من الفيدا إلى خليج أغو: تاريخ اللؤلؤ وأصله وأولى تجارب استزراعه

كتب تاجر اللؤلؤ الفرنسي ليونار روزنتال كتابه «في مملكة اللؤلؤ» بعد سنوات قضاها في التجارة بين باريس وبومباي والخليج العربي.

عن كتاب «في مملكة اللؤلؤ» · ليونار روزنتال · تحقيق: أحمد علي المرر

ليونار روزنتال٨ دقائق

كتب تاجر اللؤلؤ الفرنسي ليونار روزنتال كتابه «في مملكة اللؤلؤ» بعد سنوات قضاها في التجارة بين باريس وبومباي والخليج العربي. وقبل أن يصف المغاصات والأسواق، خصّص الفصول الأولى لثلاثة أسئلة: متى عرف الإنسان اللؤلؤ؟ وكيف يتكوّن؟ وهل يمكن صنعه أو استزراعه؟

نقرأ هنا ما يقوله الفصل الأول «اللؤلؤ في التاريخ» والفصل الثاني «أصل اللؤلؤ» والفصل الخامس «تربية محار اللؤلؤ»، مع حواشي المحقق التي تعرّف الأعلام وتصحّح ما احتاج إلى تصحيح.

أقدم الجواهر

يبدأ المؤلف بقوله: «اللؤلؤ هبةٌ غامضةٌ كاملةٌ من هبات الطبيعة، وقد ظهر منذ فجر التاريخ، ولعله كان من أوائل الجواهر التي عرفها الإنسان». ويرجّح أن رجلًا من آكلي السمك على سواحل الهند اكتشفه وهو يفتح المحار الذي يقتات به. ويشرح المحقق هذا الوصف: «في الأصل «ichthyophage»، أي آكلو السمك، وهو وصفٌ أطلقه الجغرافيون الإغريق على أقوامٍ من سكان السواحل كان السمك عمادَ طعامهم».

لوحة ملوّنة من رسم إدمون دولاك تصوّر مولد اللؤلؤة كما تخيّلته الأساطير
«مولد اللؤلؤة» (La Naissance de la Perle)المصدر: «في مملكة اللؤلؤ»، ص 9أصل الصورة: لوحةٌ ملوّنةٌ لإدمون دولاك (1882–1953) من طبعة هـ. بياتسا لكتاب «في مملكة اللؤلؤ»، باريس، 1920

ويقول المؤلف إن شعوب آسيا والفرس والمصريين كانوا يملكون أغنى المغاصات في المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج العربي، «كان من الطبيعي أن يكونوا أسبق الناس إلى إدراك سحر هذه الجواهر وقيمتها». ويوضح المحقق اختياره للاسم: «وآثرنا في الترجمة الاسم المستعمل عند أهل المنطقة: الخليج العربي».

في الهند والصين

يقول المؤلف إن كتب الفيدا «تتغنى بجمال حُليّ اللؤلؤ قبل الميلاد بأكثر من ألف عام». وينقل أسطورة قديمة عن قرابين العناصر: «قدّم له الهواءُ قوسَ قزح، والنارُ الشهاب، والأرضُ ياقوتةً، والبحرُ لؤلؤة».

أمّا الصينيون فقد قدّروا اللؤلؤ مبكرًا، «فقد كانوا يقبلونه في أداء الضرائب قبل المسيح بأكثر من ألفين وثلاثمئة عام». ويذكر المؤلف أن في أدبهم القديم إشارات غريبة إلى لآلئ بلغ من بريق بعضها «أن نارها كانت تكفي لطهو الأرز على بعد ألف متر!».

عقد من شوش

ويقول المؤلف: «وفي فارس عُرف الولع باللؤلؤ منذ أبعد العصور». ويذكر أن النقود القديمة التي تمثّل ملكات فارس تُري آذانهنّ مزدانة باللآلئ. ثم يذكر كشفًا أثريًّا: فقد جاءت بعثة دي مورغان «ببقايا عقدٍ بديعٍ من اللؤلؤ عُثر عليه في شوش (Suse)، في تابوت أميرةٍ أخمينية».

أن العرب الساكنين على شواطئ الخليج العربي كانوا قد لاحظوا أن المحارة إذا جُرحت أفرزت سائلًا خاصًّا إذا جفّ كان له بريقٌ لامعٌ متقزّح
ليونار روزنتال«في مملكة اللؤلؤ»

ويقول إن العقد يرجع على الأرجح إلى القرن الرابع قبل الميلاد، «وهو محفوظٌ اليوم في متحف اللوفر». ويعرّف المحقق شوش بأنها «مدينةٌ قديمة في سفوح جبال زاغروس الدنيا، على نحو 250 كيلومترًا شرق دجلة»، وأنها «كانت عاصمة عيلام، ثم العاصمة الشتوية للإمبراطورية الأخمينية».

في الكتب المقدّسة

ويقول المؤلف إن اللؤلؤ يرد كثيرًا في العهد القديم والإنجيل، وإن العبرانيين في التلمود، «والعرب في القرآن»، اتخذوه «رمزًا للجمال المثالي النقي». ويورد المحقق في حاشيته الآيتين: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]، و﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: 23].

الإغريق والرومان

يقول المؤلف إن الإغريق عرفوا اللؤلؤ عن طريق التجّار الفينيقيين، لكن استعماله لم ينتشر بينهم إلا بعد الحروب الفارسية، ولا يكاد يرد ذكره «إلا ابتداءً من عهد الإسكندر، أي من فتح الهند التي هي منشؤه».

ومن بلاد الإغريق انتقل الولع باللؤلؤ إلى روما. ويذكر المؤلف أن الرومان سمّوا اللؤلؤة «أُونيو»، ويعلّل بلينيوس ذلك «بقوله إن كل لؤلؤةٍ تولد فريدةً، ولا تشبه أبدًا لؤلؤةً أخرى». ويروي أن موكب نصر بومبي كان فيه تمثال له مصوّر باللؤلؤ، «وثلاثةٌ وثلاثون تاجًا من اللؤلؤ».

ويذكر قانون الإنفاق الروماني: «فقد حرّم قيصر حُليَّ اللؤلؤ على النساء اللواتي ليس لهن أولادٌ ولا أزواج، ولم يبلغن الخامسة والخمسين من العمر». ثم يقول إن الشغف لم يفتر، «فكان كاليغولا (Caligula) يكسو به حذاءه». ويذكر أن نيرون كان يرصّع به صوالجة الممثلين وأقنعتهم، وأن تاج قسطنطين الكبير وخوذته كانا مرصّعين به.

من بيزنطة إلى أوروبا

يتابع المؤلف رحلة اللؤلؤ عبر العصور. فبيزنطة جمعت منه مجموعات هائلة بسيطرتها على التجارة بين آسيا وأوروبا. وفي القرنين الثاني عشر والثالث عشر تعلّم صاغة أوروبا «أسرار الفن المغربي الأندلسي»، وأفادوا منها «في استعمال اللؤلؤ على الطريقة الشرقية». ويشرح المحقق أن المقصود «فنون المسلمين في الأندلس والمغرب».

ويقول إن اللآلئ والأحجار الكريمة كانت في العصور الوسطى «احتياطًا ماليًّا». فكان الأمراء يحملون كنوزهم إلى الحرب، «ولهذا السبب ضاعت كنوزٌ كثيرةٌ من كنوز العصور الوسطى وتلفت».

ويذكر أن كاترين دي ميديشي جاءت إلى فرنسا بأجمل لؤلؤة في العالم حين زُفّت سنة 1535. ويصحّح المحقق التاريخ: «والمعروف أن زواج كاترين دي ميديشي بهنري، الابن الثاني للملك فرنسوا الأول، كان سنة 1533».

دموع الملائكة وندى السماء

ينتقل المؤلف في الفصل الثاني إلى أصل اللؤلؤ. ويقول إن الشعراء رأوا فيه «تارةً دموعَ الملائكة، وتارةً عَبَراتِ النايادات أو حوريات البحر وقد استحالت جواهر».

ويرى المؤلف أن فكرة الدموع لا تزال حيّة في اعتقاد يلقى القبول أحيانًا، «بأن اللؤلؤ نذيرٌ بالدموع، أو أنه يجلبها على أصحابه». ويذكر أن ماري دي ميديشي، ملكة فرنسا، رأت في منامها أن ماساتها استحالت لآلئ، «وذلك في الليلة التي سبقت اغتيال هنري الرابع». ويعرّف المحقق هنري الرابع بأنه «ملك نافار ثم ملك فرنسا (1589–1610)»، اغتيل في باريس في 14 مايو 1610.

ويشرح كيف فسّر القدماء تكوّنه. فلمّا كان بريقه قريبًا من بريق قطرات الندى، انتهوا إلى «أن اللؤلؤ يتكوّن من قطرات ندى متبلورة». وكانوا يقولون إنه يستمد لونه من السماء عند الفجر، وإنه إذا أرعدت السماء «انطبق الحيوان من فرط الرعب، فبقيت الحبّات فارغةً مُجهَضة».

ويذكر أنهم زعموا أن الأصداف تعيش جماعات تحت إمرة ملك، كما يعيش النحل. ويرى أن هذه المعتقدات «جُمعت على الأرجح من كتب البراهمة السنسكريتية ومن كثيرٍ من آداب الشرق»، ثم نقلها بلينيوس وغيره.

حبّة رمل وجرح

يقول المؤلف إن النظرية التي يُدافَع عنها بأشدّ قوة في زمنه هي «النظرية الطفيلية». أمّا هو فيرى «أن اللؤلؤة تتكوّن عقب جرحٍ يصيب الرخويّ، إمّا بفعل حيوانٍ، وإمّا بحبّة رملٍ أو أية مادةٍ غريبةٍ أخرى». فتسارع المحارة إلى حبس هذا الجسيم «في سلسلةٍ من الأغلفة الكروية».

لوحة ملوّنة من رسم إدمون دولاك تصوّر أسطورة هندية قديمة عن اللؤلؤ
«لؤلؤة المحارب» (La Perle du Guerrier): «تظهرين على العربة، وتتلألئين على الكنانة» (من نشيد الأثرفا فيدا في الفصل الرابع عشر)المصدر: «في مملكة اللؤلؤ»، ص 20أصل الصورة: لوحةٌ ملوّنةٌ لإدمون دولاك (1882–1953) من طبعة هـ. بياتسا لكتاب «في مملكة اللؤلؤ»، باريس، 1920

ويقول: «وهكذا يولد في الألم هذا الأثرُ البديع من آثار الطبيعة». وينقل عن دوبوا قوله: «أجمل لؤلؤةٍ ليست إلا تابوتًا لامعًا لدودة».

ممّ يتكوّن اللؤلؤ؟

يقول المؤلف إنه لا فرق، على وجه الدقة، بين مادة اللؤلؤ والصدف اللؤلؤي، «وإنهما لا يختلفان إلا في نِسَب العناصر التي يتألفان منها». ويورد تحليلًا للؤلؤة يجعل نحو 91.6 في المئة منها من «كربيد الكالسيوم». ويصحّح المحقق: «كذا في الأصل (carbure de calcium)، والصواب كربونات الكالسيوم، وهي المادة التي تتكوّن منها الأصداف واللؤلؤ».

ويشرح المؤلف «الماء»، وهو أهمّ صفات اللؤلؤ: البريق «الناشئ عن تقوّس الطبقات المتراكزة المختلفة التي يتألف منها». ويقول إن جماله يتوقف على عدد الصفائح وثخانتها، «ولهذا السبب لا يمكن لقطعةٍ من الصدف العادي، تُنحت على شكل اللؤلؤة وتُصقل، أن تكتسب أبدًا ماء اللؤلؤ الحقيقي».

أربعة أشكال

يميّز المؤلف أربعة أشكال: المستدير، و«الأزرار»، والكمّثري، والباروكي. فالمستدير يوجد داخل الرخوي، «ويدين بشكله للسهولة التي يتحرك بها هناك». والكمّثري يقع عند حافة المصراعين، والباروكي في الغالب قرب عضلة المحارة.

ويذكر أن اللؤلؤ يتكوّن «في سنةٍ أو سنتين، وفي ثلاثٍ على الأكثر». ويقول إن المحارة تبلغ تمام نموّها بعد أربع سنوات، ثم «في نحو السادسة يموت الحيوان، فتنفتح الصدفة ويضيع ما فيها».

العمق والأمّ التي تطرد لؤلؤتها

يقول المؤلف إن الناس ظلّوا زمنًا يعتقدون أن أجمل اللؤلؤ يوجد في المياه العميقة، «غير أن نتائج التجارب التي أُجريت لم تكن مُرضيةً في الأعماق التي تزيد على عشرة أمتارٍ أو اثني عشر مترًا». فقد جُني منها صدف جميل، «ولكن القليل جدًّا من اللؤلؤ».

ويذكر أن كثيرًا من المحار، إذا تأذّى باللؤلؤة، «تمكّن من طردها من صدفته». ويستنتج من ذلك أن قيعان المحيطات تفترشها لآلئ كثيرة، من أجملها، «حيث لن تستطيع يدُ الإنسان، على الأرجح، أن تجنيه أبدًا».

أقدم خبر عن عرب الخليج

يفتتح المؤلف الفصل الخامس بخبر ينسبه إلى أبولونيوس الرودسي: «أن العرب الساكنين على شواطئ الخليج العربي كانوا قد لاحظوا أن المحارة إذا جُرحت أفرزت سائلًا خاصًّا إذا جفّ كان له بريقٌ لامعٌ متقزّح». ويقول إنهم كانوا يضعون المحارة على غربال فوق إناء ماء، فيقطر السائل «قُطيراتٍ مستديرةً صدفية اللون». ويعلّق المؤلف بأنه منذ ذلك الحين «لم ينقطع البحث عن وسيلةٍ لصنع لؤلؤٍ مصطنع». ويعرّف المحقق أبولونيوس بأنه شاعر إغريقي قديم «اشتهر بملحمة «الأرغونوتيكا»».

من الصين إلى اليابان

يقول المؤلف إن صناعة لآلئ الصدف قديمة جدًّا في الصين. ويضيف المحقق أن من أقدم ما دُوّن في تاريخ اللؤلؤ المستزرع «ما عُرف في الصين في عهد أسرة سونغ».

ويذكر المؤلف شركة في جزيرة قرب مِرغوي، تكتسي فيها الكرات الصدفية «في نحو عشرة أشهرٍ» طبقة من مادة اللؤلؤ. ويروي أن تجارب فيها أخفقت بسبب الأسلاك الحديدية، «فاضطُرّوا إلى استعمال أسلاكٍ حديديةٍ مطليّةٍ بالنيكل».

ويذكر أن السيد سالومون أقام في سيلان سنة 1916 مصنعًا «لتصوير المحار بالأشعة»، فيُفتح المحار الذي يحوي لآلئ كبيرة، ويُعاد الفارغ إلى البحر.

ثم يقول إن التربية تنتشر في اليابان، «ولا سيما في خليج «أغو» (Ago)». ويضيف المحقق: «وفيه ابتكر كوكيتشي ميكيموتو (1858–1954) طريقة استزراع اللؤلؤ سنة 1893، ثم رسخت في تلك الناحية صناعة اللؤلؤ المستزرع».

شروط التربية وأعداء المحار

يضع المؤلف شروطًا لتربية محار اللؤلؤ. فالمحار حسّاس للبرد، فينبغي أن يُختار له موضع «تبلغ فيه الحرارة خمس عشرة درجةً على الأقل». وتُجتنب مصابّ الأنهار، لأن الماء العذب قد يضرّ بالحيوان. ويجب أن يكون القاع صخريًّا «على عمقٍ يتراوح بين ستة أمتارٍ وثلاثة عشر مترًا»، وافر النباتات البحرية التي يعيش عليها المحار.

ويعدّد أعداء المحار: الأخطبوط ونجم البحر والراي وسمك الزناد وغيرها. ويقول إن أخطرها الأخطبوط، «الذي يحمل كلّ ما يجده في طريقه من الأصداف ويفرغه». ويصف طريقة لصيده في دلاء قاعها من زجاج المرايا، «وهو الصيد بالمرآة».

خاتمة

يتتبّع روزنتال اللؤلؤ من أساطير الفيدا وعقد شوش إلى تيجان روما وكنوز العصور الوسطى، ثم يشرح تكوّنه بلغة تاجر عارف بالعلم في زمنه. ويقف عند خبر قديم عن عرب الخليج العربي وهم يجرّبون استخراج بريق المحار، وعند أولى محاولات الاستزراع في الصين ومِرغوي وسيلان واليابان. وتصحّح حواشي المحقق ما ورد في النص من أخطاء في التواريخ والمصطلحات، وتعرّف الأعلام والمواضع.

المصدر

  • الكتاب: «في مملكة اللؤلؤ» (Au royaume de la perle)، تأليف: ليونار روزنتال (Léonard Rosenthal)، بلوحات إدمون دولاك؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الفصل الأول «اللؤلؤ في التاريخ» ص 10–15؛ الفصل الثاني «أصل اللؤلؤ» ص 17–23؛ الفصل الخامس «تربية محار اللؤلؤ» ص 45–49.
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

مقالات ذات صلة