من ساحل الخليج العربي إلى لار سنة 1617: الخانات والصهاريج والبازار

في الثاني عشر من أكتوبر 1617 نزل السفير الإسباني دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا من سفينته على الساحل المقابل لهرمز، وبدأ رحلة برية طويلة نحو بلاط الشاه عباس.

عن كتاب «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)» · دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا · تحقيق: أحمد علي المرر

دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا٨ دقائق

في الثاني عشر من أكتوبر 1617 نزل السفير الإسباني دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا من سفينته على الساحل المقابل لهرمز، وبدأ رحلة برية طويلة نحو بلاط الشاه عباس. وكانت أولى مراحلها الطريق الصاعد من «البندر» إلى مدينة لار. وقد خصص غارسيا لهذه المرحلة فصلين من شروحه: «من ساحل فارس إلى لار»، و«مدينة لار».

ويعرّف المحقق «البندر» بأنه «ميناء جمرون (Gamrūn) على البرّ المقابل لهرمز»، «وهو بندر عبّاس اليوم». أما لار فكانت قاعدة الإقليم الذي يمتد على ساحل الخليج العربي، ومحطة القوافل التي تحمل تجارة الخليج إلى الداخل.

هذا المقال لا يتابع السفارة وسياستها، بل يقرأ ما سجله غارسيا عن البنية التي قامت عليها تجارة القوافل: الخانات التي ينزل فيها المسافرون، والصهاريج التي تحفظ ماء المطر، والبازار الذي تُباع فيه البضائع، والعملة التي حملت اسم المدينة.

أرضٌ جافة وجبالٌ بيضاء

يصف غارسيا الطريق بعد مغادرة الساحل: «ويكون البحر دائمًا عن اليد اليسرى، ولا يبعد عن هذا الخان نصف فرسخ». وعلى جانبي الطريق «جبالٌ عظيمةٌ جرداء، لا أثر فيها لعشبٍ ولا كلأ، كلّها من ترابٍ أبيض». ويصف النبات القليل: «إلّا قليلًا من الشجيرات الصغيرة الدقيقة الورق، كلّها شائكةٌ كئيبة»، ويضيف أنها «لقلّة العشب مرعًى للإبل».

خريطة قديمة لكمرون (بندر عباس) وهرمز والجزر المجاورة، وفوقها منظر شجرة البانيان
«خريطةٌ دقيقةٌ لكمرون أو بندر عباس، وهرمز، والجزر المجاورة»، وفوقها منظر «شجرة البانيان» (صورة أضافها المحقق)المصدر: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، ص 107طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: نقشٌ هولندي، نحو 1682، متحف ريكس في أمستردام (RP-P-OB-47.376)

ومع فقر الأرض، يذكر غارسيا ميزة لأهلها: «ومع أنّ هذه الأرض شديدة الفقر والجفاف، فإنّه يُربّى فيها أحسن الجداء وأطيبها في آسيا كلّها، عند بعض أحياء العرب ومنازلهم».

الصهاريج: ماء المطر صدقةً جارية

الماء هو همّ المسافر الأول في هذا الطريق. يقول غارسيا: «وما إن يُترك البندر، وفيه آبار ماءٍ عذب، حتى تنعدم هذه النعمة كلّ الانعدام، فلا ماء إلّا ما يُجمع من المطر في صهاريج عظيمةٍ توجد من هذا الخان، خان گيچي، على طول الطريق إلى لار وشيراز».

ويصف صهريجًا جديدًا وجده قبل الخان، كان فيه «مقدارٌ من الماء البارد الصافي جدًّا يكفي جميع المسافرين وبعض منازل العرب القريبة». ثم يذكر من بناه: «وكان قد بُني من صدقةٍ أوصى بها تاجرٌ من لار، وسائر الصهاريج كلّها مبنيّةٌ من أعمال البرّ والوصايا التي يتركها الأتقياء عند موتهم، وكذلك أكثر الخانات أو بيوت النزول في آسيا كلّها».

الدلو الجلدي: حيلةٌ لاستخراج الماء الصافي

ويتوقف غارسيا عند أداة لفتت نظره. كان الماء قبل الأمطار قليلًا في الصهاريج، وتحته طمي كثير، فاستعمل أهل المنطقة «حيلةً بارعةً مريحةً لاستخراج الماء، وهي جلدٌ مستديرٌ مسطّح، قطره قدمان»، تُشدّ في محيطه حبال رقيقة كثيرة. وتجتمع الحبال في عقدة في مركز الجلد، ويُربط فيها حبل غليظ طويل.

يحقّ أن يكون المقام الأوّل للتمر الذي يُخرجه ذلك النخل في ناحيتها، فهو في حجمه ولونه وكمال طعمه يفوق كلّ تمرٍ يُزرع في سائر أنحاء الدنيا
دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا«هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»

ثم يشرح طريقة عملها: يُلقى الجلد على سطح الماء فيقع مبسوطًا، فإذا شُدّ الحبل الغليظ اجتمعت الحبال الصغيرة، «فيصير الجلد، بثقل الماء الذي يجتمع في وسطه، على هيئة كيسٍ عظيمٍ يسع جرّةً كبيرةً من الماء». والنتيجة: «وبهذا يخرج الماء نظيفًا صافيًا، ولو لم يكن في الصهريج منه أقلّ من شبر، دون أن يتعكّر أو يبلغ الحمأة التي تحته».

الخان: عمارةٌ للهواء

يعرّف المحقق الخان بأنه «بناءٌ على طرق القوافل لنزول المسافرين ودوابّهم، وقد كثر بناؤها في إيران في العهد الصفوي تشجيعًا للتجارة».

ويصف غارسيا تصميم خانات هذا الطريق: «وخان گيچي، وسائر الخانات حتى لار، على هيئةٍ تخالف هيئة ما بعدها، فهو على شكل تقاطع الكنيسة (cruzero)، بأربعة أبواب في أطراف التقاطع الأربعة، وفي وسطه قبّة، وهي أحسن موضعٍ فيه، لأنّ الهواء يدخلها من كلّ جهة، وهو ما يُحتاج إليه في أكثر السنة».

ويصف الخارج: «وهو من الخارج مربّع، مرتفعٌ عن الأرض قدمين أو ثلاثًا لئلّا تدخله الإبل ولا غيرها من الدوابّ، ويدور حوله كلّه مصطبةٌ تُتّخذ معالف». وفي زواياه الأربع سبع حجيرات أو ثمان صغيرة تنفتح على المصطبة.

عشاءٌ في كهورستان

في بلدة كهورستان، التي يرجّح المحقق أنها «قريةٌ في مقاطعة خمير بمحافظة هرمزگان في إيران»، دعا الحاكم السفير إلى العشاء على سطح بيته. ويصف غارسيا المائدة: جيء «بقنديلٍ عظيمٍ من المعدن»، «ومعه قِدرٌ عظيمةٌ جدًّا فيها دجاجٌ ولحم ضأنٍ وأرزٌ كثير». وكان خادم يوزّع الطعام بمغرفة طويلة من الخشب «في صحونٍ كبيرةٍ من القصدير والنحاس الأصفر»، ثم جاء آخرون «بأوانٍ من الخزف الصيني»، «وخُتم العشاء بالتمر والبطّيخ».

ويذكر أن آبار كهورستان كان ماؤها شبه مالح، ويشرح المحقق أن الماء كان يُستخرج بالنواعير، والكلمة في الأصل «norias، وهي من العربية «ناعورة»».

صخور البحر في الجبال

لاحظ غارسيا في الطريق صخورًا تبدو «كأنّها قطعٌ من ملاط البناء الروماني، لأنّها مؤلّفةٌ من حصًى كبيرٍ وصغير». ووجد أحد رجاله أصدافًا ملتحمة بالصخر. ويعلق المحقق بأن تأمل المؤلف «قريبٌ ممّا يقرّره الجيولوجيون اليوم، فجبال زاغروس التي تمتدّ إلى الخليج العربي تكوّنت من التواء طبقاتٍ رسوبيةٍ قديمةٍ». ويضيف أن الأصداف «هي من أحافير الأحياء البحرية التي تحفل بها الطبقات الرسوبية لجبال زاغروس».

جغرافية الخليج كما رآها غارسيا

يشرح غارسيا لماذا غاب البحر عن نظره رغم أن الطريق يحاذي الساحل. فالخليج يمتد من مدخله «الذي يصنعه رأس مسندم والساحل المقابل له من مُغستان قرب هرمز»، ثم ينعطف نحو البصرة ومصب الفرات، «وفي وسط هذا الخليج، وهو أطول كثيرًا ممّا هو عريض، جزيرة البحرين الخصيبة، التي يسمّيها سترابون وبلينيوس «تيلوس»، وهي مشهورةٌ في المشرق كلّه بمغاص لؤلئها البالغ الغنى». ويوضح المحقق أن تيلوس هو «الاسم الذي عرف به اليونانيون البحرين في العصر الكلاسيكي، ويُرجَّح أنّه صيغةٌ يونانيةٌ من «تلمون» أي دلمون».

لار: محطة القوافل

يصل غارسيا إلى لار في الثامن والعشرين من أكتوبر، ويصفها: «مدينة لار، قاعدة كرمانيا الصحراوية، قديمةٌ جدًّا، عظيمة القدر عند جميع هؤلاء العرب». ويصف بيوتها بأنها «من الطوب المدكوك»، وأن داخلها في أكثره «مبيّضةً بالجير، وكثيرٌ منها منقوشٌ بزخارف عربية، وأرضها من الآجرّ المحكوك المتلاصق». ويذكر أن «بعضها، لأهل الوجاهة، له ملاقف هواء (البراجيل)».

ويحدد مكانتها التجارية: «وهي هنا محطّةٌ معتادةٌ للقوافل التي تمرّ من فارس وكرمان وغيرهما إلى هرمز، والتي تمرّ من هناك ومن بلاد العرب إلى الولايات المذكورة، ولذلك فيها كثيرٌ من التجّار الفرس والعرب والوثنيين واليهود، ولهذه المدينة خاناتٌ كبيرةٌ لإيوائهم وإيواء بضائعهم».

البازار: عشرون شارعًا تحت القباب

أكثر ما أعجب غارسيا في لار سوقها: «ولكنّ أكثر ما يزيّن هذه المدينة اليوم ويشرّفها سوقٌ عظيمٌ فخمٌ جدًّا للبضائع، يسمّونه في العامّة باللسان العربي «بازار»». ويذكر أنه من عمل الله وردي خان، ويعرّفه المحقق بأنه قائد صفوي كان «أقوى رجال الدولة بعد الشاه عبّاس، ووالي فارس».

ويصف تصميمه بدقة: «وهذا البناء كلّه من خارجٍ مربّع، جدرانه عاليةٌ جدًّا من الحجر المنحوت الأبيض الشديد الصلابة، مئةٌ وخمسون خطوةً في كلّ جانبٍ من جوانبه الأربعة». ومن كل باب يمتد شارع إلى الوسط، «حيث يكون تقاطعٌ تُرى منه على استواءٍ الأبوابُ الأربعة كلّها؛ وفوق هذا التقاطع ترتفع قبّةٌ عاليةٌ جدًّا». وفي الأرباع الأربعة تقاطعات أصغر، «فتكون الشوارع كلّها عشرين: الأربعة الكبار التي يُدخل إليها من الأبواب الأربعة، والستّة عشر الصغار».

ويصف تنظيم التجارة فيه: «ويُباع في هذا البازار كلّ صنفٍ من البضائع، في الدكاكين المتّصلة على طول الشوارع كلّها»، وفوقها غرف يضع فيها التجار الغرباء أموالهم، «ثم يُغلق الجميع ليلًا ويكون في عهدة ناظر البازار وحرّاسه».

ويصف حياة السوق اليومية: كانت فيه دكاكين «للفاكهة الطريّة واليابسة ولخبزهم المعتاد»، والباعة الذين لا دكاكين لهم يضعون بضاعتهم «في سلالٍ على جانبي الشوارع». ويذكر قاعدة لافتة: «ولا يسمحون لأحدٍ أن يدخل البازار راكبًا، ويلتزم بهذا القانون حتى حاكمهم نفسه». وفي جانب من البناء «دار الحلوى»، وفيها عقود سفلى «يُكرَّر فيها السكّر ويُصنع كلّ صنفٍ من الحلوى».

صهاريج لار

في لار نفسها كثرت الصهاريج: فإلى جانب ما بناه الملوك والحكام «منفعةً عامّةً لازمةً لأهل المدينة وللعدد الكثير من المسافرين»، كان «كثيرٌ من الأتقياء المتديّنين في ملّتهم يبنون هذه الصهاريج بوصايا يتركونها في وصاياهم، كلٌّ بحسب قدرته». ويذكر عناية أهلها بنظافتها: «لأنّ لهم في هذه المدينة عنايةً ويقظةً خاصّةً في تنظيف الصهاريج كلّها كلّ سنةٍ قبل أن تأتي الأمطار، وهي عادةً في يناير وفبراير».

اللاري: عملة باسم المدينة

يذكر غارسيا أن السفير كان يأمر بأن يوزَّع على الفقراء والعازفين «من المرابطيات (maravedís) واللاريات الفضّية». ويشرح المحقق العملتين، فالمرابطي «عملةٌ إسبانيةٌ صغيرة، اسمها من «المرابطين»»، أما اللاري فهو: «نقدٌ من سلكٍ فضّيٍّ طوله نحو عشرة سنتيمترات، يُثنى عادةً على هيئة حرف C، كان متداولًا في البلاد المطلّة على بحر العرب والخليج العربي، ونُسب إلى مدينة لار التي تقول الرواية إنّها أوّل من ضربه».

تمر لار

ويختم غارسيا حديثه عن ثمار المدينة بالتمر: «يحقّ أن يكون المقام الأوّل للتمر الذي يُخرجه ذلك النخل في ناحيتها، فهو في حجمه ولونه وكمال طعمه يفوق كلّ تمرٍ يُزرع في سائر أنحاء الدنيا». ويصف لونه بأنه «أشدّ اتّقادًا، كأنّه ذهبٌ خالص».

القصور والحدائق

وفي لار بدأ الله وردي خان «بناء دارٍ بالغة الإتقان والحسن»، أتمّها ابنه، «لها في أسفلها عقودٌ بديعةٌ جدًّا فيها نوافير، وفي الطبقة نفسها حديقةٌ نضرةٌ جدًّا فيها كثيرٌ من البرتقال والليمون والأترجّ». ويلاحظ غارسيا عناية أهل المدينة بالماء لبركهم ونوافيرهم، «وهي لذّاتهم الخاصّة ومُتَعهم».

خاتمة

يرسم هذا القسم من شروح غارسيا صورة البنية التي حملت تجارة الخليج العربي إلى الداخل في مطلع القرن السابع عشر: صهاريج يبنيها التجار والأتقياء صدقةً لكل مسافر، ودلو جلدي يستخرج الماء صافيًا من شبر واحد، وخانات مصممة ليدخلها الهواء من كل جهة، وبازار بعشرين شارعًا مسقوفًا تحرسه القوانين، وعملة فضية حملت اسم المدينة وتداولتها بلاد الخليج. وقد شرح المحقق المصطلحات المعمارية والنقدية، وربط ملاحظات المؤلف عن الصخور بما يقرره علم الجيولوجيا اليوم.

المصدر

  • الكتاب: «هرمز والخليج العربي في شروح سفارة غارسيا دي سيلفا (1614–1624)»، تأليف: دون غارسيا دي سيلفا إي فيغيروا (García de Silva y Figueroa)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: الكتاب الرابع، الفصل الأول «من ساحل فارس إلى لار»: الطريق والنبات ص 62–64؛ الصهاريج والدلو الجلدي ص 64؛ الخان ص 63–65؛ كهورستان ص 67؛ الأحافير ص 68 و73؛ جغرافية الخليج ص 69. الفصل الثاني «مدينة لار»: المدينة والبازار ص 77–79؛ الصهاريج ص 80؛ اللاري ص 81؛ دار الله وردي خان والتمر ص 85.
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
  • أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 59–85؛ بعض المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة إلى ثلاث، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 59 وص 66.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة