من هرمز إلى حلب سنة 1528: أربعون يومًا في الخليج العربي واثنان وعشرون في البادية

في خريف سنة 1528 ركب البرتغالي أنطونيو تنريرو سفينة من هرمز متّجهة إلى البصرة.

عن كتاب «رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)» · أنطونيو تنريرو · تحقيق: أحمد علي المرر

أنطونيو تنريرو٩ دقائق

الأماكن بترتيب ورودها في المقال
هرمز
  1. ١. هرمز
  2. ٢. البصرة
  3. ٣. خارك
  4. ٤. البحرين
  5. ٥. القطيف
  6. ٦. الأحساء

خريطة بونّ للجزيرة العربية (1771، ملكية عامة). المواقع مُسقطة بإحداثياتها الحديثة من ويكيبيديا، فقد لا تطابق رسم الخريطة القديم تمامًا؛ والخط يصل الأماكن بترتيب ذكرها، لا بالضرورة طريق الرحلة.

في خريف سنة 1528 ركب البرتغالي أنطونيو تنريرو سفينة من هرمز متّجهة إلى البصرة. وكان يحمل رسائل من قائد هرمز إلى ملك البرتغال، ومهمّته أن يبلغ لشبونة برًّا. وفي الفصول الأخيرة من رحلته يروي ما رآه في الطريق: الخليج العربي وجزره ومغاصاته، وأدلّاء خارك، وشطّ العرب، والبصرة، ثم البادية التي عبرها مع دليل واحد.

وهذه المقالة تتبع تلك الصفحات بالترتيب الذي كتبها به تنريرو.

رجلٌ عاد من مصر

يبدأ تنريرو الفصل السادس والخمسين بذكر سبب خروجه. فقد قضى في هرمز خمس سنين أو ستًّا، ثم قدم كريستوفاو دي مندونسا قائدًا للقلعة وحاكمًا لها. ويقول إن القائد لمّا علم أنه جاء من مصر وقطع البادية، «سألني مرّاتٍ كثيرةً أن أرضى بالمضيّ برًّا إلى البرتغال برسائل إلى مولانا الملك».

خريطة أورتيليوس لمملكة فارس الصفوية، يظهر فيها الخليج العربي وهرمز وبادية العرب التي عبرها المؤلف
الصورة 6: خريطة مملكة فارس الصفوية «Persici sive Sophorum Regni Typus»، ويظهر فيها الخليج العربي وهرمز، وبادية العرب («Arabia Deserta») (صورة أضافها المحقق)المصدر: «رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)»، ص 126طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: أبراهام أورتيليوس، من أطلس «Theatrum Orbis Terrarum»، أنتويرب، نسخةٌ مؤرّخةٌ في ويكيميديا كومنز بسنة 1574

ويعرّف المحقق بالقائد، فيقول إنه «نبيلٌ برتغالي»، وإنه «هو الذي كلّف المؤلف بالمضيّ برًّا إلى البرتغال ليبلغ الملك جواو الثالث أخبارًا عن تلك النواحي».

ويذكر تنريرو أن الغاية كانت أن يتعرّف في طريقه «هل ثمّة أخبارٌ عن عبور «الروم» إلى الهند». ويشرح المحقق أن «الروم» هو الاسم الذي أطلقه البرتغاليون في ذلك العصر على العثمانيين ومن معهم من جند البحر.

ويقول تنريرو إنه كان يستطيع أن يعتذر، «لما كنتُ أذكره من المشاقّ والأخطار التي قاسيتها». لكنه قبل في النهاية، وطلب رسائل إلى ملك البصرة ليعطيه دليلًا.

بحرٌ ضيّق بين ساحلين

ولم تُقلع السفينة من هرمز «إلا في آخر سبتمبر من سنة 1528». ويصف تنريرو الخليج بأنه «بحرٌ ضيّقٌ يدخل بين فارس وبلاد العرب نحو مئتي فرسخ». ويقول إن أعرض ما فيه «عشرون فرسخًا أو خمسةٌ وعشرون»، وفي مواضع أخرى أحد عشر فرسخًا وأقلّ.

وقد نقل تنريرو هنا تسمية الجغرافيين الأوروبيين للخليج. ويوضّح المحقق أنه أبقى اللفظ في ذلك الموضع وحده «لأنّ المؤلف ينسب التسمية صراحةً إلى «الجغرافيين»، وقد جرينا في سائر الترجمة على تسميته «الخليج العربي»».

ويذكر أن في وسط هذا البحر «جزرٌ يسكنها مسلمون من العرب، ليس فيها من الأقوات غير التمر، لأنّهم يعيشون من صيد اللؤلؤ».

البحرين والقطيف

ويقول تنريرو عن أكبر هذه الجزر: «وأكبرها جزيرةٌ تسمّى البحرين». ويصفها بأنها «أكبر جزر هذا البحر وأخصبها»، وأن لؤلؤها «أجود لؤلؤٍ في بلاد المشرق، بل في الهند». ويذكر أنها تقع تجاه مدينة تسمّى القطيف.

جزرٌ يسكنها مسلمون من العرب، ليس فيها من الأقوات غير التمر، لأنّهم يعيشون من صيد اللؤلؤ
أنطونيو تنريرو«رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)»

ويشرح المحقق أن الاسم في الأصل «Bárem، وهي البحرين، ويريد الجزيرة الكبرى (أوال)». ويضيف أن البرتغاليين أخذوها سنة 1521، وبقيت في أيديهم حتى سنة 1602. وعن القطيف يقول إنها «على ساحل جزيرة العرب مقابل البحرين»، وإنها كانت من إقليم البحرين التاريخي مع الأحساء وجزر البحرين.

الغوص كما رآه برتغالي سنة 1528

ويخصّ تنريرو الفصل السابع والخمسين بصيد اللؤلؤ. ويقول إن أهل الجزر يصيدونه «في أشهر يونيو ويوليو وأغسطس». فإذا سكنت الريح ربطوا قاربًا فوق موضع يعرفون من علاماته أن المحار في قاعه، على عمق «عشر قاماتٍ أو اثنتي عشرة قامة». ويوضّح المحقق أن القامة «نحو 1.8 متر».

ويصف الغوّاص: يُربط بحبل طويل من تحت إبطيه، ويُربط في قدميه حجر «ليحمله سريعًا إلى القاع». ويضع على أنفه «مِلقطًا يضغطه لئلّا يدخله الماء»، ويحمل في يده دلوًا يملؤه من المحار، ثم يجذب الحبل ليرفعوه.

ويصف المحار بأنه «في حجم راحة اليد، أسود من الخارج، شديد اللمعان من الداخل». ويقول إنه «يُفتح في الشمس على ملاءات»، فيُخرج ما فيه من اللؤلؤ.

أربعون يومًا بين ساحلٍ وساحل

ولم تكن الرحلة إلى البصرة سريعة. ويذكر تنريرو ثلاثة أسباب: الرياح الشمالية الغربية هبّت تلك السنة أبكر من عادتها، والسفينة كانت مثقلة بالبضائع، والريح كانت في وجوههم. ولذلك ظلّوا ينتقلون بين ساحل وساحل، «نلقي المرساة وننتظر المدّ». ويقول إن الرحلة استغرقت «أكثر من أربعين يومًا».

خارك: جزيرة الأدلّاء

ثم بلغوا جزيرة يسمّيها في الأصل Cargem. ويوضّح المحقق أنها «جزيرة خارك (خرج)، جزيرةٌ في شمال الخليج العربي».

ويصفها تنريرو بأنها «جزيرةٌ صغيرةٌ منخفضةٌ تكاد تساوي سطح البحر، لا يبلغ محيطها فرسخًا واحدًا». ويقول إن سكّانها نفر قليل، «كلّهم أدلّاء بحريّون، يُدخلون السفن من مصبّ النهر ويقودونها فيه حتى البصرة». ومن هذه الجزيرة أخذت السفينة دليلًا.

شطّ العرب والمدّ

ويقول تنريرو إن النهر عند مدخله واسع «بحيث لا يُرى البرّ من أيّ جانبٍ من جانبيه». فإذا أبحر المرء فيه نصف يوم بدأت الأرض تظهر من الجانبين، و«أشجار النخيل التي تحفّ به».

ويذكر أن السفن لا تسير فيه بعد ذلك «إلا مع المدّ وارتفاعه». ويشرح المحقق: «يتأثّر شطّ العرب بالمدّ والجزر، فيرتفع ماؤه مع المدّ فترتدّ مياهه العذبة إلى الوراء». ويوضّح أيضًا أن النهر الذي يسمّيه تنريرو «الفرات» هو شطّ العرب.

ولم يصبر تنريرو على انتظار المدّ. فنزل في منتصف الطريق، «ومشيتُ بين بساتين النخيل»، فبلغ البصرة في ذلك اليوم، «لأنّ الطريق في البرّ أقصر منه في النهر».

البصرة: سور من الطين وخليج للسفن

ويصف تنريرو البصرة بأنها بعيدة عن النهر أكثر من فرسخين، ويصل إليها خليج يمتدّ من النهر، «بدا لي أنّه من صنع البشر». وفيه تدخل السفن مع المدّ لتفرغ بضائعها.

ويقول إن المدينة «محاطةٌ بسورٍ من الطين المدكوك»، وإن دورها من الطين نفسه ولها سطوح. ويصفها بأنها «مجمعٌ كبيرٌ للعرب المسلمين الذين يفدون إليها من البادية ليتّجروا ببضائعهم». ويذكر أن أهل نواحيها يعيشون من التمر، «ومن تربية الغنم والجواميس».

دليلٌ واحد في البادية

ووصل تنريرو بعد أن سارت القوافل الكبرى إلى حلب ودمشق. فذهب إلى حاكم البصرة، ويقول إنه كان «شيخًا من العرب المسلمين، شديد الخبرة»، وقد عمل قبل ذلك في تجارة الإبل بين دمشق والبصرة.

منظر مدينة دمشق في أطلس المدن لبراون وهوغنبرغ؛ إليها وإلى حلب كانت تسير القوافل الكبرى من البصرة
الصورة 2: منظرٌ لمدينة دمشق «Damascus, urbs nobilissima ad Libanum montem, totius Syriae metropolis» — من فصلٍ آخر في الكتاب؛ وإلى دمشق وحلب كانت تسير القوافل الكبرى من البصرة (صورة أضافها المحقق)المصدر: «رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)»، ص 82طبيعة الصورة: صورة تاريخية أضافها المحقق إلى الكتاب، وليست من رسوم المؤلف أو صورهأصل الصورة: غيورغ براون وفرانس هوغنبرغ، «Civitates Orbis Terrarum»، المجلّد الرابع، كولونيا، 1588

وطلب تنريرو دليلًا واحدًا. فقال له الحاكم إنه «لم يرَ قطّ رجلًا مثلي، إذ أريد أن أغامر بقطع البادية مع دليلٍ واحد»، ونصحه أن يعدل عن رأيه. لكن تنريرو أصرّ، فوجد له الحاكم بعد خمسة عشر يومًا رجلًا من الأعراب يقبل الرحلة.

وأعطاه تنريرو «ثمانين كروزادو». ويوضّح المحقق أن الكروزادو «عملةٌ ذهبيةٌ برتغاليةٌ قيمتها في ذلك العصر أربعمئة ريال».

زاد الهجين

ويعدّد تنريرو ما اشتراه: هجينين، وقِرَبًا للماء، «وبسكويتًا وتمرًا وزبيبًا، ودقيقًا لعلف الهجن». ويقول إن الدقيق يُصنع منه للإبل «كُرَيّاتٌ من عجينٍ يابس». ويذكر أن الهجن «تصبر على العطش ثمانية أيامٍ أو عشرةً لا تشرب»، وتقطع في اليوم والليلة من خمسة وعشرين فرسخًا إلى ثلاثين.

ويوضّح المحقق أن الهجين في الأصل dromedairo، «ويريد به هنا الذَّلول السريع من الإبل المعدّة للركوب».

وداعٌ في الحِلّة

ولم يبدأ السفر من البصرة مباشرة. فقد ذهب الاثنان أوّلًا إلى حِلّة في البادية، فيها امرأة الدليل وأولاده وأقاربه. ويقول تنريرو إنهم أقاموا هناك ثلاثة أيام، وكان أهل الدليل «كلّ يومٍ يأكلون ويشربون ويبكون جميعًا»، لأنهم لا يدرون أيرونه بعد ذلك أم لا.

ثم خرجا في منتصف الليل، «لئلّا يُحسّ بنا». وساروا ثلاثة أيام بلياليها في أرض بلا ماء، لا يستريحون إلا ساعتين أو ثلاثًا. وفي المواضع المكشوفة، كما يقول، «كان إذا نام أحدنا سهر الآخر».

هجينٌ يعرج

ويروي تنريرو حادثة وقعت في فجر أحد الأيام: نفرت الهجن فجأة، فعدت بهما «أكثر من فرسخين». ويقول إنه أوشك أن يسقط مرّات. فلمّا سكنت الإبل، «أخذ الدليل ينظر إليّ وأنظر إليه»، ولم يستطع أحدهما أن يكلّم الآخر.

وفي هذا العدو دخلت شوكة في قائمة هجين تنريرو، فعرج. ويقول إنهما أقاما ستّة أيام أو سبعة، والدليل «يداوي الجرح الذي أحدثته الشوكة في الهجين»، ثم استأنفا السير وهو يعرج.

قطعان المها والأخدري

ويقول تنريرو إنهما لم يريا في طريقهما «رجلًا ولا امرأة». لكنه رأى قطعانًا كثيرة من الصيد. ويصف حيوانًا شعره «فضّيٌّ شديد اللمعان»، وله «أذنابٌ كأذناب الخيل»، و«رأسٌ كرأس الفرس، بقرونٍ صغيرةٍ مستقيمةٍ إلى أعلى ملساء». ويقول المحقق: «هذا وصف المها العربيّ (Oryx leucoryx)».

ويذكر أيضًا «قطعانًا كبيرةً جدًّا من الحمير الوحشية، كلّها حمراء». ويوضّح المحقق أنه «الحمار الوحشيّ الآسيويّ (الأخدري، Equus hemionus)»، وأنه كان يعيش في بادية الشام حتى أوائل القرن العشرين. ويقول تنريرو إنه كان يجد القطيع منها «ألفين أو ثلاثة آلاف» عند الماء الراكد بين الجبال.

ويذكر أنهما في اثنين وعشرين يومًا لم يسقيا الإبل «إلا أربع مرّاتٍ في آبارٍ عميقةٍ جدًّا قديمة»، بحبل طويل ودلو من الجلد حملاهما معهما.

كوكانا: بلدة على عين ماء

وبعد اثنين وعشرين يومًا بلغا بلدة في البادية يسمّيها تنريرو «كوكانا». ويقول إنها «محاطةٌ بسورٍ من الحجر والجصّ»، يسكنها فلّاحون عرب يزرعون القمح والشعير والبقول وقليلًا من النخل، «في قطعةٍ من الأرض تُسقى بعين ماءٍ عذبٍ تنبع بقربها».

ووصلا إليها بعد منتصف الليل، لأن الدليل لم يرد أن يدخلاها نهارًا خوفًا على الهجن، «وهي عزيزةٌ عند الأعراب جدًّا». فوجدا الأبواب مغلقة، فباتا خارج السور حتى الصباح. فلمّا قدّما رسالة حاكم البصرة إلى شيخ البلدة أكرمهما، «وأمر في الحال أن يُصنع لنا طعامٌ حسنٌ كثير».

وهناك افترق تنريرو عن دليله. ويقول إن الأعرابي «ودّعني بحنينٍ شديدٍ ودموع»، وقال إنه سيعود في البادية وحده.

جلود الحمير الوحشية

ويذكر تنريرو أن تجارة البلدتين، كوكانا والطيّبة، هي «جلود الحمير الوحشية»، التي تُصاد عند عيونهما. ويقول إن الترك ووجهاء المسلمين يصنعون منها أحذيتهم وسروجهم. ويذكر أيضًا أن رماد بعض الأعشاب هناك يُصنع منه الصابون، ويوضّح المحقق أنه «رماد نبات الأشنان والقلي».

ثم سار مع قافلة ثمانية أيام إلى حلب. ويقول إنهم في أوّل العمران نزلوا في قرية «أطعموا فيها القافلة كلّها مجّانًا»، لأن أحد أعيان المسلمين وقف ريعها لإطعام القوافل.

خاتمة

يجمع هذا الجزء من رحلة تنريرو صورتين لطريق واحد: الطريق البحري في الخليج العربي، بغوّاصيه وأدلّائه ومدّه وجزره، ثم طريق البادية بإبله وآباره وقطعان المها والحمير الوحشية. ومن البادية بلغ تنريرو قرية في أطراف حلب، ثم حلب نفسها، ومنها أكمل الطريق إلى البرتغال. وما يرويه عن خارك والبحرين والقطيف وشطّ العرب من أقدم ما كتبه أوروبي عن شمال الخليج العربي بعد وصول البرتغاليين إلى هرمز. ويذكر المحقق في تعليقه على الملك جواو الثالث أن المؤلف بلغه «في آخر هذه الرحلة فكافأه».

ومن أراد النص كاملًا فليرجع إلى الصفحات المذكورة أدناه.

المصدر

  • الكتاب: «رحلة أنطونيو تنريرو من هرمز إلى فارس ومصر والبرتغال (1523–1529)»، تأليف: أنطونيو تنريرو (António Tenreiro)؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
  • الصفحات: 121–132
  • أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
  • تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.
شارك:Xواتسابتيليجراملينكدإن

التعليقات (0)

  • كن أول من يعلّق.

سجّل الدخول للتعليق أو إنشاء حساب.

مقالات ذات صلة