ضيفٌ في خيام السبعة: أيام أبتون عند سليمان بن مرشد ورحلة الفرس الدهماء

في صيف إحدى سنوات السبعينيات من القرن التاسع عشر خرج الرائد الإنجليزي روجر داوسن أبتون من دمشق، وقد ضربتها الكوليرا، قاصدًا خيام السبعة من عنزة في البادية.

عن كتاب «ملتقطات من بادية العرب» · الرائد ر. د. أبتون · تحقيق: أحمد علي المرر

الرائد ر. د. أبتون٨ دقائق

في صيف إحدى سنوات السبعينيات من القرن التاسع عشر خرج الرائد الإنجليزي روجر داوسن أبتون من دمشق، وقد ضربتها الكوليرا، قاصدًا خيام السبعة من عنزة في البادية. وكان أبتون ضابطًا «من أهل الخيل»، كما يصفه المحقق، جاء يطلب الخيل العربية الأصيلة ويدرس أنسابها. وفي الفصل الذي سمّاه «زيارة السبعة» من كتابه «ملتقطات من بادية العرب» (1881) روى ما رآه في المخيم: الاستقبال، والقهوة، والعشاء، والآبار، والإبل، ثم المفاوضة الطويلة على شراء فرس.

وهذه المقالة تتبع ذلك الفصل.

من هو أبتون؟

يقول المحقق في مقدّمته إن أبتون «ضابطٌ إنجليزيٌّ من أهل الخيل، رحل إلى الشام وبادية العرب في سبعينيات القرن التاسع عشر للميلاد، وخالط قبائل عنزة وغيرها». وينقل عن سبنسر بوردن، صاحب كتاب «الحصان العربي» (1909)، أن جماعة من الإنجليز أرسلوا أبتون إلى حلب ليذهب مع رجل اسمه سكين إلى البادية «فيختارا الخيل ويحصلا عليها».

لوحة الخيمة العربية للرسام إدوين لاندسير، وضعها المحقق عند حديث المؤلف عن قهوة خيمة البدو
شكل 18: الخيمة العربية. إدوين لاندسير، 1865. (صورة أضافها المحقق)المصدر: «ملتقطات من بادية العرب»، ص 201طبيعة الصورة: صورة فنية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: إدوين لاندسير، 1865؛ مجموعة والاس، لندن؛ ويكيميديا كومنز (Public domain)

ويذكر المحقق أن الكتاب صدر بعد وفاة مؤلّفه، وأن صفحة العنوان تقول: «تأليف الرائد الراحل ر. د. أبتون».

ولا يسرد أبتون تواريخ رحلته سردًا متّصلًا. لكن المحقق يذكر أن في فصل «الحجج المكتوبة للأنساب» خمس حجج لأنساب خيل من خيل السبعة، «مؤرخةً في 16 و17 تموز (يوليو) 1875م، وعليها شهادة الشيخ سليمان بن مرشد شيخ القمصة، وفي بعضها شهادة الشيخ جدعان بن مهيد شيخ الفدعان».

ويرى المحقق أن للكتاب قيمة عند القارئ الخليجي، لأنه «يعنى الكتاب بموضوعين لهما عند القارئ العربي، والخليجي خاصة، شأنٌ معروف: البادية وأهلها، والخيل العربية». ويذكر أن المؤلف يتحدّث في موضع آخر عن الخيل التي تُنتج «في العراق وفي البصرة والكويت، قرب الخليج، وتُصدّر إلى الهند».

«أخي» غُدّى

يقول أبتون إن السبعة «فرعٌ مما يمكن أن يُسمّى القسم الشرقي الكبير من جنس عنزة». وقد أرسل سليمان بن مرشد، «شيخ القمصة وقائد قبائل السبعة من عنزة»، من يحرس الركب في الطريق.

ومن هؤلاء رجل يسمّيه أبتون Ghudda. ويقول إنه «كان صهره، وصار «أخي»، وهي عادةٌ بدويةٌ تُوثّق بصيغةٍ معينةٍ مستعملةٍ بين العرب في البادية». ويقول عن هذه الحراسة: «وكانت هذه حراستنا الحقيقية، وجواز مرورنا وأمان طريقنا عبر البادية إلى عنزة».

ويذكر أن الركب حمل معه كلّ ما يحتاج إليه، وحمل الهدايا أيضًا، ومنها هدايا خفيفة «كالخُمُر والمناديل للسيدات، والحلوى للأطفال».

ظلّ صخرة

وبعد نحو ستّ عشرة ساعة على السروج انتظروا بقيّة الركب عند مخرج شِعب. ويقول أبتون إن أخاه Ghudda قال: «تعالوا، أقودكم إلى بيتٍ تستريحون فيه». فقادهم إلى ظلّ صخرة عظيمة. ويقول أبتون إن الظلّ الذي تلقيه هذه الصخرة بدا «البقعة الوحيدة التي أراها».

والفرس المولود في البادية، فحلًا كان أو أنثى، الجريء كالأسد بين قومه وفي البادية، يذعر ويهتاج اهتياجًا جامحًا إذا وُضع إزاء مناظر وأصواتٍ غير مألوفة
الرائد ر. د. أبتون«ملتقطات من بادية العرب»

صفوف الخيام السود

ويصف أبتون اقترابهم من المخيم عند الغروب. فقد مرّوا «بقطاراتٍ طويلةٍ وأسرابٍ من الإبل» تأتي من كلّ صوب إلى نقطة واحدة. ثم رأوا «صفًّا طويلًا من الخيام السود، يمتد ثلث ميلٍ أو نصف ميل».

ويقول: «والشابات يمضين بجرار الماء إلى الآبار؛ والرجال يسقون الإبل؛ وبضع أفراسٍ تسرح هنا وهناك». ويذكر أن النساء الكبيرات تركن أشغالهن وأتين إلى أبواب الخيام لينظرن إلى الغرباء.

ويروي أن Ghudda ركب إلى أقرب خيمة، فعاد بقدح من الماء. ويقول إن لونه داكن، «لكنه طيب المذاق عذب»، وإن صاحبه بدا «مسرورًا أن استطاع أن يقدّم لنا شيئًا ترحيبًا بنا في خيام السبعة من عنزة».

ويذكر أن صفوف الخيام ليست مستقيمة، «بل على شكل هلالٍ خفيف».

«شيخ المشايخ»

وفي طرف الصفّ الثالث كانت خيمة الشيخ، «وهي طويلةٌ جدًّا، أكبر ما رأينا من الخيام». ويقول أبتون إن رجلًا ضخمًا قفز على ظهر فرس وتقدّم للقائهم: «إنه سليمان بن مرشد، «شيخ المشايخ»، وهذا لقبه في البادية».

ويقول إن الشيخ نزل عن فرسه، ورحّب بهم، وأدخلهم «ذلك القسم منها المخصص للضيوف». وهناك وجدوا جدعان بن مهيد، «شيخ الفدعان من عنزة»، وكان قد عرف رفيق أبتون من قبل. ويقول: «ويقوم الجميع عند دخولنا». ثم «تُرتّب لنا البسط والوسائد لنجلس عليها ونتكئ؛ وتُعدّ القهوة على الفور».

«ولا قهوة كقهوة خيمة البدو»

ويكتب أبتون: «ولا قهوة كقهوة خيمة البدو». ويقدّر طول خيمة سليمان بن مرشد بنحو «مئةٍ وخمسين قدمًا أو مئةٍ وستين»، ويقول إنها «كانت مقسومةً ثلاثة أقسام»، وإنه «لا بد أنه كان في قسم الضيوف مئة رجل».

ويذكر أن الشيخ كان يدخل أحيانًا ويجلس دقائق ويسأل عن رحلتهم، «لكن من الصمت الذي كان يُلتزم، كان واضحًا أنه يريد أن تُتاح لنا فرصة الراحة».

ويصف جدعان بن مهيد بأنه «في سلوكه وعباراته من الأدب بقدر ما يمكن أن يكون أكمل من نسمّيه الرجل المهذّب». ثم يسأل: «أليس هؤلاء أمراء جنسٍ من النبلاء؟»

عشرون رجلًا يزيلون الحجارة

ولمّا وصل متاعهم سألوا أين يضربون خيمتهم. فقال الشيخ: حيث شاؤوا، واقترح أن تكون بجانب خيمته. ويقول أبتون: «وفي الحال التقط عشرون بدويًّا أو أكثر الحجارة المتناثرة بكثافةٍ على الأرض وألقوها بعيدًا»، ثم أعانوا على ضرب الخيام وجلب الماء.

فرس كميت خلف الخيمة

وفي أوّل مساء، وهم متّكئون على البسط، رأوا «مهرةً شهباء داكنةً ترعى خارج الخيمة»، ثم قاد رجلان فرسًا كميتًا وربطاها خلف الخيمة. ويقول أبتون إنهم رأوها من الفتحة التي أُحدثت برفع جدار الخيمة «ليدخل تيار الهواء حرًّا». ويصف رأسها وعنقها المقوّس قليلًا، وأذنيها المنتصبتين، وهي «تطلب شعيرها الذي يُجلب إليها في مخلاة».

ويذكر في موضع لاحق أن أكثر الأفراس كانت تكره أن يقترب منها غريب. ويقول: «والفرس المولود في البادية، فحلًا كان أو أنثى، الجريء كالأسد بين قومه وفي البادية، يذعر ويهتاج اهتياجًا جامحًا إذا وُضع إزاء مناظر وأصواتٍ غير مألوفة».

العشاء في الصحن الكبير

ويقول أبتون: «والعشاء الآن جاهز؛ وهو من لحم الضأن والأرز». ويذكر أنه «ذُبح خروفان»، وطُبخا في وقت قصير. ويصف الصحن بأنه حديدي كبير مستدير، «عمقه نحو سبع بوصاتٍ أو ثمانٍ»، يحمله ستّة رجال يتقدّمهم الشيخ نفسه.

لوحة لبدو يستريحون عند بئر، للرسام أدولف شراير
شكل 19: بدوٌ يستريحون عند بئر. أدولف شراير، قبل 1899. (صورة أضافها المحقق)المصدر: «ملتقطات من بادية العرب»، ص 207طبيعة الصورة: صورة فنية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: أدولف شراير، قبل 1899؛ ويكيميديا كومنز (Public domain)

ويقول إن الصحن يُزيَّن «بقدرٍ وافرٍ من أرغفة القمح الكبيرة الرقيقة»، وإن الأرغفة «تقوم مقام الأطباق». ويذكر أن كلّ واحد يأخذ القطعة التي يشتهيها، «لكن العرب الكرماء يلفتون نظرنا دائمًا إلى لقمةٍ أطيب لم نكن قد اخترناها».

ويقول إن بقايا الوليمة يتناولها بعد ذلك «جموعُ العرب في خيمة الشيخ وحولها».

اللطف والضيافة

ويقارن أبتون بين عنزة وغيرهم من القبائل التي زارها. ويقول: «فاللطف والضيافة كانا واحدًا عند الجميع، لكن كان في طريقة الاستقبال عند شيوخ عنزة مزيدٌ من المراسم».

ويذكر أنهم لم يلقوا «أي فظاظةٍ أو إلحاح»، وأنه لم يسألهم أحد حتى التبغ. ويقول إن الشيخ إذا رأى الازدحام حول خيمتهم أكثر ممّا يليق صرف المتفرّجين، «وكلما دخلنا خيمة الشيخ قام كل من فيها».

ويقول عن المخيم كلّه: «ولا بد أن يُفهم أن مخيم قبيلةٍ كبيرةٍ من عنزة هو الموطن المتنقل لجماعةٍ كبيرةٍ ذات شأن، ويغطي مساحةً تعادل مساحة مدنٍ كبيرةٍ كثيرة».

زوبعة تقلب الخيمة

ومن الحوادث التي يرويها أبتون أن عمودًا من الرمل الأحمر الداكن اندفع نحو خيمتهم المستديرة عند الظهر. ويقول: «فاقتُلعت الأوتاد، وطارت الحبال، وفي لحظةٍ دارت الخيمة وانقلبت باطنها ظاهرها كمظلةٍ في عاصفة». ويذكر أن رفيقه تشبّث بعمود الخيمة الأوسط، وأن الجميع تشبّثوا بها حتى أنزلوها إلى الأرض.

مئة ألف من الإبل

ويصف أبتون مشاهد الصباح والمساء «عند الآبار المكشوفة، حيث يجتمع عددٌ كبيرٌ من الناس ليستقوا الماء». ويقول إن «أذوادٌ هائلةٌ من الإبل» تُخرج كلّ صباح إلى المرعى وتعود في المساء.

ويذكر أن رفيقه كان يجلس عند باب خيمته فيعدّ الأذواد وهي تخرج، «وقدّر عددها بمئة ألفٍ على الأقل».

عرض الخيل

وكان عمل أبتون اليومي أن يفحص الفحول والأفراس التي يجلبها أصحابها. ويقول إن البدو ظلّوا مدّة «شديدي التحرج من إخراجها إلينا»، ثم صاروا أكثر ثقة لمّا رأوا معرفة الضيوف بالخيل وأنسابها. ويقول: «فقد دهشوا أولًا من أسئلتنا، ونظر بعضهم إلى بعضٍ نظرة تساؤل: كيف يعرف هؤلاء الغرباء هذه الأمور؟»

ويشرح المحقق «الخمسة» التي سألوا عنها بأنها «الأرسان الخمسة الكبرى للخيل العربية الأصيلة عند البدو»، ويعدّدها على ما ذكرته الليدي آن بلنت: «كحيلان، وصقلاوي، وعبيان، وحمداني، وهدبان».

ويذكر أبتون أن الفرسان كانوا يأتون أربعة أو خمسة في صفّ، ويتذكّر الوصف العربي «بأن الأفراس تشبه النساء الحسان الجميلات، يميزهن مشيهن المتمايل».

ويلاحظ أنه «لم يكن ثمة ميلٌ إلى إخفاء أي عيبٍ أو تشويهٍ أو تمويهه». فإذا أشار إلى عيب في فرس لم يقدّم صاحبه عذرًا، بل قال ما معناه: ها هو الفرس على ما هو عليه.

الفرس الدهماء

ويروي أبتون قصّة فرس دهماء في الخامسة، «كانت مخلوقةً جميلة، دون خمسة عشر شبرًا بقليلٍ ارتفاعًا». وكرّر عرضه على صاحبها، لكن الرجل أخذ الفرس ومضى عند الغروب.

فأمر أبتون بقلع خيمته والتأهّب للرحيل. ويقول إن سليمان بن مرشد وجدعان بن مهيد جاءا مسرعين يسألان: «ماذا فعلوا؟ ماذا حدث؟» فشرح لهما أنه جاء من مسافة بعيدة، وأنه عرض ثمنًا عادلًا، «فإن رأى أنه غير كافٍ فليخبرني».

ويقول إن الشيخين أمسكا بيديه «وتوسلا إليّ أن أبقى»، «ووعدا وعدًا صادقًا بأن الفرس الدهماء ستكون لي في الصباح التالي».

شهادة مختومة

وفي الصباح أقبل سليمان بن مرشد يقود الفرس، ومعه جدعان بن مهيد وصاحبها. ويقول أبتون: «وكان سليمان بن مرشد هو الذي وضع حبل الرسن في يدي». وعُدّ الثمن، «وهو بالضبط ما كنت قد عرضته».

ثم يقول: «وكُتبت بطلبي شهادةٌ بسيطةٌ جدًّا بنسب الفرس وأسرتها، بحضور الشيخين، فختما عليها، أحدهما ضامنًا والآخر شاهدًا».

ويذكر أبتون أن التعامل كان نقدًا، وأن عنزة لم يلتفتوا إلى الذهب الإنجليزي والفرنسي، بل طلبوا «ذهبًا تركيًّا أو فضة». ويعلّل ذلك بأنهم يعرفون قيمة الذهب التركي في شراء الحبّ من التجّار، ويخشون الخسارة في صرف غيره.

خاتمة

يكتب أبتون عن أيامه عند السبعة بعين رجل جاء يشتري الخيل، لكنه سجّل في الطريق صورة مفصّلة لمخيم بدوي كبير: خيمة الضيوف، والقهوة على النار في وسطها، والعشاء في الصحن الكبير، والآبار المزدحمة، والإبل التي تخرج بالآلاف كل صباح. وتُظهر قصّة الفرس الدهماء مكانة الخيل عند أصحابها، ودور الشيخ في عقد الصفقة وضمانها وشهادته المختومة على نسب الفرس المبيعة.

المصدر

  • الكتاب: «ملتقطات من بادية العرب» (Gleanings from the Desert of Arabia)، تأليف: الرائد ر. د. أبتون (Major R. D. Upton)، لندن 1881؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: 3–6، 198–208
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة

التراث

عالم نباتٍ على الأقدام: نبات عُمان وزروعها وطعامها في يوميات أوشيه-إلوا سنة 1838

في الرابع عشر من مارس 1838 غادر عالم النبات الفرنسي أوشيه-إلوا مسقط ليتوغّل في داخل عُمان، وعاد إليها بعد نحو أربعة أسابيع وقد جمع مئات العينات من النبات، بعضها لم يكن معروفًا لعلماء أوروبا.

بيير مارتان ريمي أوشيه-إلوا٩ دقائق