- ١. جمرون
- ٢. هرمز
- ٣. قشم
خريطة بونّ للجزيرة العربية (1771، ملكية عامة). المواقع مُسقطة بإحداثياتها الحديثة من ويكيبيديا، فقد لا تطابق رسم الخريطة القديم تمامًا؛ والخط يصل الأماكن بترتيب ذكرها، لا بالضرورة طريق الرحلة.
في السادس من أبريل سنة 1638 ركب الشابّ الألماني يوهان ألبرشت فون ماندلسلو سفينة إنجليزية في مرسى جمرون، أي بندر عبّاس، متّجهًا إلى سورت على ساحل الهند. وكتب في الفصلين التاسع والعاشر من رحلته يوميات هذا السفر: السفينة وحمولتها، والخيل التي لم تجد مكانًا، والمرور بين هرمز وقشم، وساحل بلاد العرب، وسفينة غريبة في عرض البحر، وجزيرة سقطرى، ثم الوصول إلى نهر سورت.
وهذه المقالة تتبع تلك اليوميات يومًا بعد يوم.
سفن أخرى في مرسى جمرون
وقبل «البجعة» رأى ماندلسلو في مرسى جمرون سفنًا أخرى. ففي الثامن والعشرين من فبراير وصلت «سفينةٌ كبيرةٌ من سورت حمولتها ثلاثمئة «لاست»»، ويقول إنه يقال «إنّ رجلًا إنجليزيًّا بناها». ويوضّح المحقق أن اللاست «وحدةٌ هولنديةٌ وألمانيةٌ قديمةٌ لقياس حمولة السفن، اختلف مقدارها باختلاف البضائع والعصور».

ويذكر أن على هذه السفينة جاءت «ملكةٌ عجوز، أمّ ملك گولكنده، ومعها ابنتها». ويوضّح المحقق أن گولكنده «سلطنةٌ في الدكن بجنوب الهند»، حكمها بنو قطب شاه من 1518 إلى 1687. فالمرسى لم يكن للتجّار وحدهم، بل كان يستقبل مسافرين من بلاطات الهند أيضًا.
وفي الحادي والعشرين من مارس وصل إلى جمرون من داخل فارس تاجر إنجليزي «ومعه مئتان وثلاث وخمسون بالةً من الحرير، وزن البالة مئتا رطل». ويقول ماندلسلو إن الإنجليز تسلّموا هذا الحرير من ملك فارس عن دين قديم لهم عليه، ويذكر أن هذا الدين ناشئ «عن نصف دخل المكس في جمرون». وهذه الأحمال كانت تنتظر سفنًا مثل «البجعة» لتحملها إلى الهند وأوروبا.
وفي جمرون نفسها فقد ماندلسلو جرّاحه، يوهان فاينمايستر، الذي مات بالحمّى في الثاني والعشرين من مارس. ويقول إنه دفنه «بإذن الإنجليز في مقبرتهم المبنيّة هناك بناءً حسنًا».
سفينة اسمها «البجعة»
يقول ماندلسلو إنه كانت في جمرون «سفينةٌ إنجليزيةٌ تسمّى «البجعة» (der Schwan)، حسنة البناء، حمولتها مئةٌ وخمسون لاستًا، تحمل أربعةً وعشرين مدفعًا». ويقول: «ركبتُها وتابعتُ عليها رحلتي إلى الهند».
ويذكر أن القائد الإنجليزي المقيم في جمرون، الذي يتسلّم البضائع ويشحن السفن، تلقّى أمرًا من وكيل الشركة في أصفهان «بأن ينقلني مع أصحابي إلى الهند بلا أجر».
ثلاثة خيول بنصف ثمنها
ومن تفاصيل الشحن أن السفينة امتلأت بالبضائع، فلم يبق فيها مكان «إلا لفرسين من الثمانية التي كان يُراد حملها إلى الهند». وكان على الستّة الباقية أن تنتظر سفينة أخرى.
ولذلك اضطرّ ماندلسلو إلى بيع خيوله الثلاثة. ويقول: «فأفضلها، وقد قُدّر في أصفهان بمئتي تالر، اضطُررتُ إلى التخلّي عنه بمئة تالر، وكذلك الآخران بنصف الثمن».
وهذه الحادثة الصغيرة تكمل ما ذكره في الفصل السابق عن تجارة الخيل من جمرون إلى الهند. فقد قال هناك إن الخيل الفارسية «عظيمة القيمة في الهند»، وإن الفرس الحسن «قد تبلغ قيمته أكثر من أربعمئة تالر».
وداع على الشاطئ
ويقول ماندلسلو إنه ركب السفينة في السادس من أبريل مع تاجرين إنجليزيين استدعاهما رئيس سورت. ويوضّح المحقق أن الرئيس هو «رئيس وكالة شركة الهند الشرقية الإنجليزية في سورت، وكان يلقّب بالرئيس (President)».
ويذكر أن من شيّعهم إلى السفينة القائد الإنجليزي «مع بعض تجّار البانيان المعروفين لنا معرفةً حسنة». ويقول: «وأُطلقت تكريمًا لنا أربعة مدافع من السفينة». ويصف قائد السفينة بأنه «رجلٌ عاقلٌ شجاعٌ مهذّب».
ويقول إن القائد أعطاه «صدر المجلس في السفينة، ومرقدي في القمرة الكبيرة».
مؤونة حيّة على السطح
ويذكر ماندلسلو ما كانوا يأكلونه في الرحلة: «فكان طعامنا كلّ يومٍ الدجاج السمين ولحم الضأن الطريّ، وكنّا نحمل منه عشرين رأسًا حيّةً معنا». وكانت معهم لحوم مملّحة أيضًا.
وكان ماندلسلو مريضًا بالزحار منذ جمرون. ويقول إنه كان يغلي ماء الشرب «بالقرفة أو قشر الدارصيني»، ويستعمل أحيانًا «قشر الرمّان». ويرى أن المرض انقطع عنه تمامًا بعد أيام من الراحة في سورت.
عاصفة أمام هرمز
ولم تُقلع السفينة في اليوم الأوّل، «لأنّ الريح لم تشأ أن تواتينا للخروج». وفي المساء جاء ربّان سفينة هولندية راسية قريبًا منهم فودّعهم وأرسل لهم هدية للرحلة.
وفي السابع من أبريل أقلعوا، واتّجهوا نحو جزيرة هرمز «طلبًا للعمق». ويقول ماندلسلو: «ولكن هبّت علينا نحو المساء من الغرب عاصفةٌ شديدةٌ دفعتنا نحو الشاطئ». فألقوا المرساة، «فلمّا لم تمسك استعنّا بالأخرى». وبقوا الليل راسين قبالة الجزيرة.
بين هرمز وقشم
وفي يوم الأحد، الثامن من الشهر، أخذوا «نُراوح بريحٍ غربيةٍ لطيفة بين الجزيرتين، هرمز وقشم، وبينهما نحو أربعة أميال». ويقول إن قشم إلى اليمين غربيّ هرمز، «ولكنّها، كما قيل، أكبر من هرمز كثيرًا».
وفي ذلك اليوم مات غلام صغير من بحّارة السفينة بالزحار، فدُفن في البحر. ويقول ماندلسلو إن ذلك أورثه «كآبةً وغمًّا شديدين»، لأنه كان مريضًا بالمرض نفسه.
برّ بلاد العرب
ويقول: «ويوم الاثنين لاح لنا برّ بلاد العرب، فدنونا منه، وسرنا قريبًا من الشاطئ، لأنّ هناك عمقًا حسنًا وقاعًا نظيفًا». ويوضّح المحقق أنه يريد «ساحل رؤوس الجبال (مسندم) وما يليه من ساحل عُمان، المقابل لهرمز وقشم من جهة الجنوب، على الأرجح».
ويذكر أنهم يوم الثلاثاء بقوا عند ذلك الشاطئ، «لأنّ الريح سكنت تمامًا». ويوم الأربعاء أقلعوا، «وغاب عنّا برّ العرب نحو المساء». ثم جاءتهم يوم الخميس ريح قويّة مواتية، فاتّخذوا مسارهم نحو الشرق الجنوبي الشرقي. ويقول: «ويوم الجمعة غاب عن أعيننا البرّ كلّه».
سفينة تغيّر أشرعتها
وفي ذلك اليوم رأوا نحو الجنوب الغربي سفينة يصفها ماندلسلو بأنها سفينة قرصان. ويصف حركتها: «كانت تُصغّر أشرعتها تارةً وتُكبّرها تارة، وترفعها وتحطّها تارة، وتميل إلى الجانب تارة».

ويقول إنهم عزموا على مطاردتها، «لكنّها فرّت أمامنا، ومضت نحو البحر الأحمر، على الخطّ المتّجه إلى جزيرة سقطرى». فتركوها وعادوا إلى مسارهم.
سقطرى في حديث الربّان
ثم ينقل ماندلسلو ما قاله ربّان السفينة عن سقطرى. فقد كان الربّان «يُثني على هذه الجزيرة كثيرًا، ويقول إنّها عزاءٌ عظيمٌ لراكبي البحر في هذه الناحية وقت العواصف». ويعلّل ذلك بأن المرء يستطيع، «لكثرة خلجانها وزواياها ذات العمق الحسن»، أن يحتمي بها من الرياح كلّها.
ويذكر أن الجزيرة تُخرج «الصَّبِر بكثرةٍ عظيمة»، فيعصرون عصارته ويجفّفونها في المثانات وجلود الغنم. ويذكر أنه يُجمع فيها «دم الأخوين». ويوضّح المحقق أنه «الصمغ الأحمر المستخرج من شجرة Dracaena cinnabari، وهي من أشهر نباتات سقطرى».
ويعرّف المحقق سقطرى بأنها «جزيرةٌ يمنية في بحر العرب قبالة رأس جردفوي»، ويقول إنها كانت يومئذٍ «تابعةً لسلطنة بني عفرار المهريّين، ومقرّهم قشن على ساحل المهرة».
ويضيف أولياريوس في شرحه أن أهلها يكنزون التمر «ويأكلونه بدل الخبز، ويعيشون في الغالب على الثمار والسمك». ويذكر أولياريوس أيضًا، نقلًا عن «رحلات الهولنديين البحرية»، أن لأهل الجزيرة لحراستها «حصنٌ من جذوع الخشب، وآخر من الحجارة على البرّ»، وعليه مدافع عليها شعار البرتغاليين، ويقال إنهم غنموها «من سفينةٍ برتغاليةٍ كبيرةٍ جنحت هناك وتحطّمت». ويجعل الجزيرة على إحدى عشرة درجة وأربعين دقيقة، ويقول إن طولها خمسة وعشرون ميلًا وعرضها عشرة أميال. وينبّه المحقق إلى أن ما ورد في هذا الشرح عن أهل الجزيرة «حكايةٌ منقولةٌ عن «رحلات الهولنديين» لا عن مشاهدته، ولا يصحّ أن يُعمَّم».
دفتر خطوط العرض
ومن أطرف ما في هذا الفصل أن ماندلسلو سجّل موقع السفينة يومًا بيوم بدرجة العرض. فيقول: «وفي الرابع عشر من أبريل وجدنا أنفسنا على ثلاثٍ وعشرين درجةً وأربعٍ وعشرين دقيقة». ثم يتابع: اثنتان وعشرون درجة وخمس وخمسون دقيقة في الخامس عشر، ثم اثنتان وعشرون وأربعون في السادس عشر، حتى «تسع عشرة درجةً وخمسين دقيقة» في الثاني والعشرين.
وفي السابع عشر من أبريل، كما يقول، «أخذ قائدنا يشكو المرض، وأصابته حمّى شديدة».
الرسوّ بعيدًا عن البرّ
ويقول ماندلسلو: «وفي الخامس والعشرين من أبريل وصلنا إلى الهند، إلى مرسى سورت». ويذكر أنهم رسوا على ميلين من البرّ، لأن السفينة كانت تريد أن تمضي بعد أربعة أيام أو خمسة.
ويقول إن الرحلة «التي تُحسب من جمرون إلى سورت خمسمئة ميل، قطعناها في تسعة عشر يومًا».
ثلاثة فصول ورياح موسمية
ويشرح ماندلسلو سبب العجلة. فالسفن الكبيرة لا تستطيع أن تبقى في هذا الموضع «من مايو إلى سبتمبر، لكثرة الأمطار وشدّة العواصف». ويذكر أن السنة هنا ثلاثة فصول: الحرّ في فبراير ومارس وأبريل ومايو، والمطر من يونيو إلى سبتمبر «مع الرعد والبرق»، والبرد من أكتوبر إلى يناير.
ويوضّح المحقق أنه «يشير إلى الرياح الموسمية: فالموسميّ الجنوبيّ الغربيّ يضرب ساحل الهند الغربيّ (ساحل كجرات ومالابار) من يونيو إلى سبتمبر».
في القارب إلى سورت
وفي التاسع والعشرين من أبريل نزل ماندلسلو من السفينة في قارب. ويقول إن الفراق بينه وبين القائد كان سببًا «في أن تدمع العيون من الجانبين»، وإنه ترك القائد «طريح الفراش بحمّى شديدة».
ثم دخل القارب «نهرًا بهيجًا يمرّ بمدينة سورت». ويوضّح المحقق أنه «نهر تاپتي (Tapti)»، وأن السفن الكبيرة كانت ترسو «في «مرسى سوالي» عند المصبّ». ويصف ماندلسلو على يمين النهر «بساتين نزهةٍ جميلةً ببيوتٍ مطليّةٍ بالبياض الخالص»، ويعلّل: «فإنّ أهل الهند يحبّون عمومًا اللون الأبيض كثيرًا». ويقول إن السفن الكبيرة لا تصعد في هذا النهر.
«بريد الثيران»
ونزل ماندلسلو عند دار المكس ليعلن عن نفسه وأمتعته. ثم أرسل إليه الرئيس الإنجليزي «عربةً هنديةً يجرّها ثوران أبيضان، معلّقٌ عليهما كثيرٌ من الأجراس». ويقول مازحًا إنه سار على «بريد الثيران»، «وهو أسرع من بريد الخيل عندنا».
واستقبله الرئيس ونائبه وليم فريملين، كما يعرّفه المحقق. وعرض عليه الرئيس أن يبقى عندهم خمسة أشهر أو ستّة، فقبل، وأُعطي غرفة في الطبقة العليا من دار الشركة.
خاتمة
يختم المحقق الترجمة عند هذا الموضع، ويقول: «وبهذا الفصل يبلغ ماندلسلو سورت، وتنتهي رحلته في فارس والخليج العربي وطريقه البحريّ إلى الهند». وفي هذه الصفحات القليلة صورة واضحة لطريق بحري كان يربط موانئ الخليج العربي بالهند في القرن السابع عشر: سفينة تحمل الخيل والبضائع، وتمرّ بين هرمز وقشم، وتسير بمحاذاة ساحل مسندم، ثم تقطع بحر العرب في أقلّ من ثلاثة أسابيع. وتكشف اليوميات أيضًا أن هذا السفر كان مرهونًا بالرياح والمواسم، وبصحّة من على السفينة، أكثر ممّا كان مرهونًا بمهارة الربّان وحدها، وأن كرم الصحبة على ظهر السفينة كان يخفّف عن المسافر المريض طول الطريق وغربته.
المصدر
- الكتاب: «من أصفهان إلى سورت: رحلة ماندلسلو في فارس والخليج العربي (1638)»، تأليف: يوهان ألبرشت فون ماندلسلو؛ تحقيق: أحمد علي المرر؛ مؤسسة الكود لنشر الكتب.
- الصفحات: 40–42، 57، 65–73
- أرقام الصفحات بحسب ملف الكتاب المحوَّل من DOCX إلى PDF.
- تحقّقنا من مواضع المقتبس في ملف PDF، وما يمتد منه على صفحتين نُسب إلى صفحة بدايته.


