كان الرائد الإنجليزي روجر داوسن أبتون رجلًا «من أهل الخيل»، كما يصفه المحقق. وقد قضى أيامًا طويلة في خيام السبعة من عنزة يفحص الفحول والأفراس التي يجلبها أصحابها. وفي القسم الثالث من كتابه «ملتقطات من بادية العرب» (1881) جمع ما رآه في فصول عن الحصان العربي، أو «الكحيلان» كما يسمّيه.
وهذه المقالة تعرض فصلين من ذلك القسم: الفصل الذي وصف فيه هيئة الكحيلان عضوًا عضوًا، والفصل الذي نشر فيه حجج أنساب خيل كُتبت له في مخيم السبعة.
«كحيلان» اسمًا جامعًا
يلخّص المحقق رأي المؤلف في مقدّمته، فيقول إن أبتون يرى أن «الخمسة» ليست خمس سلالات متميّزة، «بل أسرةٌ مختارةٌ واحدةٌ من جنس «الكحل»»، وأن «كحيلان» «اسمٌ جامعٌ للخيل العربية الأصيلة كلها».

ويشرح المحقق «الخمسة» في حاشية بأنها «الأرسان الخمسة الكبرى للخيل العربية الأصيلة عند البدو»، ويعدّدها على ما ذكرته الليدي آن بلنت: «كحيلان، وصقلاوي، وعبيان، وحمداني، وهدبان».
ويقول أبتون في أوّل فصل الوصف إن أقواله «مبنيةٌ على ملاحظةٍ شخصيةٍ لخيل عنزة، وهم القوم الذين يُعدّون بإجماع الناس أصحاب أجود الخيل في بلاد العرب».
«إنها خيل سباقٍ بالفطرة»
ويقول أبتون إن أوّل ما يستوقف الناظر إلى مجموعة من الخيل العربية «المظهر العام للطابع، للدم أو كرم النسب»، و«طولها العام الكبير». ويروي أنه هتف مع رفيقه حين رآها: «يا لبعد مداها، ويا لسعة خطوها! إنها خيل سباقٍ بالفطرة».
الرأس
ويخصّ أبتون الرأس بأطول وصف. فيقول: «والرأس جميلٌ جدًّا، لا يسر العين بتقاطيعه الرشيقة فحسب». ويصفه بأنه «كبيرٌ فوق العينين، صغيرٌ قصيرٌ من العينين إلى الخطم».
ويذكر أن مركز العين يقسم الرأس قسمين أقرب إلى التساوي ممّا في سائر الخيل. ويصف المنخر بأنه «طويلٌ على نحوٍ خاصٍّ لا مستدير»، وأنه حين يتّسع «ينفتح إلى أعلى وإلى الخارج معًا». ويقول إن الحيوان حين يهتاج يبدو رأسه «كأنه مركبٌ من جبهةٍ وعينين ومنخرين».
ويرى أبتون أن هذا الرأس يدلّ على «أرفع مراتب الصفات: الذكاء، والنشاط، والشجاعة التي لا تُقهر». ويقول: «ويكاد يكون إنسانيًّا في تعبيره عن النبل والوقار والفطنة».
ولم يكتف أبتون بالوصف، بل قاس. فيذكر قياسًا بلغ «سبعًا وثلاثين بوصةً» حول الجبهة، في مقابل «خمس عشرة بوصة» حول الخطم فوق المنخرين.
العين
ويقول أبتون عن العين: «والعين ممتلئةٌ كبيرةٌ لامعة». ويرى أن جمالها لا يتوقّف على ما يُرى منها بين الجفنين، «بل يُستمد من عمقها وتعبيرها». ويذكر أن العين حين يهتاج الحيوان «تُبدي العين نارًا كثيرة، لكن قلّما يُرى شيءٌ من بياضها». ويصف الأهداب بأنها «طويلةٌ حريرية».
ثلاث محاسن يدقّق فيها العرب
ثم ينقل أبتون ما سمعه من البدو أنفسهم. فيقول: «والعرب شديدو التدقيق في ثلاث محاسن تتصل برأس حصانهم». ويعدّدها: «»، أي الجبهة؛ و«»، أي شكل الحلق عند اتّصاله بالرأس؛ وشكل الأذنين وحجمهما واتّجاههما.
ويشرح المحقق اللفظين: «الجبّة: الجبهة البارزة بين العينين، والمذبح: موضع اتصال الرأس بالعنق عند الحلق، وهما من ألفاظ البدو في وصف الخيل».
ويقول أبتون عن الجبّة: «لا تكاد تكون أكبر أو أبرز مما يرضي العربي». ويذكر أنها في الفرس «أكثر استدارةً وأبرز بروزًا قاطعًا». ويقول: «وحين تكون للحصان مثل هذه الجبهة يقول العرب إن له «جبّة»».
ويقول إن المذبح ينبغي أن يكون له «انحناءٌ خفيفٌ رشيق»، فيتيح حمل الرأس حملًا سهلًا، ويمنح مجاري الهواء حرّية كبيرة. ويختم: «والكحيلان في جوهره عميق النفَس، طويل النفَس جيده».
وعن الأذنين يقول إنهما ينبغي أن تتّجها إلى الداخل، «حتى يكاد طرفاهما يتلامسان». ويذكر أنهما في الحصان «أصغر وأشد انتصابًا»، وفي الفرس «أطول قليلًا وأكثر انفتاحًا».
ويقول: «وهذه السمات الثلاث، الجبّة والمذبح والأذنان على الوصف المتقدم، تقطع شوطًا بعيدًا في تكوين رأسٍ كامل».
العنق والظهر والقوائم
ويصف أبتون العنق بأنه «معتدل الطول، ذو انحناءٍ رشيقٍ أو تقوسٍ لطيفٍ من القذال إلى الحارك». ويقول: «والظهر قصير؛ والقطن قوي، والكفل عالٍ».
ويصف الصدر بأنه «عميقٌ واسعٌ معًا»، ويقول إنه يختلف في كمال شكله عن صدر أيّ نوع آخر من الخيل رآه. ويذكر أن الجلد «دقيق؛ والشعر قصيرٌ ناعمٌ حريري».
ويلاحظ أنهم لم يروا بين خيل عنزة حصانًا واحدًا «ذا عنقٍ مقلوبٍ أو حتى ضعيف»، حتى ما كان منها هزيلًا ضامرًا.
الوجه والخطم والشفتان
ويمضي أبتون في وصف بقيّة الرأس. فيقول: «والوجه ضامرٌ مليءٌ بالتقاطيع الدقيقة. والخطم دقيقٌ على نحوٍ خاص». ويصف الشفتين بأنهما «طويلتان رقيقتان (غير لحيمتين)». ويقول إن الشفة العليا «حسنة القطع أو منحوتة»، وإن السفلى «صغيرةٌ حسنة التكوين منضمةٌ موجزة».
ويصف الفكّين السفليين بأنهما «دقيقان نظيفان متباعدان». ويقول إن الأذنين تتّجهان إلى الداخل على نحو بارز، «يُعدّ من محاسن الجمال العظيمة، وعلامةً كبرى على كرم النسب أو خلوصه».
الكتفان والركبتان والحوافر
ولا يقف الوصف عند الرأس. فيقول أبتون: «والكتفان طويلتان قويتان حسنتا النمو، لكنهما خفيفتان عند الأطراف». ويذكر أن العضدين «طويلان ضامران عضليان». ويصف الركبتين بأنهما «كبيرتان مربعتان عميقتان».
ويقول عن القوائم: «والقوائم قصيرةٌ عميقةٌ ذات عظمٍ وافي الحجم». ويذكر أن الرسغين «طويلان كبيران مائلان، شديدا المرونة قويان». ويصف الحوافر بأنها «عريضةٌ منفتحةٌ عند العقبين، وليست عاليةً جدًّا في البادية».
ويصف أبتون الجسم خلف الصدر بأنه صغير، «لكنه مكوّنٌ كالبرميل». ويقول: «فهو قصيرٌ من أعلى في جوهره، طويلٌ من أسفل». ويلاحظ في الورك عرضًا يراه في أكثر الخيل العربية المنتجة في البادية، ويقول إنه بارز «حتى ليكاد يكون سمةً مميزة».
الطبع
ويختم أبتون وصف الهيئة بكلمة عن الطبع. فيقول: «والمظهر العام للكحيلان يدل على أكرم النسب وعظيم النبل». ويصفه بأنه «حصانٌ شديد الشجاعة، سريع الاهتياج، عصبي المزاج، لكن روحه العالية وشجاعته تلطّفهما فطنته».

العرقوب وخطّ الظهر
ويقول أبتون: «وعرقوب الكحيلان كبير، بل يمكن أن يُقال كبيرٌ جدًّا». ويقارنه بعرقوب خيل الصيد الإنجليزية، فيذكر أن حصانًا ارتفاعه أربع عشرة كفًّا وثلاث بوصات يكون له أحيانًا عرقوب في كبر عرقوب حصان صيد ارتفاعه ست عشرة كفًّا.
ويذكر أبتون أنه لم ير بين البدو خيلًا سوداء اللون. ويلاحظ سمة رآها في حالات كثيرة: «خطٌّ أدكن قليلًا من اللون العام للحيوان، يُرى في المهور الذكور».
ويقول إن خيل عنزة «تقف على رقعةٍ كبيرةٍ من الأرض». ويذكر أنه لم ير بينها حصانًا يقف وقائمتاه الأماميتان مائلتان إلى الخلف تحت الجسم، مع أن ذلك يُعدّ كثيرًا من خصائص الحصان العربي. ويقول عن الركب المنثنية قليلًا إلى الخلف: «وليس عند العرب تحاملٌ على مثل هذا التكوين».
الخطو الطويل
ويقول أبتون إن خيل عنزة كلّها «ذات مشيٍ حرٍّ طويل الخطو». ويذكر أن القدم الخلفية تتخطّى موضع القدم الأمامية من الجانب نفسه، «وكثيرًا جدًّا ما تكون المسافة من اثنتي عشرة بوصةً إلى ثماني عشرة».
ويقول: «وأطول الخيل خطوًا مما رأينا كان مهرًا ذكرًا في الثانية: صقلاوي جدران ابن نادر». ويذكر أنهم راقبوه في البادية ساعة بعد ساعة، فقدّروا ما يتخطّاه «بما يزيد على ثلاث أقدام زيادةً كبيرة».
اللون والارتفاع
ويقول أبتون عن الألوان: «لكن بين عنزة بدا لنا الكميت أكثرها شيوعًا، وأظنه اللون المفضل عند العرب». ويذكر أن الشقر والشهب أقلّ عددًا. ويقول: «فالعرب يحبون اللون القاطع الصافي».
وعن الارتفاع يقول إن حصان عنزة يتراوح «من نحو أربع عشرة كفًّا وبوصةٍ ونصف إلى خمس عشرة كفًّا». ويوضّح المحقق أن الكفّ وحدة إنجليزية لقياس ارتفاع الخيل «تساوي أربع بوصات (10.16 سم)؛ فأربع عشرة كفًّا وثلاث بوصات نحو 150 سم».
الكيّ وآثار الرماح
ويذكر أبتون أن الندوب كثيرًا ما تُرى في خيل عنزة. ويقول: «فالكي هو العلاج الأعظم لكل الأمراض تقريبًا». ويذكر أن ندوب الكيّ «بعرض إصبعين» تمتدّ أحيانًا على الجنب والبطن، وأن هناك ندوبًا من الجراح، «أكثرها من الرماح».
نسبٌ يُحفظ في الذاكرة
وفي فصل «الحجج المكتوبة للأنساب» يقول أبتون: «لم نرَ في البادية حججًا مكتوبةً لأنساب الخيل، ولا سمعنا بشيءٍ منها». ويذكر أن القليلين في البادية يحسنون الكتابة، «لكن أكثر شيوخ القبائل المهمة يتخذون كاتبًا».
ومع ذلك يقول: «ومع ذلك فلكل حصانٍ نسب؛ ونتاج كلٍّ منها معروفٌ معرفةً حسنة». ويشرح أن الحصان يُنسب إلى رسن أمّه، «وهو دائمًا رسن الأم»، ثم يُذكر رسن الأب. ويصف هذه الأنساب بأنها «بسيطةٌ موجزةٌ جدًّا، لكنها صريحةٌ دقيقةٌ تمامًا».
حجج كُتبت في مخيم السبعة
ويقول أبتون إنه طلب أن يُدوَّن نتاج خيل معيّنة كتابة، «مرجعًا موثوقًا، بدلًا من الاعتماد على ذاكرتي وحدها». ويذكر أن الشيخ ضمنها كلّها وشهد بها، «ووضع ختمه على حجة النسب بعد أن سمع الوثيقة تُقرأ عليه بانتباه».
ويوضّح المحقق أن المؤلف لم ينشر الأصول العربية، «وإنما نشر ترجمتها الإنجليزية، فأعدنا صياغتها بالعربية عن ترجمته».
ومن هذه الحجج حجّة لفرس كميت، تقول بحسب ما أعاد المحقق صياغته: «الرسن: كحيلة نواك». ثم تذكر رسن الأم ورسن الأب، وصاحبها من قبيلة القمصة من السبعة، وتاريخها «16 تموز (يوليو) من السنة المسيحية 1875». وعليها شهادة «سليمان بن مرشد» وختمه، وشهادة «جدعان بن مهيد» وختمه.
ويشرح أبتون حضور الثاني بأن الشيخ جدعان بن مهيد كان «ضيفًا على السبعة، حاضرًا حين كُتبت هذه الحجة»، فطُلب إليه أن يضع ختمه شاهدًا.
بين البساطة والإنشاء
ويقارن أبتون هذه الحجج بوثيقتين أخريين نُشرتا في أوروبا على أنهما حجّتان لخيل عربية، فيهما أسلوب منمّق طويل. ويقول إنه لم ير في البادية قطّ حصانًا عُلّق في عنقه كيس، «فقد كان لكل حصانٍ وفرسٍ حبلٌ مربوطٌ حول العنق».
ويرى أن أنساب السبعة الخمسة، «في إيجازها وبساطتها، مع إبلاغها كل ما يلزم»، تختلف اختلافًا كبيرًا عن ذلك الأسلوب. ويختم بقوله: «وينبغي أن يُفهم أن هذه الأنساب لم تُقدّم ولم تُعرض. بل كُتبت وشُهد بها بطلبٍ مني».
خاتمة
يجمع هذان الفصلان بين عين الفارس الذي يقيس الرأس والخطو بالبوصة، وأذن الضيف الذي يسمع من البدو أنفسهم ما يقدّرونه في خيلهم: الجبّة والمذبح والأذنان، والنسب المحفوظ في الذاكرة من جهة الأمّ. وتبقى الحجج المختومة باسم سليمان بن مرشد وجدعان بن مهيد سنة 1875 شاهدًا على طريقة توثيق النسب حين يطلبها الغريب.
ومن أراد الوصف كاملًا، بقياساته وملاحظاته، فليرجع إلى الصفحات المذكورة أدناه من الكتاب، ففيها تفصيل كثير لم تتّسع له هذه المقالة.
المصدر
- الكتاب: «ملتقطات من بادية العرب» (Gleanings from the Desert of Arabia)، تأليف: الرائد ر. د. أبتون (Major R. D. Upton)، لندن 1881؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 3، 5–6، 254–263، 287–294.
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
مفردات من هذا المقال
معانيها كما يشرحها الكتاب أو محققه في النص نفسه. اضغط على الكلمة المسطّرة في المقال لترى معناها في موضعها.
- «الجِبّة»
- الجبهة
- نصّ الكتاب، «ملتقطات من بادية العرب» (كما يرد في المقال)
- «المِذْبَح»
- شكل الحلق عند اتّصاله بالرأس
- نصّ الكتاب، «ملتقطات من بادية العرب» (كما يرد في المقال)


