- ١. جمرون
- ٢. هرمز
- ٣. البصرة
خريطة بونّ للجزيرة العربية (1771، ملكية عامة). المواقع مُسقطة بإحداثياتها الحديثة من ويكيبيديا، فقد لا تطابق رسم الخريطة القديم تمامًا؛ والخط يصل الأماكن بترتيب ذكرها، لا بالضرورة طريق الرحلة.
أقام الطبيب والرحّالة الألماني إنغلبرت كمبفر في جمرون (بندر عبّاس) نحو سنتين ونصف، من أواخر سنة 1685 إلى صيف سنة 1688. وفي هذه المدّة كتب رسالة لاتينية في النخلة سمّاها «الفينيق الفارسي»، ونشرها سنة 1712. ويقول المحقق في مقدّمته إن قيمة الكتاب لقارئ تاريخ الخليج العربي أنّ صاحبه «عاش أكثر من سنتين في جمرون بين أهلها، فكتب في النخلة، شجرة الخليج الكبرى، ما شاهده بنفسه».
وهذه المقالة تتبع ما كتبه كمبفر عن عمل النخّالين خلال السنة: اختيار الأرض، والغرس، والسقي، والتقليم، ومكافحة الآفات، ثم التلقيح، والجني، والتشميس، واستخراج الدبس.
اختيار الأرض والماء
يبدأ كمبفر الرسالة الثالثة بقوله إن أوّل ما ينبغي للنخّالين «اختيار موضعٍ مسقيّ». ويقول إن السهل «كلّما كان أكثر استواءً كان أصلح لتغذية الشجر». أمّا طبع الماء فلا يهمّ النخلة كثيرًا: «فكلّ ماءٍ مقبولٌ عند النخلة، ما لم يكن مثقلًا بالأملاح كثيرًا».

ويذكر أن كثيرًا من بقاع البلاد لا تعطي زارعها إلا «»، أي ماء مشبعًا بالملح. ويشرح المحقق الكلمة: «شور» بالفارسية: المالح، و«آب شور» الماء المالح.
الفسيلة أم النواة؟
ويقول كمبفر إن للنخيل الصغار صنفين: صنف ينبت من الجذور، وصنف ينشأ من النوى. ويرى النخّالون أن أحسن الطرق «أن يؤسّسوا البستان بالفسائل وحدها، ويؤخّروا نسل النوى».
ويعلّل ذلك بأن الفسائل تبلغ أسرع وتحمل ثمرًا أفضل. ويضيف سببًا آخر: النخلة النابتة من النواة لا تظهر في صغرها علامة يُعرف بها جنسها، «فقد يُدخَل الذكور بيدٍ مرتابةٍ مكان الإناث». ويذكر أيضًا أن نخل النوى إذا أُهمل سقيه انحطّ إلى سلالة «أبو دجيل» البرّية، وهو النخل البرّي كما يوضّح المحقق.
ويحتاط النخّالون ألّا تُنزع الفسيلة من أمّها «قبل أن تبلغ سنتين أو ثلاثًا». ثم تُغرس في حفرة «عمقها قدم، وعرضها ذراعان»، ويُدخل فيها الماء مرّة في اليوم في الشهرين الأوّلين. وتُرتّب الفسائل «على بعد عشرة أقدامٍ بين الواحدة والأخرى»، لتنشر جذورها بحرّية.
السانية والثور
ويقول كمبفر إن النخل يحتاج إلى السقي أشدّ ما يحتاج في الصيف. وسكّان الساحل، لقلّة الأنهار، يستخرجون الماء ليلًا من الآبار العميقة بآلة يحرّكها ثور. فينزل الثور في مدرج منحدر طوله يساوي عمق البئر، فيسحب «قربةً عظيمةً مملوءةً ماءً من البئر بلا عناء».
ويصف القربة بأنها «تكاد تسع ما يسعه البرميل، مخيطةٌ من جلدٍ غير مدبوغ». ويوضّح المحقق أن هذه الآلة «هي ما يُعرف في الخليج والجزيرة العربية بالسانية أو «الجازرة»، يستقي فيها الثور أو الجمل بنزوله في مدرجٍ منحدر».
ويذكر كمبفر أن الدوابّ العاملة في البساتين تُعلف بنوى التمر المطبوخ، وبأغصان شجرة يسمّيها «مُخير». ويقول إن الرعاة يشهدون بأن الدوابّ تستعيد قوّتها بهذا العلف «أسرع ممّا تستعيدها بالتبن أو العشب».
تقليم السعف والكرانيف
ويقول كمبفر إن السعف القديم يذبل في أسفل رأس النخلة كل سنة، ويبقى متدلّيًا «يشين الشجرة». ولذلك يقلّمه النخّالون، ويتركون قواعد السعف «التي سنسمّيها «الكرانيف»». ويذكر أن هذه الكرانيف «تبقى على الجذع سنين كثيرة، فتحيط بسطحه على هيئة القرميد».
ويقول إن النخّالين يحبّون أن يقلّموا النخل عند الاعتدال الربيعي، الذي يبدأ منه الفرس سنتهم. ويوضّح المحقق أنه «النوروز، أوّل السنة الشمسية الفارسية، في 20 أو 21 مارس».
ويلاحظ كمبفر أن التقليم ليس للزينة وحدها، فهو يُزيل الشقوق التي «تختبئ فيها حشراتٌ من أصنافٍ شتّى». ويذكر أن الفرس إذا أثنوا على كلام جميل شبّهوه بالنخلة، فقالوا «نخل شيرين»، أي النخلة الحلوة.
الآفات: السوس والنمل والجراد
ويقول كمبفر إن النخلة قلّما تمرض، لأنها «معتادةٌ الملح والرمل، صبورةٌ على العطش». لكنه يعدّ ثلاثة أعداء: «السوس، والنمل، والجراد». ويذكر أن الجراد يُصرف في الغالب «بلهب الأغصان الموقدة».
ومن الطرائف التي يرويها أن أهل اليمن ينقلون صنفًا من النمل الكبير إلى رؤوس النخل، فيطهّرها من الحشرات ولا يضرّها. ويقول إن هذا النمل يُعرض للبيع «ولا سيّما في دكاكين مدينة المخا وطرقها». ويعرّف المحقق المخا بأنها «ميناءٌ على ساحل اليمن على البحر الأحمر، وكان أكبر مرافئ تصدير البنّ في القرن السابع عشر».
ويعرض كمبفر أيضًا علاجًا آخر للنمل والسوس، هو الحلتيت، وتسمّيه الفرس «هِنگ». فيضعونه حول الجذع، أو يلقون جذره في السواقي، ليحمل الماء رائحته إلى جذر النخلة. ويشرح المحقق أن الحلتيت «صمغ نبات «الأنجدان»، ويسمّى بالفارسية والهندية «هِنگ»، ورائحته كريهةٌ نفّاذة».
الطلع والذكر: إحصاء الأزهار
وقبل أن يكتب عن التلقيح يصف كمبفر في الرسالة الخامسة أزهار النخلة. ويذكر أن للغلاف الذكري حين يخرج اسمًا مشهورًا بين النخّالين هو «كُبُنگ»، وأنه يُؤكل طعامًا مختارًا في الشهر الذي يكثر فيه.
ولم يكتفِ كمبفر بالوصف، بل عدّ الأزهار في الشمراخ الواحد، ثم ضرب متوسّطها في عدد الشماريخ. ويقول إن ذلك «أعطى اثني عشر ألف زهرةٍ في العرجون الواحد». ثم يضيف: «وقد وزنتُها في الميزان فبلغت رطلًا هولنديًّا مدنيًّا إلا أوقيةً واحدة». وهذه الطريقة في العدّ والوزن من عادة الطبيب الذي يكتب بعين عالم النبات.
ويذكر أن عدد البراعم في العرجون الأنثى «أقلّ كثيرًا». ويقول إن للجنين الأنثى اسمًا عربيًّا خاصًّا هو «طَلْع نخل»، ويرى أنه دخل فارس عن طريق العرب الذين «يسكنون السواحل ذات النخيل». ويلفت النظر هنا أن كمبفر يربط مفردات النخلة في جمرون بلغة جيرانها العرب على الساحل.
التلقيح: عمل لا غنى عنه
ويخصّ كمبفر الرسالة السادسة بالتلقيح. ويقول إن النخلة الأنثى «يجب أن تُجمع إلى الذكر في وقتٍ معلوم»، وإلا أسقطت ثمارها. ولذلك يقول: «فعلى النخّالين إذن أن يبذلوا جهدهم كلّ سنةٍ في تلقيح الأشجار».

ويروي حكاية سمعها عن البصرة: فقد عزم العثمانيون على غزوها، فأراد أميرها أن يقطع النخل الذكور كلّه عند أوّل خبر بمجيء العدوّ، ليمنعه المؤونة. ويقول إن التنفيذ تأخّر، فسبق العدوّ ما عزم عليه الأمير. ويعلّق كمبفر في أثناء الحكاية بأن ذلك القطع «كان سيكون وبالًا على أهل البلاد أنفسهم».
ويصف طريقة العمل: تُستخرج أغلفة الذكر «في آخر فبراير من قمّة الشجرة». ثم تُشقّ، ويُفرّق ما فيها شماريخ تُدخل في العراجين الإناث. ومن النخّالين من يدسّها طريّة، ومنهم من يجفّفها ويحفظها إلى شهر مارس.
ويذكر كيف يختبرون نضج الغلاف بالضغط عليه. فإن قاوم «بصوتٍ يسيرٍ جدًّا فهي ناضجةٌ يجب أن تُفتح بلا تأخير». ويسمّي العمل بالفارسية «انبار كردن»، أي الملء.
ويقول إن الشماريخ تُباع بثمن يسير، وإن العراجين التامّة في أغلى أحوالها «تباع بشاهيٍّ واحد». ويعرّف المحقق الشاهي بأنه «نقدٌ فضّيٌّ صغيرٌ في فارس الصفوية».
وقد شبّه كمبفر التلقيح بتلقيح السمك. ويعلّق المحقق: «أصاب المؤلّف في تشبيهه، فالتلقيح في النخل يكون بانتقال حبوب اللقاح من الذكر إلى أزهار الأنثى، وهو ما أثبته علماء النبات بعده في القرن الثامن عشر».
تجارة الشماريخ
ولم يكن لكل بستان ذكوره. فيذكر كمبفر أن بعض البلاد يطلب الزهر من غيره، وأن ذلك لا يكون دائمًا من إهمال الزارع، بل يكون أحيانًا «من طبعٍ خاصٍّ في الأرض لا يحتمل الذكور». ويضرب مثلًا بـ«فرخوناد»، ويقول إنها «جزءٌ من كرمان»، لا تُزرع فيها الغيضات إلا من الجنس الأنثى.
ولهذا قامت تجارة صغيرة في الشماريخ المجفّفة. ويقول كمبفر إنها يجب أن تُنقل «مجفّفةً على الأصول، لئلّا تتفتّت في الطريق»، ومغلّفة جيّدًا لئلّا تفقد قوّتها بالهواء. ومن هنا نفهم أن التلقيح لم يكن عملًا داخل البستان وحده، بل كان يربط بين نواحٍ بعيدة.
خلال ودُمپاس وخرما
وينتقل كمبفر إلى الجني. فيذكر ثلاث طبقات من التمر على الشجرة: «خلال» التي تبدأ تنضج في طرفها، و«دُمپاس» التي نضج نصفها تقريبًا، و«خرما» التي نضجت تمامًا. ويقول إنها تُجنى كلّها بعمل واحد، لئلّا تسقط فتنسحق.
ويصف الصاعد إلى النخلة: يحيط نفسه والجذع بحبل متين «يمرّ على ظهره تحت إبطيه»، ثم يرميه أعلى فأعلى حتى يبلغ الرأس. فإذا استقرّ جذب سلّة مربوطة بحبل، فملأها، ثم أرسلها إلى القائمين تحته. ويقول إن الثمار كلّها تُجمع «في ثلاثة أشهرٍ إلا عشرة أيّام».
التشميس والجُلّة
ثم توضع التمور أكوامًا «على حُصُرٍ منسوجةٍ من خوص النخل» لتنضج بالشمس يومين أو ثلاثة أو أكثر. ويذكر كمبفر ثلاث طرق للحفظ: أن تُكبس بعد العصر في القِرَب أو السلال، «طعامًا للعامّة»، أو تُرشّ بشيء من دبسها، أو تُحفظ في الجرار مغمورة بالدبس، «لتكون من أطعمة الأغنياء».
ويصف السلال بأنها «طولها أربعة أقدام، منسوجةٌ من خوص النخل البرّيّ». ويسمّي هذا الصنف من النسج «جُلّة». ويوضّح المحقق: «الجُلّة» في العربية: قُفّة التمر الكبيرة تُتّخذ من الخوص.
ويذكر أنهم يؤثرون للتجفيف صنفًا «يسمّونه لفضل طعمه «شاهاني»، أي الملكيّ».
«الچاك»: معصرة من سعف النخل
ويقول كمبفر: «والدبس سائلٌ عظيم النفع والشأن عند هذا الشعب». ولاستخراجه يصنعون قفصًا أسطوانيًّا من سعف النخل يسمّونه «چاك»، ويضعون تحته جرّة من الفخّار. ثم يملؤونه بالتمر المشمّس ويتركونه في الشمس، فيسيل منه الدبس.
ويذكر أن أهل البصرة وسائر العرب، «الذين عندهم وفرةٌ أوسع من النخل والقوت»، يستعملون بدل الأقفاص غرفًا مكشوفة مبلّطة يسيل منها الدبس إلى حوض تحتها. ويقول إن الدبس عند الفرس والعرب «يقوم مقام الزبد، وهو مَرَقٌ وتابلٌ للأطعمة».
المظلّات في موسم الحرّ
ويختم كمبفر الرسالة بالمقارنة بين عمل الفلّاح الأوروبي وعمل النخّال. فهو يرى أن النفض والعصر «أمرٌ من الخفّة بحيث لا يُعرق، لولا أنّ الشِّعرى تُعرق». ويقول إن الناس تعلّموا أن يلطّفوا الحرّ «بالاغتسال المكرّر، والظلّ، والراحة، والسمر، والألعاب».
ويصف المظلّات التي يبنيها أهل البساتين على التلال: أربعة أعمدة «يركب عليها من فوق غطاءٌ مسطّح، مضمومٌ من سعف النخل»، وجوانبها مفتوحة للهواء، وحصير مثبّت في الجهة المقابلة للشمس.
خاتمة
يجمع كمبفر في هذه الرسائل دورة النخلة كاملة، من الفسيلة التي تُفصل عن أمّها بعد سنتين أو ثلاث، إلى الدبس الذي يسيل من «الچاك» في الشمس. ويحفظ في نصّه أسماء محلّية للتمر وأدوات العمل، ويضيف المحقق ما يقابلها في لغة أهل الخليج العربي: السانية والجازرة، والجُلّة، والنوروز. وترسم ألواح المؤلف المنشورة مع الطبعة الأصلية مراحل نموّ النخلة، وأغلفة الطلع، وعراجين الذكر والأنثى، والثمر في أطواره. ومن يقرأ هذه الصفحات اليوم يجد فيها أعمالًا ما زال أهل النخيل في الخليج العربي يعرفونها: الفسيلة، والسانية، والتلقيح، والجني بالحبل، والتشميس على الحصير، وحفظ التمر في الجلال المنسوجة من الخوص.
المصدر
- الكتاب: «الفينيق الفارسي: النخلة وبساتينها وهرمز وجمرون عند إنغلبرت كمبفر (1712)»، تأليف: إنغلبرت كمبفر (Engelbert Kaempfer)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 3، 28–34، 44–45، 51، 53–58
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
مفردات من هذا المقال
معانيها كما يشرحها الكتاب أو محققه في النص نفسه. اضغط على الكلمة المسطّرة في المقال لترى معناها في موضعها.
- «الشُّور»
- ماء مشبع بالملح
- نصّ الكتاب وحاشية المحقق، «الفينيق الفارسي: النخلة وبساتينها وهرمز وجمرون عند إنغلبرت كمبفر (1712)» (كما يرد في المقال)


