لم يدخل البرتغالي أنطونيو تنريرو القاهرة سائحًا. فقد أُخذ في طريقه من الشام، وحُمل إليها ليُسأل أمام إبراهيم باشا، الذي جاء مصر لتنظيم إدارتها. لكنه في الأسابيع التي قضاها فيها دوّن ما رآه بعين دقيقة: الحمام الزاجل، وركب الحجّ، وأسواق الطعام، ومعامل التفريخ، ومقياس النيل، وحمير الكراء في الساحات.
وهذه المقالة تجمع تلك المشاهد من فصول الرحلة الخاصّة بمصر.
بريد الحمام
قبل أن يبلغ تنريرو القاهرة مرّ بممرّ في آخر البادية، «بين جبلٍ عالٍ والبحر». ويقول إن في هذا الموضع بيتًا فيه قائد لا يدع أحدًا يعبر «حتى يُخبَر من هو، وما الأمر الذي يمضي فيه».

ويصف ما فعله الحرّاس حين أُخبروا بأمره: كتبوا «قصاصةً صغيرةً من الورق»، وأخرجوا حمامة من قفص، «فربطوها لها تحت جناح»، ثم أطلقوها. ويقول: «فارتفعت طائرةً عاليًا جدًّا حتى اختفت». وفي وقت قصير بلغت القاهرة، بيت رجل عنده حمام آخر مدرّب، فأخذ المكتوب وحمله إلى إبراهيم باشا.
ويعلّق المحقق: «كان بريد الحمام الزاجل نظامًا معروفًا في دولة المماليك بين القاهرة والشام، وبقي معمولًا به في أوائل العهد العثماني».
وحين وصل تنريرو القاهرة رأى أثر هذا البريد. فقد قال له مضيفه التركي إنه «قد علم خبرنا من الحمامة، التي وصلت قبلنا بيومين ونصف».
إبراهيم باشا
ويصف تنريرو مجلس إبراهيم باشا: دار كبيرة سقوفها منقوشة بألوان كثيرة من الذهب واللازورد، مفروشة بالرخام والمرمر واليشب. وكان الباشا جالسًا على مصطبة مغطّاة بالديباج، وحوله أمراء الترك «متّكئين على الجدران».
ويعرّف المحقق به: «هو إبراهيم باشا الپارغالي، الصدر الأعظم للسلطان سليمان القانوني»، خرج إلى مصر سنة 1524، فدخل القاهرة في ربيع 1525 وأصدر «قانون نامه مصر» لتنظيم إدارتها.
وسأل الباشا تنريرو: هل يحسن التركية؟ فقال: لا، «ولكنّي أحسن الكلام بالفارسية». ويقول تنريرو إن الباشا كلّمه بالفارسية، «وكان يتكلّمها رديئًا كما أتكلّمها». وهي ملاحظة طريفة: رجلان من طرفي العالم يتحادثان بلغة ثالثة لا يتقنها أيّ منهما.
مدينة داخل السور وأرباض على النهر
ويخصّ تنريرو الفصل الأربعين بأبنية القاهرة. ويقول إنها «محاطةٌ بأسوارٍ من الحجر المنحوت المقطوع، قديمةٍ جدًّا»، وإن المدينة داخل السور ليست كبيرة جدًّا، «ولا تكون أكبر من إيڤورا». ويوضّح المحقق أن إيڤورا «مدينةٌ في جنوب البرتغال».
ويقول إن الأرباض تمتدّ على النهر، ويسمّي منها «مصر العتيقة» و«بولاق». ويشرح المحقق «وكانت بولاق ميناء القاهرة النهريّ». ويذكر تنريرو أن أكثر البيوت «ذات ثلاث طبقاتٍ أو أربعٍ أو خمس».
ويقول إن في المدينة مساكن كبيرة مسوّرة، لكلّ منها أبوابه، «ولا يسكن فيها إلا كبار التجّار وأصحاب السلع». ويقول إن من دخل بعض هذه المخازن «كثيرًا ما لا يعرف كيف يهتدي إلى الباب». ويوضّح المحقق: «يعني الوكالات والخانات الكبيرة المسوّرة، ومنها خان الخليلي».
شارع العطّارين والعنبر
ويذكر تنريرو شارعًا «طوله رمية قوس»، كلّ من فيه عطّارون «يُعِدّون العنبر ويهيّئونه». ويقول إن العنبر «شيءٌ يكثر استعماله بين المسلمين»، فالأغنياء يعلّقون حبّاته في ستور الأسرّة، والنساء يحملنه «في أعناقهنّ، وفي الأساور». ويختم بقوله: «لأنّهم مولعون جدًّا بالطيب».
ويذكر القلعة في الجهة الشرقية، ويقول إن الدور التي فيها كانت مساكن السلطان، وإن الترك جعلوا فيها حصنهم ومدفعيّتهم. ويوضّح المحقق أنها «قلعة الجبل (قلعة صلاح الدين)».
شارع طويل للقِرَب
ويخصّ تنريرو الفصل الحادي والأربعين بركب الحجّ. ويقول إن أعظم ما يجعل للقاهرة «هذه الحركة وهذا الصيت» أن المسلمين من بلاد كثيرة يجتمعون فيها كل سنة عند دخول الصيف، «فيجتمعون فيها في قافلةٍ واحدة، ويذهبون إلى بيت الله في مكّة».
ويوضّح المحقق: «هو ركب الحجّ المصريّ، وكان يخرج من القاهرة في شهر شوّال».
ويذكر تنريرو أن الحجّاج يحملون من القاهرة كلّ ما يلزمهم: «من الأقوات والجمال والهجن والماء، لمئة مرحلةٍ من الطريق». ويقول إنهم يستعرضون قبل الخروج في شوارع المدينة «بكلّ الأبّهة وزينة السروج الغنيّة والمحامل والثياب».
ومن التفاصيل التي يذكرها أن في المدينة شارعًا لبيع قِرَب الماء التي يحملها الحجّاج، «طوله أكثر من نصف فرسخ»، وليس فيه على الجانبين إلا أهل هذه الحرفة.
الكسوة
ويقول تنريرو إن الحجّاج يحملون عطايا من الذهب وثيابًا من الحرير والذهب، يهدونها إلى البيت في مكّة. ويذكر أنه رأى منها «ثوبًا من الحرير عليه حروفٌ عربيةٌ كثيرة لداخل البيت في مكّة»، وآخر من الحرير «كالخيمة لكسوة البيت المذكور في مكّة كلّه».
ويوضّح المحقق: «هي كسوة الكعبة المشرّفة، وكانت تُصنع في مصر وتُحمل مع «المحمل» في ركب الحجّ المصريّ سنويًّا منذ العهد المملوكي».
ويذكر تنريرو أن الركب كان يصحبه من القاهرة «ثلاثمئة من الإنكشارية الرماة بالبنادق»، وعربات من المدفعية لحمايته في البوادي.
وقد صحّح المحقق في هوامشه ما وقع في كلام المؤلف من خلط في أخبار البيت وزمزم. فقال: «والثابت عند المسلمين أنّ زمزم نبعت لإسماعيل وأمّه هاجر عليهما السلام». ويقول تنريرو في آخر الفصل: «وهذا كلّه سمعتُهم يتحدّثون به».
سوق الطعام
ويقول تنريرو في الفصل الثاني والأربعين إن القاهرة «وافرةٌ جدًّا بأقواتٍ كثيرة». ويعدّد القمح والشعير والبقول، «والفول والحمّص من أصنافٍ كثيرة»، واللحوم، وسمك النهر.
ويذكر أن ماء الشرب كلّه من النيل، «يحمله السقّاؤون ويأتون به للبيع في المدينة كلّها على الجمال في قِرَبٍ كبيرةٍ جدًّا». ويقول إن الناس يجمعونه في جرار كبيرة معدّة لذلك.
ويذكر أن الأقوات الأخرى تُحمل إلى البيوت على الدوابّ: «الخبز المخبوز، والفراريج، والبطّ، والحمام، والسُّمانى، والفاكهة». ويقول إن الدجاج والبطّ «كلّ ذلك رخيصٌ جدًّا». ويعلّل حمل الأقوات إلى البيوت بأن أكثر البيوت عالية الطبقات، فيُخدم أهلها على هذا النحو.
فراريج بلا دجاج
ثم يصل تنريرو إلى ما سمّاه في عنوان الفصل: «كيف تُفرَّخ الفراريج بلا دجاج». ويقول إن جماعة يسكنون قرب أسوار المدينة، ليس لهم عمل آخر، يجمعون زبل الإسطبلات في أكوام قديمة. «وفي تلك الأكوام من الزبل، وهي قديمةٌ جدًّا، لهم أفرانٌ وحُفَر، يضعون فيها كمّيّاتٍ كبيرةً من البيض».

ويقول إن الفراريج تخرج «بحرارة الزبل المذكور». فإذا بلغت سبعة أيام أو ثمانية جاء الفلّاحون من القرى التي حول النيل فاشتروها. ولا تُباع بالعدد، بل «بمكيالٍ كالقدح لا قعر له».
ويوضّح المحقق: «هي معامل التفريخ الصناعيّ المعروفة في مصر بـ«معامل الفراخ»، ووصفها رحّالةٌ كثيرون».
الجمّيز والبطّيخ
ويقول تنريرو إن الفاكهة ليست بهذه الوفرة، «إلا البطّيخ». ويذكر الرمّان والخوخ والعنب بكمّية قليلة، «إلا جمّيز فرعون فهو بوفرةٍ عظيمة». ويصف شجرته بأنها في حجم أشجار الكستناء الكبيرة، وورقها «يكاد يكون كورق التين». ويوضّح المحقق أن «تين فرعون» هو الجمّيز (Ficus sycomorus).
ويذكر حديقة على فرسخ من المدينة، فيها عين ماء عذب «حيث تنبت الأشجار التي تعطي البلسم». ويقول المحقق إنها «حديقة البلسان في المطرية شمال القاهرة»، وإن البلسان انقرض فيها في القرن السابع عشر.
«بقدرة الله زاد النهر اليوم كذا»
ويخصّ تنريرو الفصل الثالث والأربعين بالنيل. ويقول إن النهر يسقي الحقول «مرّةً في السنة في آخر شهر أغسطس»، دون أن يروا مطرًا. ويذكر أن ارتفاعه يُعرف «بعمودٍ من الحجر قائمٍ في بناءٍ كالرصيف»، عليه علامات للأشبار والمقاييس.
ويوضّح المحقق: «هو مقياس النيل في جزيرة الروضة، بُني سنة 247هـ/861م في خلافة المتوكّل العبّاسي، ولا يزال قائمًا».
ويصف تنريرو المنادين الذين يطوفون في المدينة «بأعلامٍ صفراء من القماش على قصبات»، والنداء يقول: «بقدرة الله زاد النهر اليوم كذا». ويقول إن التجّار والناس يعطونهم على ذلك الخبر بشارة. فإذا عُلم أن النهر لن يزيد بعدُ، خرج الناس في قوارب «بآلات طربٍ كثيرةٍ واحتفالات» ليفتحوا السدود، فيدخل الماء الحقول.
حمير الكراء
ومن مشاهد الشارع التي يصفها تنريرو حمير الكراء في الساحات. ويقول إنها «سمينة جدًّا»، عليها برادع صغيرة «من الجوخ الأحمر»، وفي أعناقها شرّابات حرير، وعلى صدورها أطواق من الأجراس. ويقول إن النساء يركبنها إلى حيث يردن، «مغطّياتٍ بثوبٍ كبيرٍ جدًّا من الكتّان الأبيض».
ويصف لباس الرأس: قلانس من الفضّة «مصنوعةٌ على هيئة الهاون»، وفوقها أخمرة رقيقة، وأمام الوجه نقاب رقيق من الحرير الأسود.
الأهرام من حافّة النهر
ويذكر تنريرو أنه رأى من حافّة النيل غربًا «أبنيةٌ من الحجارة المنحوتة الكبيرة جدًّا». ويقول إن بعضهم قال له إنها الأهراء التي بناها فرعون، «وقال لي آخرون إنّها قبور ملوك ذلك الزمان». ويوضّح المحقق: «هي أهرام الجيزة».
«سبيل الله» على طريق الإسكندرية
ونزل تنريرو في النيل بقارب محمّل بتجّار وبضائعهم. ويذكر بلدة فُوّة، وفيها «كثيرٌ من بساتين النخل والتمر، والجمّيز، وقصب السكّر، والموز». ثم بلغ رشيد، ويقول إن السفن تدخل مصبّ النهر عندها «من سبعين طنًّا أو ثمانين»، فتفرغ بضائعها، ثم تُحمل البضائع في القوارب إلى القاهرة. ومن رشيد سار تنريرو برًّا إلى الإسكندرية على دابّة استأجرها، في صحبة جماعة من المسافرين، عبر رمال وبرك من الماء المالح.
ويقول إن الطريق ليس فيه ماء للشرب، إلا أبنية صغيرة من الحجر والجير، «مسقوفةً بقبابٍ بارتفاع رجل»، فيها جرار كبيرة من الفخّار مملوءة ماءً للمسافرين. ويقول: «يسمّونها في لغتهم «سبيل الله»». ويذكر أن من بنوها تركوا أوقافًا ليُجلب إليها الماء «محمولًا على الجمال من مكانٍ بعيدٍ جدًّا».
ويصف الإسكندرية بأنها «حسنة التخطيط جدًّا، ذات شوارع جميلةٍ مستقيمةٍ واسعة». ويقول إن ماءها يأتي من النيل في قناة وقت الفيضان، فيملأ الصهاريج، وإن أهلها «لا يشربون إلا ماءً عمره سنتان أو ثلاث». ويوضّح المحقق أنه يعني «صهاريج الإسكندرية الكبيرة تحت الأرض، وكانت تُملأ من ترعة الإسكندرية (الخليج)».
ويذكر تنريرو أن السفن تأتي إليها «من بلاد أوروبا ومن اليونان»، ولتجّارها وكالات في داخل المدينة يسمّونها «القناصل». ويذكر حصنًا «مبنيٍّ في داخل البحر» عند المرفأ، فيه قائد للإنكشارية ومدفعيّون مقيمون. ويوضّح المحقق: «هو حصن قايتباي، بناه السلطان المملوكيّ الأشرف قايتباي سنة 1477 في موضع منارة الإسكندرية القديمة». ولم يجد تنريرو مركبًا مستعدًّا للرحيل إلى أوروبا، فركب مركبًا صغيرًا إلى قبرص.
خاتمة
جاء تنريرو إلى القاهرة أسيرًا ينتظر جواب الباشا، وخرج منها في النيل نزولًا إلى رشيد والإسكندرية. وبين الحالين ترك وصفًا لمدينة تعجّ بالحجّاج والسقّائين والمنادين. وقيمة هذه الصفحات أنها كُتبت في السنوات الأولى من الحكم العثماني لمصر، بيد رجل جاء من هرمز ويعرف الفارسية، وقطع قبل ذلك فارس والشام، ويحمل هوامش المحقق ما يصحّح أخبار المؤلف ويعرّف بالأماكن.
المصدر
- الكتاب: «رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)»، تأليف: أنطونيو تنريرو (António Tenreiro)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 72، 88–106
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


