- ١. جمرون
- ٢. قشم
- ٣. شيراز
- ٤. البصرة
- ٥. البحرين
- ٦. هرمز
- ٧. لار
خريطة بونّ للجزيرة العربية (1771، ملكية عامة). المواقع مُسقطة بإحداثياتها الحديثة من ويكيبيديا، فقد لا تطابق رسم الخريطة القديم تمامًا؛ والخط يصل الأماكن بترتيب ذكرها، لا بالضرورة طريق الرحلة.
وصل الشابّ الألماني يوهان ألبرشت فون ماندلسلو إلى جمرون، أي بندر عبّاس، في ربيع سنة 1638، ينتظر سفينة تحمله إلى الهند. وفي أيام الانتظار كتب عن المدينة فصلًا كاملًا: كيف تُبنى دورها، وماذا يأكل أهلها ويشربون، وكيف تتزيّن نساؤها، ومن يأتي إلى سوقها. وأضاف إلى ذلك خبر شجرة عجيبة قرب الشاطئ، ومراسم استقبال خلعة من الشاه.
ويذكر المحقق في مقدّمته أن ماندلسلو وُلد «في 15 مايو 1616»، وأنه التحق شابًّا بالسفارة التي أرسلها دوق شليسفيغ-هولشتاين إلى الشاه صفي في أصفهان. فلمّا بلغت السفارة أصفهان فارقها وقصد الهند، فنزل إلى جمرون، «وأقام فيها أسابيع ينتظر السفينة». ويقول المحقق إن قيمة الكتاب لقارئ تاريخ الخليج العربي أنه «يصف الطريق البرّيّ الذي كانت تسلكه القوافل من العاصمة الصفوية إلى الساحل».
وقد تولّى صديقه آدم أولياريوس نشر أوراقه بعد وفاته، وزاد عليها شروحًا من عنده، أبقاها المحقق في مواضعها وميّزها عن كلام ماندلسلو. وتعتمد هذه المقالة على الفصلين السابع والثامن من الرحلة، بحسب طبعة شليسفيغ سنة 1668 التي اعتمدها المحقق.
من أكواخ الصيّادين إلى سوق
يقول ماندلسلو إن جمرون تسمّى أيضًا «البندر، وبندر جمرون». ويذكر أنها لم يكن فيها أوّلًا «إلا بضعة أكواخٍ للصيّادين، ثم صارت قرية، وهي الآن بلدةٌ كبيرةٌ وسوقٌ للتجارة».

ويقول إنها تقع بين قلعتين تشرفان على الشاطئ، «مبنيّتان على الطراز القديم بأبراجٍ مستديرة». وعلى الشاطئ أيضًا «معقلٌ صغيرٌ فيه أربعة مدافع». ويذكر أن عمق المرسى «خمس قاماتٍ إلى ستّ». ويوضّح المحقق أن القامة «نحو 1.8 متر».
طين وتبن وروث خيل
ويشرح ماندلسلو طريقة البناء. فالدور «مبنيّةٌ من حجارةٍ تُجفَّف في الشمس»، لأنهم لا يستطيعون أن يشووا الآجرّ «لقلّة حطب الوقود». ويصف الخلطة: «يأخذون الطين والرمل والتبن وروث الخيل، فيعجنون ذلك بعضه ببعض، ويقطعون منه الحجارة، ويتركونها تجفّ في الشمس».
ويقول إنهم يطلون الجدران بعد ذلك «بالكلس الذي اعتادوا أن يحرقوه من أصداف البحر».
ويذكر أن أكبر الدور دار السلطان، أي حاكم المدينة، ودور التجّار الإنجليز والهولنديين، وهي قريبة من الشاطئ «في موضعٍ موافقٍ جدًّا لنقل البضائع إلى السفن ومنها». ويسكن كثير من الناس في أكواخ «مسقوفةٍ ومغطّاةٍ بأغصان النخل وسعفه».
ويلاحظ أن النخلة تعطيهم أحسن الثمر، «ويعطيهم كذلك أحسن ما عندهم، بل يكاد يكون الوحيد، من الخشب للبناء».
الرياح الأربع
ويقول ماندلسلو إن الهواء هنا رديء للصحّة، لشدّة الحرّ، ولاختلاف الرياح «التي تهبّ هنا كلّ يومٍ وتتعاقب». ويضيف أولياريوس في شرحه وصفًا نقله عن رحلة هولندية: الرياح «تدور في أربعٍ وعشرين ساعةً في العادة دورة البوصلة كلّها». ففي الصباح تهبّ من الشرق باردة، وعند الظهر من الجنوب من البحر حارّة، وعند المساء «من البرّ، من بلاد العرب، غربيةً حارّة»، وفي الليل من الجبال في الشمال باردة.
ويذكر ماندلسلو أن بعض الأهالي يرقدون في شدّة الحرّ «في أحواضٍ من الماء وفي الظلّ حتى المساء». ومن مايو إلى سبتمبر ينتقل السلطان وأكثر الأهالي إلى الجبال القريبة، ثم يرجعون في أكتوبر، «حين تعود السفن والتجّار في العادة».
الفاكهة من قشم
ويقول إن الأرض حول المدينة بلا عشب ولا زرع، إلا بساتين صغيرة تُسقى كل يوم، يُنبتون فيها «كالثوم والبصل والفجل والخيار». أمّا الفاكهة فتأتي من الجزر القريبة، «ولا سيّما جزيرة قشم».
ويعدّد ما يُجلب منها: «كالليمون والنارنج والرمّان والخوخ والمشمش والبطّيخ والعنب واللوز والفستق والتفّاح والكمّثرى». ويقول إنها تُباع بثمن رخيص. ويوضّح المحقق أن قشم «أكبر جزر الخليج العربي، مساحتها نحو 1500 كم²».
وعن التمر يقول: «أمّا التمر فعندهم منه ما يكفيهم وفوق الكفاية».
السمك قبل اللحم
ويقول ماندلسلو إن أكثر طعام الأهالي وأحسنه، بعد ثمار الأرض، السمك. ويقول إن البحر هنا «غنيٌّ جدًّا بكلّ أنواع السمك»، وإنهم يرونه «أصحّ من لحم الماشية، الذي لا يطيب طعمه لشدّة الحرّ». ويذكر أنه يُصاد خاصّة «كثيرٌ من السردين الصغير»، ويوجد أيضًا المحار والسرطان.
ماء يُشترى
ويقول: «وليس في هذا الموضع ماءٌ عذب، بل يُجلب على ميلٍ وميلين في جرارٍ كبيرةٍ من الفخّار على الحمير ويُباع». ويحسب ما أنفقه هو نفسه: «وقد أنفقتُ مع ثلاثة أشخاصٍ كلّ يومٍ ستيوفرين أو غروشًا واحدًا في الشرب وسائر الاستعمال». ويوضّح المحقق أن الستيوفر والغروش «عملتان فضّيتان صغيرتان كانتا متداولتين في ألمانيا وما جاورها».
حليّ النساء
ويصف ماندلسلو زينة نساء العامّة. فهنّ يتزيّنّ «في الأنوف والآذان والأذرع والأقدام» بالفضّة والنحاس الأصفر والنحاس والحديد، «بحسب ما تبلغه طاقتهنّ».
ويقول إن المرأة قد تترك على الأنف «صفيحةً ضيّقةً من الفضّة المذهّبة أو من النحاس الأصفر، تكاد تكون في طول الأنف». وفي المنخر الأيمن حلقة فيها فيروزة أو عقيق أحمر، أو زرّ صغير مذهّب. ويذكر أن حلق الآذان كبيرة ثقيلة، تُربط بشعر الرأس لئلّا تمطّ الآذان.
ويرى أن هذا «الطراز القديم جدًّا من زينة النساء»، أي الأساور والدمالج، «ما تزال إلى اليوم مستعملةً في أكثر بلاد آسيا». ويقول: «ولباس الرجال والنساء يشبه الزيّ الفارسي». وقد صوّرت الطبعة الأصلية نساء من عامّة جمرون في لباسهنّ وحليهنّ في بستان نخل.
موسم السوق
ويقول ماندلسلو إن التجارة تنشط «من شهر أكتوبر، حين ينقضي أشدّ حرّ الصيف، إلى أوّل مايو». ويعدّد الأمم التي تلتقي فيها: «كالفرس والعرب والهنود والبانيان والأرمن والأتراك والتتر والإنجليز والهولنديين».

ويذكر أن الفرس يأتون بقوافلهم من أصفهان وشيراز ولاهور وهراة، وأن العرب يأتون من بغداد والبصرة «بالإبل والخيل والبغال والحمير الأخرى في كثرةٍ عظيمة، حتى إنّها إذا كانت في مسيرها بدت كجيشٍ كبير».
الجوخ وماء الورد
ويقول إن تجارة الهولنديين هنا أقوى من غيرها، «فهم يزوّدون فارس كلّها بالتوابل والبهارات التي يأتون بها من الهند».
ويعدّد ما يبيعه الإنجليز: «الجوخ الإنجليزي والقصدير والفولاذ والنيلة والأقمشة الهندية من الحرير والقطن». ويقول إن الفرس يقدّرون الصنعة الهندية «لدقّتها وثبات ألوانها». ويأخذ الإنجليز في المقابل الأقمشة المنسوجة بالذهب، والحرير الخام، والراوند، والزعفران، وماء الورد، «ويسمّى «گلاب»».
ويذكر أن اللؤلؤ يُباع هنا كثيرًا، «لا يُصاد هنا، بل عند جزيرةٍ تسمّى البحرين». وقد وصف ماندلسلو غوّاصًا يتنفّس من أنبوب، ويعلّق المحقق بأن هذا الوصف «يخالف ما وصفه أنطونيو تنريرو في القرن السادس عشر من غوص الغوّاصين في الخليج العربي بحبس النفس، مع ملقطٍ على الأنف».
الشاهبندر والخيل
ويقول إن لملك فارس في جمرون «شاهبندر»، أو أمين المكوس، «يفحص البضائع كلّها ويطلب المكس». ويوضّح المحقق أن الشاهبندر لقب موظّف الموانئ، «كان يتولّى شؤون التجّار وجباية الرسوم».
ويذكر أن للإنجليز أن يُخرجوا من فارس كل سنة «اثني عشر فرسًا معفاةً من المكس»، وأن على غيرهم أن يؤدّي عن كل فرس يبيعه في الهند خمسين تالرًا. ويقول إن الخيل الفارسية «عظيمة القيمة في الهند».
لغة السوق
ومن ملاحظات ماندلسلو الطريفة أن الأهالي، «مع أنّ أكثرهم فرسٌ وعربٌ وهنود، يتكلّمون اللغة البرتغالية كلّهم أو يفهمونها». ويعلّل ذلك بأن البرتغاليين ملكوا هذا الموضع زمنًا طويلًا، كما يتكلّم الناس في شروان التركية لأن الأتراك ملكوها. ويوضّح المحقق أن شروان «إقليمٌ تاريخيٌّ في شرق القوقاز، في جمهورية أذربيجان اليوم».
ويقول إن كلّ الأمم يؤذن لها أن تتّجر في جمرون «أحرارًا، إلا البرتغاليين». ويذكر أن لهم مع ذلك مرسًى في قرية على ثلاثة أميال، «ولكن لا يجوز لهم أن يأتوها إلا بالفرقاطات الصغيرة»، وفيها سلطان في معقل يراقب تجارتهم ويأخذ المكس.
هرمز من البرّ
ويصف ماندلسلو جزيرة هرمز المقابلة. فيقول إنها على أكثر من ميلين من البرّ، و«مليئةٌ بالصخور والحجارة والملح»، و«ليس فيها ماءٌ عذب، بل لا بدّ أن يُحمل إليها من البرّ». لكن موقعها الموافق للسفن جعلها من قبلُ سوق الناحية، «كما يُؤتى الآن إلى جمرون».
ويقول إن قلعتها في زمنه «مشحونةً بخمسمئة فارسي، ويتولّى قيادتها السلطان في جمرون». ويذكر أنه وُجد فيها بعد خروج البرتغاليين «ستّمئة مدفعٍ كبير»، بقي منها ثمانون للحامية، وحُمل الباقي إلى لار وأصفهان.
ويورد أولياريوس في شرحه مثلًا يقول إنه للعرب في هرمز: «لو كانت الدنيا خاتمًا لكانت هرمز فصّه». ويعرّف المحقق بهرمز، فيقول إنها كانت قاعدة «مملكة هرمز»، وهي «إمارةٌ يحكمها بيتٌ من أصلٍ عربيٍّ جنوبي، وامتدّ نفوذها في أوجها إلى البحرين وقلهات وجلفار». وتظهر قلعة هرمز في لوحة من لوحات الطبعة الأصلية، عليها بالألمانية «Vestung auff Ormus».
شجرة يستظلّ بها ألفا رجل
وفي أيام الانتظار ركب ماندلسلو مع تاجر إنجليزي «مسافة ميلٍ على شاطئ البحر، فوجدتُ شجرةً واسعة الانتشار». ويقول إن أغصانها «كانت تنزل من أعلى إلى الأرض، فتضرب فيها جذورًا»، فتصير ظلًّا متّصلًا «يمكن أن يقف تحته أكثر من ألفي رجل».
ويوضّح المحقق أنها «شجرة البانيان (التين البنغالي، Ficus benghalensis)». ويذكر ماندلسلو أن حارس المكان استقبلهم بلطف «وضيّفنا بالتمر والجوز واللوز وشربةٍ من الماء البارد». ويقول إن عند الجذع الأصلي «بُني معبدٌ صغير»، فيه قبر رجل من البانيان، وفوق القبر «بضعة قناديل مشتعلة» لا تُترك تنطفئ ليلًا ولا نهارًا، و«ظُلّةٌ صغيرةٌ من نسيج الحرير». وقد صوّرت الطبعة الأصلية هذه الشجرة في لوحة، وتحتها فرسان. ويعرّف المحقق البانيان بأنهم «طائفةٌ تجاريةٌ هندية»، وأنه «كان لها حضورٌ كبيرٌ في موانئ الخليج العربي».
خلعة الشاه
وفي الأوّل من أبريل جاء رسول من الشاه صفي بخلعة لسلطان جمرون. ويقول ماندلسلو إن السلطان خرج «بلا سيفٍ مع أعيان رجاله»، يصحبه الإنجليز والهولنديون، إلى خيمة نُصبت خارج المدينة. فتسلّم الكتاب الملكي «بتوقيرٍ عظيمٍ مقبّلًا إيّاه».
ثم قُدّمت إليه «عمامةً، وثوبين، وحزامًا من الحرير الجميل الموشّى». فنزع عمامته ووضع عمامة الملك على رأسه، ورفع يديه ودعا للملك. ثم ركبوا إلى المدينة، وأُطلقت «طلقات فرحٍ من المدافع الكبيرة والبنادق»، وقُضي سائر النهار «في وليمةٍ بهيجة».
خاتمة
كتب ماندلسلو عن جمرون بعين المسافر الذي ينتظر سفينة، فوصف ما يلمسه كل يوم: البيت الذي يسكنه، والماء الذي يشتريه، والسمك الذي يأكله، والسوق التي يمرّ بها. ومن هذه التفاصيل الصغيرة تتكوّن صورة ميناء على الساحل الشمالي للخليج العربي بعد ستّ عشرة سنة من انتقال تجارة هرمز إليه. وبعد أسابيع من الانتظار ركب ماندلسلو البحر إلى سورت، فبلغها في أبريل 1638، كما يذكر المحقق في مقدّمته للكتاب المترجم.
ومن أراد النص كاملًا فليرجع إلى الصفحات المذكورة أدناه.
المصدر
- الكتاب: «من أصفهان إلى سورت: رحلة ماندلسلو في فارس والخليج العربي (1638)»، تأليف: يوهان ألبرشت فون ماندلسلو؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 3، 43–62
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


