في الرابع عشر من مارس 1838 غادر عالم النبات الفرنسي أوشيه-إلوا مسقط ليتوغّل في داخل عُمان، وعاد إليها بعد نحو أربعة أسابيع وقد جمع مئات العينات من النبات، بعضها لم يكن معروفًا لعلماء أوروبا. وقد سجّل رحلته يومًا بيوم في الفصل الخامس من يومياته، التي صدرت محققة بعنوان «رحلة عالم النبات أوشيه-إلوا إلى عُمان وبندر عباس (1838)».
ويصف المحقق الكتاب في مقدمته: «فهذا كتابٌ يضمّ يوميات عالم نبات فرنسي جاب سواحل الخليج العربي وعُمان في شتاء سنة 1838 وربيعها». ويرى أنه مصدر في علم النبات خاصة، لأن صاحبه رحل ليجمع النبات.
تناول مقال سابق في هذه السلسلة رحلة هذا العالم من بندر عباس إلى مسقط. أما هذا المقال فيتبعه في الداخل، ويقرأ يومياته من زاوية النبات والزراعة والطعام والحيوان.
الرحالة
يعرّف المحقق المؤلف: «هو بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا (Pierre Martin Rémi Aucher-Éloy)»، وُلد في مدينة بلوا بفرنسا، ودرس الصيدلة في أورليان ثم في باريس، «فشغفه علم النبات». ويذكر أنه تزوج سنة 1817 الآنسة إلوا، «فضمّ اسمها إلى اسمه، فصار يُعرف بأوشيه-إلوا».

وكان يمشي على قدميه طوال الطريق، ويقول في يومياته: «أما أنا فأمشي دائمًا على قدميّ، ولم أركب دابة مرة واحدة منذ مسقط». ويشرح السبب في موضع آخر، فهي عادة «مرهقة جدًّا حقًّا، ولكنها ضرورية لعالم النبات إن لم يرد أن يُهمل شيئًا».
ساحل الباطنة: الآبار والجراد
في الأيام الأولى سار أوشيه-إلوا محاذيًا البحر، ولاحظ طريقة السقي: «والبلاد كلها لا تُسقى إلا بالماء الذي يُستخرج من الآبار بلا انقطاع». ويوضح المحقق الفرق بين الساحل والداخل: «كان أهل ساحل الباطنة يسقون نخيلهم بالآبار، بخلاف الداخل الذي يُسقى أكثره بالأفلاج».
وفي قرية على وادي الخوض شهد مشهدًا يتكرر في الجزيرة العربية: كان الأهالي «يطلقون صيحات مروّعة، ويقرعون كل أواني مطابخهم، ليطردوا سحابة من الجراد كانت تحجب الهواء وتهدّد بإتلاف محاصيلهم». ويعرّف المحقق هذا الجراد بأنه «الجراد الصحراوي (Schistocerca gregaria)، الذي تجتاح أسرابه في بعض السنين أفريقيا وجزيرة العرب وجنوب غرب آسيا فتُتلف الزرع».
ثم بلغ قرية الخوض نفسها، ووصفها بأنها «الحسنة الريّ بماء العيون، التي يحيط بها نبات بديع؛ فالنخيل والأنبا (Mangifera indica) يؤلّفان فيها غابة جميلة».
نخل: النبات الجديد
في نخل، التي يعرّفها المحقق بأنها «ولاية في محافظة جنوب الباطنة بعُمان، عند سفوح جبال الحجر، تشتهر بقلعتها الكبيرة المبنية على مرتفع صخري»، أقام أوشيه-إلوا أيامًا. ويقول: «وفي نخل زروع جميلة، ونخيل كثير، وموز، وأنبا». ويضيف: «واكتشفت فيها شجرة جميلة من جنس Niebuhria». ويشرح المحقق أن هذا الجنس «يُعرف اليوم باسم Maerua، ويسمى بالعربية المَرْو».
ويذكر قصب السكر، ويلاحظ أنه لا يُصنع منه سكر في نخل: «بل يُكتفى بمصّه». وكان يرسل البذور إلى «حديقة النبات» في باريس، ويقول عن إحدى الشجيرات: «فإن نجحت البذور التي أرسلها إلى حديقة النبات كانت فرصة جميلة لأهل البستنة عندنا».
وفي رحلاته إلى جبل شبه القريب جمع نباتات كثيرة، ومنها «Moringa arabica، الذي يسكن أصعب الصخور مرتقًى». ويوضح المحقق أنه «هو المعروف اليوم باسم Moringa peregrina، ويسمى بالعربية البان».
ويذكر في يومه الثاني على جبل شبه أنه وجد نباتات يعرفها من بلاد بعيدة: إذ وجد هنا Iphiona scabra وjuniperifolia المعروفين من سيناء، ونوعًا جديدًا من الجنس نفسه. ويشرح المحقق أن Iphiona «جنس من الفصيلة النجمية يسمى بالعربية اللَّغَب، ومنه أنواع صحراوية في سيناء وجزيرة العرب». وفي جولة ثالثة اكتشف «نوع صغير من Linaria، دقيق جدًّا أنيق جدًّا». وفي لهيغر وجد «نوع جديد من Boerhavia»، وهو جنس يسمى بالعربية «الحَثْرة» كما يذكر المحقق.
الخريطة
يشكو أوشيه-إلوا من خريطته: «والأسماء في خريطتي محرّفة، والمواضع الرئيسة، ونخل نفسها، مُهملة فيها». وقد علّق ناشر الكتاب الأصلي بأن خريطته مأخوذة في هذا الجزء من خريطة الربّان ولستد. ويعرّف المحقق ولستد بأنه الملازم جيمس ريموند ولستد، «الضابط في البحرية الهندية، الذي طاف في داخل عُمان بإذن السيد سعيد منذ نوفمبر سنة 1835»، ويحيل إلى الخريطة المنشورة في الكتاب.
وفي سهل نخل نفسه يذكر قرى أخرى، «وكلها ذات مزارع نخيل واسعة وزروع جميلة، وهم يحصدون في هذا الوقت»، أي في أواخر مارس.
الطعام العُماني
يصف أوشيه-إلوا الطعام الذي كان الشيخ يرسله إليه مرتين في اليوم: «وكان الفطور خبزًا شديد البياض رقيقًا كالدانتيلا، لا يجرؤ المرء على لمسه خشية أن يصير مسحوقًا. ويُقدَّم على سلّة صغيرة لا تُستعمل في غير ذلك». ويذكر مكوناته: «يُصنع من لباب الدقيق وبياض البيض؛ وسائر الفطور قدح من اللبن الحامض قليلًا».

أما العشاء: «وفي المساء أرزٌّ مطبوخ بالسمن (پلاو) وشيء من «التوبيا» (Tobias) (Phaseolus lablab) مسلوقة في الماء بقرونها الجلدية». ويشرح المحقق أن الپلاو «الأرز المطبوخ بالسمن أو المرق على الطريقة الفارسية والتركية»، وأن النبات الآخر «يسمى بالعربية اللُّبْلاب، وهو نوع من الفول»، ويرجّح أن «التوبيا» «تحريفٌ لـ«اللوبيا»». ويختم المؤلف: «هذا هو الطعام العربي المعتاد، وهو كافٍ في هذه البلاد المحرقة».
الضيافة
عاد أوشيه-إلوا من إحدى جولاته في الجبل متعبًا، فوجد رجلًا ينتظره: «فجاءني بماء اللبن وبالتمر، وكل ذلك بدافع الإحسان والضيافة، من غير أدنى تفكير في جني أي منفعة من هذا العمل الصالح». ويضيف: «ولم تخطر لي حتى فكرة أن أعرض عليه بعض النقود، لأني كنت سأسيء إليه». ويعلق المحقق بأن «ما ذكره من كرم العرب فشهادة يوافقه عليها كثير من الرحالة».
الصعود إلى الجبل الأخضر: من النخيل إلى الكرمة
في الطريق إلى الجبل الأخضر قضى ليلة «تحت شجرة رائعة من التمر الهندي (Tamarindus indica)»، ويذكر المحقق أن من أسمائها «العرديب». ثم احتاج إلى اثني عشر حمارًا لنقل متاعه، لأن الطريق لا تصلح للجمال.
وفي قرية لهيغر لاحظ الزراعة: «وفي لهيغر زروع للحبوب، وبخاصة بساتين كبيرة من الرمان، تعطي ثمارًا كبيرة جدًّا ممتازة».
ومع الصعود تغيّر النبات: «وقد اختفى النخيل، وأخذت فواكه المناطق المعتدلة تظهر. وتُزرع الكرمة؛ وهي تؤلّف عرائش جميلة تعطي ظلًّا لذيذًا».
وفي سيق، حيث حلّت أشجار المناطق المعتدلة محلّ أشجار المناطق الحارة، قال: «فلاحظت الجوز، والتين، والمشمش، والكرز، والكرمة، والرمان. وكان الهواء حادًّا طوال الليل». ويقدّر المؤلف ارتفاع ما مرّ به من الجبل بـ800 إلى 900 قامة، ويصحح المحقق: القامة «مقياس فرنسي قديم للطول يساوي نحو 1.949 متر»، «فتقدير المؤلف لما مرّ به من الجبل دون الواقع»، إذ تبلغ أعلى القمم 3018 مترًا.
نباتان باسم المؤلف
من أهم ما جمعه أوشيه-إلوا في الجبل الأخضر نباتان حملا اسمه بعد ذلك. يقول: «وعدت من هذه الجولة ببنفسجة جميلة تنبت على أشدّ الصخور جفافًا»، وبخاصة بنبات «له هيئة الـPrimula، وسيكوّن على الأرجح جنسًا جديدًا». ويشرح المحقق أن هذا هو النبات الذي وُصف بعد ذلك «باسم Primula Aucheri، أي «زهرة الربيع الأوشيهية»»، وأن واصفيه قالا إن المؤلف جمعه «على الصخور الرطبة في جبل الأخضر».
والنبات الثاني: «ووجدت قرب قرية أوكند نوعًا جديدًا فاتنًا من Lonicera ذا أزهار جميلة، صفراء زاهية، وقد سمّيته aurea». ويذكر المحقق أنه وُصف بعد ذلك «باسم Lonicera Aucheri، في اللوحة 73»، وأن جنس Lonicera «يسمى بالعربية العَسَلة أو صريمة الجدي». وقد أثبت التحقيق اللوحتين النباتيتين لهذين النوعين.
وعند تنوف، عند السفح، لاحظ عند باب الحصن شجرتين رائعتين من جنس Cissus، ظنّها نوعًا جديدًا، يسميها العرب «زرو». ويلاحظ أن «كل قرية محمية بالأسوار والأبراج». ويعرّف المحقق تنوف بأنها «قرية قديمة عند السفح الجنوبي للجبل الأخضر قريبة من نزوى».
نزوى وإزكي: قصب السكر والقطن
نزل أوشيه-إلوا من الجبل إلى نزوى، ووصفها بأنها «قرية كبيرة أو بالأحرى مدينة صغيرة، ذات زروع واسعة». ويعدد زروعها: «ويُرى فيها كثير من قصب السكر الذي يُصنع منه دبسٌ أسود رديء، والنخيل، والموز، والقطن، والأنبا، والرمان، والليمون الذي يعطي ثمرًا صغيرًا، لكنه ملآن بالعصير».

وحين أصابته الحمى، جاءه شيخ المكان «بقالب من السكر، وهو شيء نادر في البلاد، مع أن البلاد مغطاة بقصب السكر».
وفي وادي بني رواحة لاحظ زراعة العلف والقطن: «فيُزرع فيه عادةً تحت النخيل الـMedicago sativa لعلف الحيوانات، والقطن في الوادي وفي كل القرى تقريبًا؛ ولاحظت أنوالًا لغزله ونسجه، وهي الصناعة الوحيدة في البلاد». ويشرح المحقق أن هذا النبات «هو البرسيم الحجازي، المعروف في عُمان والخليج باسم «القَتّ»، ويُزرع علفًا للمواشي».
الحيوان والخضر
يسجّل أوشيه-إلوا ما لاحظه من الحيوانات الأليفة: «والحيوانات الأليفة الوحيدة التي لاحظتها في بلاد مسقط هي الجمل والحمار والكلب والقط والدجاجة والمعزى». ويذكر أن في مرتفعات الجبل الأخضر بعض البقر. وهنا ينبّه المحقق: «هذا ما لاحظه المؤلف في مسيره القصير، ولا يصحّ تعميمه على عُمان كلها، فالمعروف أن الأغنام والأبقار كانت تُربّى في نواحٍ كثيرة منها».
وعن الخضر يقول: «والخضر الوحيدة من خضرنا التي رأيتها مزروعة هي البصل، والفجل، الذي يؤكل منه الجذر والورق كذلك، والبازلاء الصغيرة». ويضيف من خضر البلاد اللبلاب والملوخية، ويشرح المحقق أن Corchorus olitorius «هو المُلوخية، تؤكل أوراقها مطبوخة».
ملاحظة على الطريق
وكانت الطرق الجبلية شاقة على الدواب، فيذكر أن الحمار الواحد لا يحمل فيها «أكثر من خمسة وعشرين رطلًا إلى ثلاثين»، وأنه «بحسب عادة البلاد، لا بدّ لكل دابة حمل من رجل». ويصف طريق الصعود من أوكند إلى القمة بأنها «ما يشبه السلّم أكثر مما يشبه الطريق».
خاتمة
تقدّم يوميات أوشيه-إلوا صورة نادرة لنبات عُمان وزراعتها في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، بعين عالم يمشي على قدميه ليجمع كل نبتة: من نخيل الباطنة المسقي بالآبار، إلى الأنبا والموز في نخل، إلى الكرمة والجوز والمشمش في سيق، إلى قصب السكر والقطن والقتّ في نزوى ووادي بني رواحة. وفيها أيضًا الطعام اليومي والضيافة. وقد أضاف المحقق الأسماء العربية لعشرات النباتات التي لم يذكر المؤلف إلا أسماءها اللاتينية، وصحّح تقديراته للارتفاع، وأثبت لوحتي النباتين اللذين حملا اسمه.
المصدر
- الكتاب: «رحلة عالم النبات أوشيه-إلوا إلى عُمان وبندر عباس (1838)»، تأليف: بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا (Pierre Martin Rémi Aucher-Éloy)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: مقدمة التحقيق ص 3–4؛ الفصل الخامس «في داخل عُمان»: الباطنة والجراد والخوض ص 57–58؛ نخل ونباتها ص 59؛ الطعام والضيافة والبان ص 61–62؛ الصعود إلى الجبل ص 62–63؛ Primula وLonicera ص 63–64؛ سيق والقامة ص 67؛ نزوى ص 68–69؛ الحيوان والخضر ووادي بني رواحة ص 71.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل إلى PDF.
- أرقام الصفحات تقريبية: الصفحات المذكورة تقريبية؛ النطاق: ص 57–71 (والمقدمة ص 3–4)؛ بعض المواضع الفرعية تقريبية بفارق صفحة، ومنها مقتبس يقع فعلًا في ص 60 وص 66.


