشةٍ بالسجّاد، ملأى برجالٍ من بني كعب مبتهجين حسني الثياب».
الخيل والجريد
يختم ستوكيلر حديثه عن البلاد بخيلها: «وبلاد كعب مشهورةٌ بسلالة خيلها». ويقارنها بما رآه في الهند من الخيل النجدية، ويقول: «والأغلب الأعظم منها أشهب، وهي كالحصان التركماني قادرةٌ على احتمال التعب الشديد».
ويروي حوارًا يكشف عن تعلّق الفارس بفرسه: «فإنّي لمّا قلتُ لأحد الحرس إنّي على يقينٍ من أنه سينال ألفي روبيةٍ على الأقلّ في جواده، أجاب: «لن أبيعه بعشرة آلاف.»».
ويصف فروسية مرافقيه في الطريق: «فقد كان الشيخ والحرس على أكرم الخيل التي رأيتُها في حياتي». وكانوا يتبارون «بـ«الجريد»»، ويشرح المحقق أن الجريد «لعبةٌ فروسيةٌ تقليدية، يرمي فيها الفرسان بعضهم بعضًا بعصًا خشبيةٍ غير مدبّبة».
أرضٌ تكتسي بالخصب
بعد مرحلة جدباء، يصف ستوكيلر أرضًا تتغير: «وعلى ميلين جنوب شرق البلدة دخلنا حقولًا واسعةً من القمح، تتخلّلها أعشابٌ غنيّةٌ وشجيراتٌ عالية. وكانت الحجول والزقازيق الكثيرة تجري أو تطير أمامنا مباشرةً لا تكاد تشعر بالخوف».
خاتمة
يقدم هذا الفصل من كتاب ستوكيلر صورة لمجتمع عربي على الضفة الشرقية من رأس الخليج العربي قبل نحو قرنين: بيوت من القصب بسقوف من القش، ومجلس فيه الصقور والسلوقية ويُكرم فيه الكبير، واقتصاد يقوم على التمر والعباءات، وزيّ له ألوانه، وخيل لا يبيعها صاحبها بعشرة آلاف. وقد أضاف المحقق حواشي تصحح انطباع المؤلف عن لغة القوم، وتشرح النمد والخلعة والإيلات والجريد، وأدرج لوحتي الشيخ والمرأة من بني كعب من الطبعة الأصلية، فصار القارئ يرى الزيّ الذي يصفه النص بالألوان كما رسمه المؤلف قبل نحو قرنين.
المصدر
- الكتاب: «خمسة عشر شهرًا في دروب خوزستان وفارس: رحلةٌ من الهند إلى إنجلترا عبر الخليج العربي والعراق وفارس وأرمينية وروسيا وألمانيا (1831–1832)»، تأليف: ج. هـ. ستوكيلر (J. H. Stocqueler)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: التعريف بالمؤلف في مقدمة التحقيق ص 3–5؛ الفصل الخامس «بلاد بني كعب والفلاحية، والطريق إلى بهبهان»: الفلاحية وبيوتها ص 62؛ المجلس والصيد ص 64–65؛ الموارد والزيّ وحاشية اللغة ص 65؛ الطريق والضيافة ص 68؛ معشور ص 69؛ النساء ص 70؛ ده ملّا ومخيم الإيلات ص 72؛ الخيل والجريد والحقول ص 73.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 3–73؛ المواضع الفرعية في الفصل الخامس تقريبية بفارق صفحة، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 63 و66 و67.


